Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الشورى - الآية 20

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (20) (الشورى) mp3
قَوْله تَعَالَى : " مَنْ كَانَ يُرِيد حَرْث الْأَخِرَة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثه " الْحَرْث الْعَمَل وَالْكَسْب . وَمِنْهُ قَوْل عَبْد اللَّه بْن عُمَر : وَاحْرُثْ لِدُنْيَاك كَأَنَّك تَعِيش أَبَدًا وَاعْمَلْ لِآخِرَتِك كَأَنَّك تَمُوت غَدًا . وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّجُل حَارِثًا . وَالْمَعْنَى أَيْ مَنْ طَلَبَ بِمَا رَزَقْنَاهُ حَرْثًا لِآخِرَتِهِ , فَأَدَّى حُقُوق اللَّه وَأَنْفَقَ فِي إِعْزَاز الدِّين ; فَإِنَّمَا نُعْطِيه ثَوَاب ذَلِكَ لِلْوَاحِدِ عَشْرًا إِلَى سَبْعمِائَةِ فَأَكْثَر . " وَمَنْ كَانَ يُرِيد حَرْث الدُّنْيَا " أَيْ طَلَبَ بِالْمَالِ الَّذِي آتَاهُ اللَّه رِيَاسَة الدُّنْيَا وَالتَّوَصُّل إِلَى الْمَحْظُورَات , فَإِنَّا لَا نَحْرُمهُ الرِّزْق أَصْلًا , وَلَكِنْ لَا حَظَّ بِهِ فِي الْآخِرَة مِنْ مَاله ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " مَنْ كَانَ يُرِيد الْعَاجِلَة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَنْ نُرِيد ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّم يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَة وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا وَهُوَ مُؤْمِن فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيهمْ مَشْكُورًا " [ الْإِسْرَاء : 18 - 19 ] . وَقِيلَ : " نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثه " نُوَفِّقهُ لِلْعِبَادَةِ وَنُسَهِّلهَا عَلَيْهِ . وَقِيلَ : حَرْث الْآخِرَة الطَّاعَة ; أَيْ مَنْ أَطَاعَ فَلَهُ الثَّوَاب . قِيلَ : " نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثه " أَيْ نُعْطِهِ الدُّنْيَا مَعَ الْآخِرَة . وَقِيلَ : الْآيَة فِي الْغَزْو ; أَيْ مَنْ أَرَادَ بِغَزْوِهِ الْآخِرَة أُوتِيَ الثَّوَاب , وَمَنْ أَرَادَ بِغَزْوِهِ الْغَنِيمَة أُوتِيَ مِنْهَا . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَالظَّاهِر أَنَّ الْآيَة فِي الْكَافِر ; يُوَسِّع لَهُ فِي الدُّنْيَا ; أَيْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْتَرّ بِذَلِكَ لِأَنَّ الدُّنْيَا لَا تَبْقَى . وَقَالَ قَتَادَة : إِنَّ اللَّه يُعْطِي عَلَى نِيَّة الْآخِرَة مَا شَاءَ مِنْ أَمْر الدُّنْيَا , وَلَا يُعْطِي عَلَى نِيَّة الدُّنْيَا إِلَّا الدُّنْيَا . وَقَالَ أَيْضًا : يَقُول اللَّه تَعَالَى : ( مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ زِدْنَاهُ فِي عَمَله وَأَعْطَيْنَاهُ مِنْ الدُّنْيَا مَا كَتَبْنَا لَهُ وَمَنْ آثَرَ دُنْيَاهُ عَلَى آخِرَته لَمْ نَجْعَل لَهُ نَصِيبًا فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار وَلَمْ يُصِبْ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا رِزْقًا قَدْ قَسَمْنَاهُ لَهُ لَا بُدّ أَنْ كَانَ يُؤْتَاهُ مَعَ إِيثَار أَوْ غَيْر إِيثَار ) . وَرَوَى جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " مَنْ كَانَ يُرِيد حَرْث الْآخِرَة " مَنْ كَانَ مِنْ الْأَبْرَار يُرِيد بِعَمَلِهِ الصَّالِح ثَوَاب الْآخِرَة " نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثه " أَيْ فِي حَسَنَاته .

" وَمَنْ كَانَ يُرِيد حَرْث الدُّنْيَا " أَيْ مَنْ كَانَ مِنْ الْفُجَّار يُرِيد بِعَمَلِهِ الْحَسَن الدُّنْيَا " نُؤْتِهِ مِنْهَا " ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي الْإِسْرَاء : " مَنْ كَانَ يُرِيد الْعَاجِلَة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَنْ نُرِيد " [ الْإِسْرَاء . 18 ] . وَالصَّوَاب أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ ; لِأَنَّ هَذَا خَبَر وَالْأَشْيَاء كُلّهَا بِإِرَادَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يَقُلْ أَحَدكُمْ اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْت اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي إِنْ شِئْت ) . وَقَدْ قَالَ قَتَادَة مَا تَقَدَّمَ ذِكْره , وَهُوَ يُبَيِّن لَك أَنْ لَا نَسْخ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " هُود " أَنَّ هَذَا مِنْ بَاب الْمُطْلَق وَالْمُقَيَّد , وَأَنَّ النَّسْخ لَا يَدْخُل فِي الْأَخْبَار . وَاَللَّه الْمُسْتَعَان . مَسْأَلَة : هَذِهِ الْآيَة تُبْطِل مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة فِي قَوْله : إِنَّهُ مَنْ تَوَضَّأَ تَبَرُّدًا أَنَّهُ يُجْزِيه عَنْ فَرِيضَة الْوُضُوء الْمُوَظَّف عَلَيْهِ ; فَإِنَّ فَرِيضَة الْوُضُوء مِنْ حَرْث الْآخِرَة وَالتَّبَرُّد مِنْ حَرْث الدُّنْيَا , فَلَا يَدْخُل أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر , وَلَا تُجْزِي نِيَّته عَنْهُ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَة ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • إتحاف أهل الإيمان بوظائف شهر رمضان

    هذا الكتاب يبين بعض وظائف شهر رمضان المبارك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231262

    التحميل:

  • البلاغة الواضحة: البيان والمعاني والبديع

    البلاغة الواضحة: البيان والمعاني والبديع: قال المؤلفان: «فهذا كتابٌ وضعناه في البلاغة، واتجهنا فيه كثيرًا إلى الأدب، رجاءَ أن يجتلِي الطلابُ فيه محاسنَ العربية، ويلمَحوا ما في أساليبها من جلال وجمال، ويدرُسُوا من أفانين القول وضروب التعبير، ما يهَبُ لهم نعمةَ الذوق السليم، ويُربِّي فيهم ملكَة النقد الصحيح». وحول الدليل قالا: «فقد رأينا الحاجةَ دافعةً إلى خِدمة كتابنا «البلاغة الواضحة» بالإجابة عن تمريناته؛ لأن ما فيه من نصوص الأدب الكثيرة وما في مسائله وتطبيقاته من الجِدَّة والابتكار، قد يُلجِئ الطالبَ في أول عهده بالبلاغة وبهذا الأسلوب الطريف منها إلى الاستعانة بمن يأخذ بده ويَهديه الطريقَ السويَّ في التفكير».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371025

    التحميل:

  • بيان ما يفعله الحاج والمعتمر

    بيان ما يفعله الحاج والمعتمر : هذه الرسالة تبين أحكام الحج والعمرة بصورة مختصرة تناسب العامي فضلاً عن غيره.

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205552

    التحميل:

  • صرخة .. في مطعم الجامعة!!

    صرخة .. في مطعم الجامعة!!: رسالة نافعةٌ في صورة قصة تُبيِّن عِظَم مكانة الحجاب للنساء في الإسلام، وتُعطي الوصايا المهمة والنصائح المفيدة للنساء المسلمات بوجوب الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك بالاحتجاب عن الرجال وعدم الاختلاط.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/336097

    التحميل:

  • ثاني اثنين [ تأملات في دلالة آية الغار على فضل أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه ]

    ثاني اثنين [ تأملات في دلالة آية الغار على فضل أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه ]: هذه الرسالة تحتوي على ومضَاتٍ ولمَحاتٍ مُشرقة، مُستنبطة من آيةٍ واحدة، وهو آية الغار في سورة التوبة؛ والتي قصدَ منها المؤلِّف فضلَ الصدِّيق والتذكير بصنائعه حتى لا تهون مكانته، ولا تنحسِر منزلتُه - رضي الله عنه -.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380433

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة