Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الشورى - الآية 42

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) (الشورى) mp3
أَيْ بِعُدْوَانِهِمْ عَلَيْهِمْ ; فِي قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : أَيْ يَظْلِمُونَهُمْ بِالشِّرْكِ الْمُخَالِف لِدِينِهِمْ .

أَيْ فِي النُّفُوس وَالْأَمْوَال ; فِي قَوْل الْأَكْثَرِينَ . وَقَالَ مُقَاتِل : بَغْيهمْ عَمَلهمْ بِالْمَعَاصِي . وَقَالَ أَبُو مَالِك : هُوَ مَا يَرْجُوهُ كُفَّار قُرَيْش أَنْ يَكُون بِمَكَّة غَيْر الْإِسْلَام دِينًا . وَعَلَى هَذَا الْحَدّ قَالَ اِبْن زَيْد : إِنَّ هَذَا كُلّه مَنْسُوخ بِالْجِهَادِ , وَإِنَّ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّة . وَقَوْل قَتَادَة : إِنَّهُ عَامّ ; وَكَذَا يَدُلّ ظَاهِر الْكَلَام . وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَالْحَمْد لِلَّهِ .

قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذِهِ الْآيَة : فِي مُقَابَلَة الْآيَة الْمُتَقَدِّمَة فِي " بَرَاءَة " وَهِيَ قَوْله : " مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل " [ التَّوْبَة : 91 ] ; فَكَمَا نَفَى اللَّه السَّبِيل عَمَّنْ أَحْسَنَ فَكَذَلِكَ نَفَاهَا عَلَى مَنْ ظُلِمَ ; وَاسْتَوْفَى بَيَان الْقِسْمَيْنِ .


وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي السُّلْطَان يَضَع عَلَى أَهْل بَلَد مَالًا مَعْلُومًا بِأَخْذِهِمْ بِهِ وَيُؤَدُّونَهُ عَلَى قَدْر أَمْوَالهمْ ; هَلْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاص مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَل , وَهُوَ إِذَا تَخَلَّصَ أَخَذَ سَائِر أَهْل الْبَلَد بِتَمَامِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِمْ . فَقِيلَ لَا ; وَهُوَ قَوْل سَحْنُون مِنْ عُلَمَائِنَا . وَقِيلَ : نَعَمْ , لَهُ ذَلِكَ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاص ; وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو جَعْفَر أَحْمَد بْن نَصْر الدَّاوُدِيّ ثُمَّ الْمَالِكِيّ . قَالَ : وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْل مَالِك فِي السَّاعِي يَأْخُذ مِنْ غَنَم أَحَد الْخُلَطَاء شَاة وَلَيْسَ فِي جَمِيعهَا نِصَاب إِنَّهَا مَظْلِمَة عَلَى مَنْ أَخَذْت لَهُ لَا يَرْجِع عَلَى أَصْحَابه بِشَيْءٍ . قَالَ : وَلَسْت آخُذ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُون ; لِأَنَّ الظُّلْم لَا أُسْوَة فِيهِ , وَلَا يَلْزَم أَحَد أَنْ يُولِج نَفْسه فِي ظُلْم مَخَافَة أَنْ يُضَاعَف الظُّلْم عَلَى غَيْره , وَاَللَّه سُبْحَانه يَقُول : " إِنَّمَا السَّبِيل عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاس " .

وَاخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاء فِي التَّحْلِيل ; فَكَانَ اِبْن الْمُسَيِّب لَا يُحَلِّل أَحَدًا مِنْ عِرْض وَلَا مَال . وَكَانَ سُلَيْمَان بْن يَسَار وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ يُحَلِّلَانِ مِنْ الْعِرْض وَالْمَال . وَرَأَى مَالِك التَّحْلِيل مِنْ الْمَال دُون الْعِرْض . رَوَى اِبْن الْقَاسِم وَابْن وَهْب عَنْ مَالِك وَسُئِلَ عَنْ قَوْل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب " لَا أُحَلِّل أَحَدًا " فَقَالَ : ذَلِكَ يَخْتَلِف ; فَقُلْت لَهُ يَا أَبَا عَبْد اللَّه , الرَّجُل يُسَلِّف الرَّجُل فَيَهْلَك وَلَا وَفَاء لَهُ ؟ قَالَ : أَرَى أَنْ يُحَلِّلهُ وَهُوَ أَفْضَل عِنْدِي ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى : يَقُول : " الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنه " [ الزُّمَر : 18 ] . فَقِيلَ لَهُ : الرَّجُل يَظْلِم الرَّجُل ؟ فَقَالَ : لَا أَرَى ذَلِكَ , هُوَ عِنْدِي مُخَالِف لِلْأَوَّلِ , يَقُول اللَّه تَعَالَى : " إِنَّمَا السَّبِيل عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاس " وَيَقُول تَعَالَى : " مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل " التَّوْبَة : 91 ] فَلَا أَرَى أَنْ يَجْعَلهُ مِنْ ظُلْمه فِي حِلّ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحَدهَا : لَا يُحَلِّلهُ بِحَالٍ ; قَالَهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . الثَّانِي : يُحَلِّلهُ ; قَالَهُ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ . الثَّالِث : إِنْ كَانَ مَالًا حَلَّلَهُ وَإِنْ كَانَ ظُلْمًا لَمْ يُحَلِّلهُ ; وَهُوَ قَوْل مَالِك . وَجْه الْأَوَّل أَلَّا يُحَلِّل مَا حَرَّمَ اللَّه ; فَيَكُون كَالتَّبْدِيلِ لِحُكْمِ اللَّه . وَوَجْه الثَّانِي أَنَّهُ حَقّه فَلَهُ أَنْ يُسْقِط كَمَا يُسْقِط دَمه وَعِرْضه . وَوَجْه الثَّالِث الَّذِي اِخْتَارَهُ مَالِك هُوَ أَنَّ الرَّجُل إِذَا غَلَبَ عَلَى أَدَاء حَقّك فَمِنْ الرِّفْق بِهِ أَنْ يَتَحَلَّلهُ , وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَمِنْ الْحَقّ أَلَّا تَتْرُكهُ لِئَلَّا تَغْتَرّ الظَّلَمَة وَيَسْتَرْسِلُوا فِي أَفْعَالهمْ الْقَبِيحَة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم حَدِيث أَبِي الْيُسْر الطَّوِيل وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِغَرِيمِهِ : اُخْرُجْ إِلَيَّ , فَقَدْ عَلِمْت أَيْنَ أَنْتَ ; فَخَرَجَ ; فَقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى أَنْ أَخْتَبَأْت مِنِّي ؟ قَالَ : أَنَا وَاَللَّه أُحَدِّثك ثُمَّ لَا أَكْذِبك , خَشِيت وَاَللَّه أَنْ أُحَدِّثك فَأَكْذِبك , وَأَنْ أَعِدك فَأُخْلِفك , وَكُنْت صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكُنْت وَاَللَّه مُعْسِرًا . قَالَ قُلْت : آللَّه ؟ قَالَ آللَّه ; قَالَ : فَأَتَى بِصَحِيفَةٍ فَمَحَاهَا فَقَالَ : إِنْ وَجَدْت قَضَاء فَاقْضِ , وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي حِلّ ... وَذَكَرَ الْحَدِيث . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا فِي الْحَيّ الَّذِي يُرْجَى لَهُ الْأَدَاء لِسَلَامَةِ الذِّمَّة وَرَجَاء التَّمَحُّل , فَكَيْف بِالْمَيِّتِ الَّذِي لَا مُحَالَلَة لَهُ وَلَا ذِمَّة مَعَهُ . الْعَاشِرَة : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّ مَنْ ظُلِمَ وَأُخِذَ لَهُ مَال فَإِنَّمَا لَهُ ثَوَاب مَا اِحْتَبَسَ عَنْهُ إِلَى مَوْته , ثُمَّ يَرْجِع الثَّوَاب إِلَى وَرَثَته , ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى آخِرهمْ ; لِأَنَّ الْمَال يَصِير بَعْده لِلْوَارِثِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر الدَّاوُدِيّ الْمَالِكِيّ : هَذَا صَحِيح فِي النَّظَر ; وَعَلَى هَذَا الْقَوْل إِنْ مَاتَ الظَّالِم قَبْل مَنْ ظَلَمَهُ وَلَمْ يَتْرُك شَيْئًا أَوْ تَرَكَ مَا لَمْ يَعْلَم وَارِثه فِيهِ بِظُلْمٍ لَمْ تَنْتَقِل تَبَاعَة الْمَظْلُوم إِلَى وَرَثَة الظَّالِم ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلظَّالِمِ مَا يَسْتَوْجِبهُ وَرَثَة الْمَظْلُوم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • ثلاثون وصية نبوية للعروسين ليلة الزفاف

    ثلاثون وصية نبوية للعروسين ليلة الزفاف : جمع هذا الكتاب (32) وصية من وصايا النبي - صلى الله عليه وسلم - المتعلقة بآداب الزفاف والوليمة والجماع، مع الإشارة إجمالاً إلى مراعاة الحقوق وحسن العشرة الزوجية، كما تضمنت الوصايا ذكر بعض أحكام الزينة والطهارة المرتبطة بالموضوعات المذكورة.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/55378

    التحميل:

  • التحذير من المدارس الأجنبية

    التحذير من المدارس الأجنبية : تضمنت هذه الرسالة علاج داء خطير فشا بين الشباب اليوم، هو: الالتحاق بالمدارس الأجنبية للدراسة فيها وأخذ العلوم عنها. - تحقيق: الشيخ عبد السلام بن برجس - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205548

    التحميل:

  • الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم

    الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم: في هذا الكتاب بيان معنى الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحُكمها، وكيفيتها، وفضلها، وفضل زيارة قبره ومسجده - عليه الصلاة والسلام -، وذكر آداب دخول المسجد كما وردت في كتب السنن.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385233

    التحميل:

  • دفاع عن العقيدة وعن العلامة ابن باز والرد على جهالات المرتزقة

    دفاع عن العقيدة وعن العلامة ابن باز والرد على جهالات المرتزقة: بسط لعقيدة أهل السنة و الجماعة، و بيان لموردهم في عقيدة الأسماء و الصفات، و الذب عن حياض أهل العلم، و خاصة بن باز رحمه الله الذي كال له الحاقدين صنوف الإتهام و الإفك، ليصدوا العامة عن علمه الصافي و عقيدته السليمه لأغراض كاسدة بائسة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/76536

    التحميل:

  • منهاج المسلم الصغير

    كتاب يحتوي على رسومات توضيحية وجداول وتقسيمات لتعليم أحكام الطهارة والصلاة للأطفال.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/328241

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة