Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الشورى - الآية 27

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) (الشورى) mp3
ع فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : ع الْأُولَى : فِي نُزُولهَا ; قِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الصُّفَّة تَمَنَّوْا سَعَة الرِّزْق . وَقَالَ خَبَّاب بْن الْأَرَتّ : فِينَا نَزَلَتْ ; نَظَرْنَا إِلَى أَمْوَال بَنِي النَّضِير وَقُرَيْظَة وَبَنِي قَيْنُقَاع فَتَمَنَّيْنَاهَا فَنَزَلَتْ . " لَوْ بَسَطَ " مَعْنَاهُ وَسَّعَ . وَبَسَطَ الشَّيْء نَشَرَهُ . وَبِالصَّادِ أَيْضًا . " لَبَغَوْا فِي الْأَرْض " طَغَوْا وَعَصَوْا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : بَغْيهمْ طَلَبهمْ مَنْزِلَة بَعْد مَنْزِلَة وَدَابَّة بَعْد دَابَّة وَمَرْكَبًا بَعْد مَرْكَب وَمَلْبَسًا بَعْد مَلْبَس . وَقِيلَ : أَرَادَ لَوْ أَعْطَاهُمْ الْكَثِير لَطَلَبُوا مَا هُوَ أَكْثَر مِنْهُ , لِقَوْلِهِ : ( لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَم وَادِيَانِ مِنْ ذَهَب لَابْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثًا ) وَهَذَا هُوَ الْبَغْي , وَهُوَ مَعْنَى قَوْل اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : لَوْ جَعَلْنَاهُمْ سَوَاء فِي الْمَال لَمَا اِنْقَادَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , وَلَتَعَطَّلَتْ الصَّنَائِع . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالرِّزْقِ الْمَطَر الَّذِي هُوَ سَبَب الرِّزْق ; أَيْ لَوْ أَدَامَ الْمَطَر لَتَشَاغَلُوا بِهِ عَنْ الدُّعَاء , فَيَقْبِض تَارَة لِيَتَضَرَّعُوا وَيَبْسُط أُخْرَى لِيَشْكُرُوا . وَقِيلَ : كَانُوا إِذَا أَخْصَبُوا أَغَارَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ; فَلَا يَبْعُد حَمْل الْبَغْي عَلَى هَذَا . الزَّمَخْشَرِيّ : " لَبَغَوْا " مِنْ الْبَغْي وَهُوَ الظُّلْم ; أَيْ لَبَغَى هَذَا عَلَى ذَاكَ وَذَاكَ عَلَى هَذَا ; لِأَنَّ الْغِنَى مَبْطَرَة مَأْشَرَة , وَكَفَى بِقَارُون عِبْرَة . وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي زَهْرَة الدُّنْيَا وَكَثْرَتهَا ) . وَلِبَعْضِ الْعَرَب : وَقَدْ جَعَلَ الْوَسْمِيّ يَنْبُت بَيْننَا وَبَيْن بَنِي دُودَان نَبْعًا وَشَوْحَطَا يَعْنِي أَنَّهُمْ أَحْيَوْا فَحَدَّثُوا أَنْفُسهمْ بِالْبَغْيِ وَالتَّغَابُن . أَوْ مِنْ الْبَغْي وَهُوَ الْبَذَخ وَالْكِبْر ; أَيْ لَتَكَبَّرُوا فِي الْأَرْض وَفَعَلُوا مَا يَتْبَع الْكِبْر مِنْ الْعُلُوّ فِيهَا وَالْفَسَاد . " وَلَكِنْ يُنَزِّل بِقَدَرٍ مَا يَشَاء " أَيْ يُنَزِّل أَرْزَاقهمْ بِقَدَرٍ مَا يَشَاء لِكِفَايَتِهِمْ وَقَالَ مُقَاتِل : " يُنَزِّل بِقَدَرٍ مَا يَشَاء " يَجْعَل مَنْ يَشَاء غَنِيًّا وَمَنْ يَشَاء فَقِيرًا . الثَّانِيَة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَفْعَال الرَّبّ سُبْحَانه لَا تَخْلُو عَنْ مَصَالِح وَإِنْ لَمْ يَجِب عَلَى اللَّه الِاسْتِصْلَاح ; فَقَدْ يَعْلَم مِنْ حَال عَبْد أَنَّهُ لَوْ بَسَطَ عَلَيْهِ قَادَهُ ذَلِكَ إِلَى الْفَسَاد فَيَزْوِي عَنْهُ الدُّنْيَا ; مَصْلَحَة لَهُ . فَلَيْسَ ضِيق الرِّزْق هَوَانًا وَلَا سَعَة الرِّزْق فَضِيلَة ; وَقَدْ أَعْطَى أَقْوَامًا مَعَ عِلْمه أَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الْفَسَاد , وَلَوْ فَعَلَ بِهِمْ خِلَاف مَا فَعَلَ لَكَانُوا أَقْرَب إِلَى الصَّلَاح . وَالْأَمْر عَلَى الْجُمْلَة مُفَوَّض إِلَى مَشِيئَته , وَلَا يُمْكِن اِلْتِزَام مَذْهَب الِاسْتِصْلَاح فِي كُلّ فِعْل مِنْ أَفْعَال اللَّه تَعَالَى . وَرَوَى أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : ( مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَإِنِّي لَأَسْرَع شَيْء إِلَى نُصْرَة أَوْلِيَائِي وَإِنِّي لَأَغْضَب لَهُمْ كَمَا يَغْضَب اللَّيْث الْحَرِد . وَمَا تَرَدَّدْت فِي شَيْء أَنَا فَاعِله تَرَدُّدِي فِي قَبْض رُوح عَبْدِي الْمُؤْمِن يَكْرَه الْمَوْت وَأَنَا أَكْرَه إِسَاءَته وَلَا بُدّ لَهُ مِنْهُ . وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي الْمُؤْمِن بِمِثْلِ أَدَاء مَا اِفْتَرَضْت عَلَيْهِ . وَمَا يَزَال عَبْدِي الْمُؤْمِن يَتَقَرَّب إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَلِسَانًا وَيَدًا وَمُؤَيِّدًا فَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْته وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْته . وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَسْأَلنِي الْبَاب مِنْ الْعِبَادَة وَإِنِّي عَلِيم أَنْ لَوْ أَعْطَيْته إِيَّاهُ لَدَخَلَهُ الْعُجْب فَأَفْسَدَهُ . وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحهُ إِلَّا الْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْته لَأَفْسَدَهُ الْفَقْر . وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحهُ إِلَّا الْفَقْر وَلَوْ أَغْنَيْته لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى . وَإِنِّي لِأُدَبِّر عِبَادِي لِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ فَإِنِّي عَلِيم خَبِير ) . ثُمَّ قَالَ أَنَس : اللَّهُمَّ إِنِّي مِنْ عِبَادك الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا يُصْلِحهُمْ إِلَّا الْغِنَى , فَلَا تُفْقِرنِي بِرَحْمَتِك .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التصوف بين التمكين والمواجهة

    هذا الكتاب يبين مدى ضلال وانحراف بعض الفرق الضالة التي تنتسب إلى الله وإلى شرعه وآل رسوله - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته - رضي الله عنهم -، وكيف أن مثل هذا الضلال يجعل أعداء الإسلام يتخذون أمثال هؤلاء للإضرار بالإسلام والمسلمين، بل ويدعمونهم ويصنعون منهم قوة يُحسب لها حساب وتلعب دور وهي تكسب بذلك ولاءهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287647

    التحميل:

  • ما لا يسع المسلم جهله

    ما لا يسع المسلمَ جهلُه: يتناول هذا الكتاب ما يجب على كل مسلم تعلُّمه من أمور دينه؛ فذكر مسائل مهمة في باب العقيدة، وما قد يعتري عليها من الفساد إذا ما جهل المسلم محتوياتها، وما يتطلبها من أخذ الحيطة والحذر عما يخالفها، كما تحدَّث عن أهمية متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يعمله المسلم في باب العبادات والمعاملات، ويحمل أهمية بالغة لكل من يريد معرفة الإسلام بإيجاز وبصورة صحيحة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/369712

    التحميل:

  • لماذا يكرهونه ؟! [ الأصول الفكرية لموقف الغرب من نبي الإسلام ]

    يهدف البحث إلى التعرف على الأسباب الفكرية لهذا الموقف الغربي، وكيف يمكن مقاومة هذا الموقف عملياً للدفاع عن رموز الأمة الإسلامية؟

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205665

    التحميل:

  • غراس السنابل

    غراس السنابل: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الدعوة إلى الله من أهم المهمات وأوجب الواجبات، بها يستقيم أمر الفرد ويصلح حال المجتمع ولقد كان للمرأة المسلمة دور مبكر في الدعوة إلى الله ونشر هذا الدين فهي أم الرجال وصانعة الأبطال ومربية الأجيال، لها من كنانة الخير سهام وفي سبيل الدعوة موطن ومقام، بجهدها يشرق أمل الأمة ويلوح فجره القريب. وقد جمعت لها مائة وثلاث وثمانين سنبلة تقطف الأخت المسلمة زهرتها وتأخذ من رحيقها.. فهي سنابل مخضرة وأزهار يانعة غرستها أخت لها في الله حتى آتت أكلها واستقام عودها.. إنها نماذج دعوية لعمل الحفيدات الصالحات ممن يركضن للآخرة ركضًا ويسعين لها سعيًا، فأردت بجمعها أن تكون دافعًا إلى العمل ومحركة للهمم واختصرتها في نقاط سريعة لتنوعها وكثرتها واكتفيت بالإشارة والتذكير».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208977

    التحميل:

  • العلاقة المثلى بين العلماء والدعاة ووسائل الاتصال الحديثة في ضوء الكتاب والسنة

    العلاقة المثلى بين العلماء والدعاة ووسائل الاتصال الحديثة في ضوء الكتاب والسنة: بحثٌ مختصر في «العلاقة المثلى بين العلماء والدعاة، ووسائل الاتصال الحديثة» ألَّفه الشيخ - حفظه الله - قديمًا، ثم نظر فيه مؤخرًا، فوجده مفيدًا لخطر وسائل الإعلام الحديثة إذا تُرِك الحبل على الغارب لدعاة الضلالة، فهو يُبيِّن فيه واقع وسائل الاتصال الحديثة وبعض فوائدها وكثير ضررها، مع بيان ضرورة الدعوة إلى الله بالحكمة، ثم ذكر في الأخير خطر وأهمية وسائل الاتصال الحديثة، وذكر بعض الأمثلة على هذه الوسائل وكيفية الاستفادة منها في نشر العلم والدعوة إلى الله تعالى، وكل ذلك مشفوعٌ بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال العلماء المعاصرين.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320895

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة