Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الشورى - الآية 30

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (30) (الشورى) mp3
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامِر " بِمَا كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فَاء . الْبَاقُونَ " فَبِمَا " بِالْفَاءِ , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم لِلزِّيَادَةِ فِي الْحَرْف وَالْأَجْر . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : إِنْ قَدَّرْت أَنَّ " مَا " الْمَوْصُولَة جَازَ حَذْف الْفَاء وَإِثْبَاتهَا , وَالْإِثْبَات أَحْسَن . وَإِنْ قَدَّرْتهَا الَّتِي لِلشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ الْحَذْف عِنْد سِيبَوَيْهِ , وَأَجَازَهُ الْأَخْفَش وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ " [ الْأَنْعَام : 121 ] . وَالْمُصِيبَة هُنَا الْحُدُود عَلَى الْمَعَاصِي ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقَالَ الضَّحَّاك : مَا تَعَلَّمَ رَجُل الْقُرْآن ثُمَّ نَسِيَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ " ثُمَّ قَالَ : وَأَيّ مُصِيبَة أَعْظَم مِنْ نِسْيَان الْقُرْآن ; ذَكَرَهُ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد . قَالَ أَبُو عُبَيْد : إِنَّمَا هَذَا عَلَى التَّرْك , فَأَمَّا الَّذِي هُوَ دَائِب فِي تِلَاوَته حَرِيص عَلَى حِفْظه إِلَّا أَنَّ النِّسْيَان يَغْلِبهُ فَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْء . وَمِمَّا يُحَقِّق ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْسَى الشَّيْء مِنْ الْقُرْآن حَتَّى يَذْكُرهُ ; مِنْ ذَلِكَ حَدِيث عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَمِعَ قِرَاءَة رَجُل فِي الْمَسْجِد فَقَالَ : ( مَا لَهُ رَحِمَهُ اللَّه ! لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَات كُنْت أُنْسِيتهَا مِنْ سُورَة كَذَا وَكَذَا ) . وَقِيلَ : " مَا " بِمَعْنَى الَّذِي , وَالْمَعْنَى الَّذِي أَصَابَكُمْ فِيمَا مَضَى بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ . وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : هَذِهِ الْآيَة أَرْجَى آيَة فِي كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَإِذَا كَانَ يُكَفِّر عَنِّي بِالْمَصَائِبِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير فَمَا يَبْقَى بَعْد كَفَّارَته وَعَفْوه ! وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا عَنْهُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَلَا أُخْبِركُمْ بِأَفْضَل آيَة فِي كِتَاب اللَّه حَدَّثَنَا بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَمَا مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ " الْآيَة : ( يَا عَلِيّ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَض أَوْ عُقُوبَة أَوْ بَلَاء فِي الدُّنْيَا فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ . وَاَللَّه أَكْرَم مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَيْكُمْ الْعُقُوبَة فِي الْآخِرَة وَمَا عَفَا عَنْهُ فِي الدُّنْيَا فَاَللَّه أَحْلَم مِنْ أَنْ يُعَاقَب بِهِ بَعْد عَفْوه ) . وَقَالَ الْحَسَن : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ اِخْتِلَاج عِرْق وَلَا خَدْش عُود وَلَا نَكْبَة حَجَر إِلَّا بِذَنْبٍ وَلِمَا يَعْفُو اللَّه عَنْهُ أَكْثَر ) . وَقَالَ الْحَسَن : دَخَلْنَا عَلَى عِمْرَان بْن حُصَيْن فَقَالَ رَجُل : لَا بُدّ أَنْ أَسْأَلك عَمَّا أَرَى بِك مِنْ الْوَجَع ; فَقَالَ عِمْرَان : يَا أَخِي لَا تَفْعَل ! فَوَاَللَّهِ إِنِّي لَأُحِبّ الْوَجَع وَمَنْ أَحَبَّهُ كَانَ أَحَبَّ النَّاس إِلَى اللَّه , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير " فَهَذَا مِمَّا كَسَبَتْ يَدِي , وَعَفْو رَبِّي عَمَّا بَقِيَ أَكْثَر .


وَقَالَ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ : رَأَيْت عَلَى ظَهْر كَفّ شُرَيْح قُرْحه فَقُلْت : يَا أَبَا أُمَيَّة , مَا هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير . وَقَالَ اِبْن عَوْن : إِنَّ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ لَمَّا رَكِبَهُ الدَّيْن اِغْتَمَّ لِذَلِكَ فَقَالَ : إِنِّي لَا أَعْرِف هَذَا الْغَمّ , هَذَا بِذَنْبٍ أَصَبْته مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَة . وَقَالَ أَحْمَد بْن أَبِي الْحَوَارِيّ قِيلَ لِأَبِي سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ : مَا بَال الْعُقَلَاء أَزَالُوا اللَّوْم عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ ؟ فَقَالَ : لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا اِبْتَلَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير " . وَقَالَ عِكْرِمَة : مَا مِنْ نَكْبَة أَصَابَتْ عَبْدًا فَمَا فَوْقهَا إِلَّا بِذَنْبٍ لَمْ يَكُنْ اللَّه لِيَغْفِرهُ لَهُ إِلَّا بِهَا أَوْ لِيَنَالَ دَرَجَة لَمْ يَكُنْ يُوصِلهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِهَا . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِمُوسَى : يَا مُوسَى , سَلْ اللَّه لِي فِي حَاجَة يَقْضِيهَا لِي هُوَ أَعْلَم بِهَا ; فَفَعَلَ مُوسَى ; فَلَمَّا نَزَلَ إِذْ هُوَ بِالرَّجُلِ قَدْ مَزَّقَ السَّبْع لَحْمه وَقَتَلَهُ ; فَقَالَ مُوسَى : مَا بَال هَذَا يَا رَبّ ؟ فَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ : ( يَا مُوسَى إِنَّهُ سَأَلَنِي دَرَجَة عَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهَا بِعَمَلِهِ فَأَصَبْته بِمَا تَرَى لِأَجْعَلهَا وَسِيلَة لَهُ فِي نَيْل تِلْكَ الدَّرَجَة ) . فَكَانَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ إِذَا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث يَقُول : سُبْحَان مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُنِيلهُ تِلْكَ الدَّرَجَة بِلَا بَلْوَى ! وَلَكِنَّهُ يَفْعَل مَا يَشَاء . قُلْت : وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة فِي الْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " [ النِّسَاء : 123 ] وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذَا فِي حَقّ الْمُؤْمِنِينَ , فَأَمَّا الْكَافِر فَعُقُوبَته مُؤَخَّرَة إِلَى الْآخِرَة . وَقِيلَ : هَذَا خِطَاب لِلْكُفَّارِ , وَكَانَ إِذَا أَصَابَهُمْ شَرّ قَالُوا : هَذَا بِشُؤْمِ مُحَمَّد ; فَرَدَّ عَلَيْهِمْ وَقَالَ بَلْ ذَلِكَ بِشُؤْمِ كُفْركُمْ . وَالْأَوَّل أَكْثَر وَأَظْهَر وَأَشْهَر . وَقَالَ ثَابِت الْبُنَانِيّ : إِنَّهُ كَانَ يُقَال سَاعَات الْأَذَى يَذْهَبْنَ سَاعَات الْخَطَايَا . ثُمَّ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا خَاصَّة فِي الْبَالِغِينَ أَنْ تَكُون عُقُوبَة لَهُمْ , وَفِي الْأَطْفَال أَنْ تَكُون مَثُوبَة لَهُمْ . الثَّانِي : أَنَّهَا عُقُوبَة عَامَّة لِلْبَالِغِينَ فِي أَنْفُسهمْ وَالْأَطْفَال فِي غَيْرهمْ مِنْ وَالِد وَوَالِدَة . " وَيَعْفُو عَنْ كَثِير " أَيْ عَنْ كَثِير مِنْ الْمَعَاصِي أَلَّا يَكُون عَلَيْهَا حُدُود ; وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْل الْحَسَن . وَقِيلَ : أَيْ يَعْفُو عَنْ كَثِير مِنْ الْعُصَاة أَلَّا يُعَجِّل عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تفسير القرطبي [ الجامع لأحكام القرآن ]

    تفسير القرطبي [ الجامع لأحكام القرآن ]: في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى الآية من كتاب تفسير القرطبي، وهو من أجَلِّ التفاسير وأعظمها نفعاً، كما قال ابن فرحون, ويتميز بتوسعه في ذكر أسباب النزول، والقراءات، والإعراب، وبيان الغريب من ألفاظ القرآن, ويردُّ على المعتزلة، والقدرية، والروافض، والفلاسفة، وغلاة المتصوفة, وينقل عن السَّلَف كثيراً مما أُثِر عنهم في التفسير والأحكام، مع نسبة كل قول إلى قائله, وأما من ناحية الأحكام، فيستفيض في ذكر مسائل الخلاف المتعلقة بالآيات مع بيان أدلة كلِّ قول. وطريقته أنه كثيراً ما يورد تفسير الآية أو أكثر في مسائل يذكر فيها غالباً فضل السورة أو الآية - وربما قدَّم ذلك على المسائل- وأسباب النزول, والآثار المتعلِّقة بتفسير الآية, مع ذكر المعاني اللغوية, متوسعاً في ذلك بذكر الاشتقاق, والتصريف, والإعراب وغيره, مستشهداً بأشعار العرب، وذكر أوجه القراءات في الآية, ويستطرد كثيراً في ذكر الأحكام الفقهية المتعلقة بالآية, إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليه تفسيره من ترجيح, أو حكم على حديث, أو تعقب, أو كشف لمذاهب بعض أهل البدع. ويؤخذ عليه استطراده أحياناً فيما لا يمت للتفسير بصلة, وإيراده أخباراً ضعيفة بل وموضوعة دون تنبيه, وتأويله للصفات مع أوهام وقعت له.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140030

    التحميل:

  • الأثر التربوي للمسجد

    الأثر التربوي للمسجد : إن دور المسجد في الواقع جزء متكامل مع أدوار المؤسسات الأخرى في المجتمع، فتنطلق منه لتمارس أنشطتها من خلاله مغزولة ومتداخلة في النسيج الذي يكون حياة المجتمع، وهذه المحاضرة توضح أثرًا من آثار المسجد المباركة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144873

    التحميل:

  • شرح العقيدة الطحاوية [ البراك ]

    العقيدة الطحاوية : متن مختصر صنفه العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ، وهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، وقد ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه، وقد تناولها عدد كبير من أهل العلم بالتوضيح والبيان، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، وفي هذه الصفحة نسخة مصورة من هذا الكتاب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205049

    التحميل:

  • صلاة المريض في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة المريض في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة المريض بيّنت فيها: مفهوم المرض، ووجوب الصبر، وفضله، والآداب التي ينبغي للمريض أن يلتزمها، وأوضحت يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها، وكيفية طهارة المريض بالتفصيل، وكيفية صلاته بإيجاز وتفصيل، وحكم الصلاة: في السفينة، والباخرة، والقطار، والطائرة، والسيارة، بإيجاز وبيان مفصَّل، كما أوضحت حكم صلاة النافلة في السفر على جميع وسائل النقل، وقرنت كل مسألة بدليلها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/58444

    التحميل:

  • الحج .. آداب وأسرار ومشاهد

    الحج .. آداب وأسرار ومشاهد : يحتوي هذا الكتاب على بيان بعض آداب الحج، ومنافعه ودروسه، وبيان بعض مشاهد الحج مثل مشهد التقوى، والمراقبة، والصبر، والشكر ... إلخ

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172674

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة