Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الشورى - الآية 39

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) (الشورى) mp3
أَيْ أَصَابَهُمْ بَغْي الْمُشْرِكِينَ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَغَوْا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَصْحَابه وَآذَوْهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ مَكَّة فَأَذِنَ اللَّه لَهُمْ بِالْخُرُوجِ وَمَكَّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْض وَنَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ ; وَذَلِكَ قَوْله فِي سُورَة الْحَجّ : " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير . الَّذِينَ أُخْرِجُوا ... " [ الْحَجّ : 39 - 40 ] الْآيَات كُلّهَا . وَقِيلَ : هُوَ عَامّ فِي بَغْي كُلّ بَاغٍ مِنْ كَافِر وَغَيْره , أَيْ إِذَا نَالَهُمْ ظُلْم مِنْ ظَالِم لَمْ يَسْتَسْلِمُوا لِظُلْمِهِ . وَهَذِهِ إِشَارَة إِلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَإِقَامَة الْحُدُود . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : ذَكَرَ اللَّه الِانْتِصَار فِي الْبَغْي فِي مَعْرِض الْمَدْح , وَذَكَرَ الْعَفْو عَنْ الْجُرْم فِي مَوْضِع آخَر فِي مَعْرِض الْمَدْح ; فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَحَدهمَا رَافِعًا لِلْآخَرِ , وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى حَالَتَيْنِ ; إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُون الْبَاغِي مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ ; وَقِحًا فِي الْجُمْهُور , مُؤْذِيًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِير ; فَيَكُون الِانْتِقَام مِنْهُ أَفْضَل . وَفِي مِثْله قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ : كَانُوا يَكُوهُونَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسهمْ فَتَجْتَرِئ عَلَيْهِمْ الْفُسَّاق . الثَّانِيَة : أَنْ تَكُون الْفَلْتَة , أَوْ يَقَع ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْتَرِف بِالزَّلَّةِ وَيَسْأَل الْمَغْفِرَة ; فَالْعَفْو هَاهُنَا أَفْضَل , وَفِي مِثْله نَزَلَتْ : " وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَب لِلتَّقْوَى " [ الْبَقَرَة : 237 ] . وَقَوْل : " فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ " [ الْمَائِدَة : 45 ] . وَقَوْله : " وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِر اللَّه لَكُمْ " [ النُّور : 22 ] قُلْت : هَذَا حَسَن , وَهَكَذَا ذَكَرَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه قَالَ : قَوْله تَعَالَى : " وَاَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْي يَنْتَصِرُونَ " يَدُلّ ظَاهِره عَلَى أَنَّ الِانْتِصَار فِي هَذَا الْمَوْضِع أَفْضَل ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَرَنَهُ إِلَى ذِكْر الِاسْتِجَابَة لِلَّهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى وَإِقَام الصَّلَاة ; وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا ذَكَرَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسهمْ فَتَجْتَرِئ عَلَيْهِمْ الْفُسَّاق ; فَهَذَا فِيمَنْ تَعَدَّى وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ . وَالْمَوْضِع الْمَأْمُور فِيهِ بِالْعَفْوِ إِذَا كَانَ الْجَانِي نَادِمًا مُقْلِعًا . وَقَدْ قَالَ عَقِيب هَذِهِ الْآيَة : " وَلِمَنْ اِنْتَصَرَ بَعْد ظُلْمه فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل " . وَيَقْتَضِي ذَلِكَ إِبَاحَة الِانْتِصَار لَا الْأَمْر بِهِ , وَقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : " وَلِمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْم الْأُمُور " . وَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْغُفْرَان عَنْ غَيْر الْمُصِرّ, فَأَمَّا الْمُصِرّ عَلَى الْبَغْي وَالظُّلْم فَالْأَفْضَل الِانْتِصَار مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا . وَقِيلَ : أَيْ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْي تَنَاصَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى يُزِيلُوهُ عَنْهُمْ وَيَدْفَعُوهُ ; قَالَهُ اِبْن بَحْر . وَهُوَ رَاجِع إِلَى الْعُمُوم عَلَى مَا ذَكَرْنَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «الزكاة في الإسلام» بينت فيها بإيجاز كل ما يحتاجه المسلم في زكاته, وقرنت كل مسألة بدليلها من الكتاب والسنة، ... وقد قسمت البحث إلى عدة مباحث على النحو الآتي: المبحث الأول: مفهوم الزكاة: لغة، وشرعًا. المبحث الثاني: منزلة الزكاة في الإسلام. المبحث الثالث: فوائد الزكاة وحِكَمِهَا. المبحث الرابع: حكم الزكاة في الإسلام. المبحث الخامس: شروط وجوب الزكاة. المبحث السادس: زكاة الدين. المبحث السابع: مسائل مهمة في الزكاة. المبحث الثامن: زكاة بهيمة الأنعام السائمة. المبحث التاسع: زكاة الخارج من الأرض. المبحث العاشر: زكاة الأثمان: الذهب والفضة والأوراق النقدية. المبحث الحادي عشر: زكاة عروض التجارة والأسهم والسندات. المبحث الثاني عشر: زكاة الفطر. المبحث الثالث عشر: مصارف الزكاة في الإسلام. المبحث الرابع عشر: صدقة التطوع في الإسلام».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193637

    التحميل:

  • صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم

    صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: كتاب يُبيِّن كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي بذكر أحاديث صفة صلاته - عليه الصلاة والسلام - مع بيان صحتها من ضعفها; وشرحها والتعليق عليها بما يُجلِّي معانيها وفوائدها.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316726

    التحميل:

  • جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم

    جامع العلوم والحكم : يتضمن الكتاب شرح خمسين حديثاً منتقاة من جوامع الأحاديث النبوية الشريفة، يندرج تحتها معان كثيرة في ألفاظ قليلة، وهي مما خص الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وأصل هذا الكتاب ستة وعشرون حديثاً جمعها الإمام أبو عمرو عثمان بن موسى الشهرزوري الشهير بابن الصلاح، ثم إن الإمام النووي زاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثاً، وسمى كتابة الأربعين، ثم إن الحافظ ابن رجب ضم إلى ذلك كله ثمانية أحاديث من جوامع الكلم الجامعة لأنواع العلوم والحكم، فبلغت خمسين حديثاً، ثم استخار الله تعالى إجابة لجماعة من طلبة العلم في جمع كتاب يتضمن شرح ما يسَّر الله من معانيها، وتقييد ما يفتح به سبحانه من تبيين قواعدها ومبانيها، وقد اعتنى في شرحه هذا بالتفقه في معاني الأحاديث النبوية وتفسير غريبها، وشرح غامضها، وتأويل مختلفها، وبيان أحكامها الفقهية والعقدية التي تضمنتها، وما اختلف فيه العلماء منها.

    المدقق/المراجع: ماهر ياسين الفحل

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2097

    التحميل:

  • إقامة الحجة بذكر أدلة وجوب إعفاء اللحية ويليها فتاوى

    رسالة مختصرة في حكم اللحية في الإسلام وفي حكم إعفائها، وحكم حلقها وتقصيرها وحكم إطالة الشارب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335004

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ صالح آل الشيخ ]

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان مقاصدها، وفي هذه الصفحة تفريغ للدروس التي ألقاها معالي الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/305089

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة