Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الشورى - الآية 13

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13) (الشورى) mp3
ع فِيهِ مَسْأَلَتَانِ ع الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّين " أَيْ الَّذِي لَهُ مَقَالِيد السَّمَاوَات وَالْأَرْض شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّين مَا شَرَعَ لِقَوْمِ نُوح وَإِبْرَاهِيم وَمُوسَى وَعِيسَى ; ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَنْ أَقِيمُوا الدِّين " وَهُوَ تَوْحِيد اللَّه وَطَاعَته , وَالْإِيمَان بِرُسُلِهِ وَكُتُبه وَبِيَوْمِ الْجَزَاء , وَبِسَائِرِ مَا يَكُون الرَّجُل بِإِقَامَتِهِ مُسْلِمًا . وَلَمْ يُرِدْ الشَّرَائِع الَّتِي هِيَ مَصَالِح الْأُمَم عَلَى حُسْن أَحْوَالهَا , فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَة مُتَفَاوِتَة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَة وَمِنْهَاجًا " [ الْمَائِدَة : 48 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ . وَمَعْنَى " شَرَعَ " أَيْ نَهَجَ وَأَوْضَحَ وَبَيَّنَ الْمَسَالِك . وَقَدْ شَرَعَ لَهُمْ يَشْرَع شَرْعًا أَيْ سَنَّ . وَالشَّارِع : الطَّرِيق الْأَعْظَم . وَقَدْ شُرِعَ الْمَنْزِل إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيق نَافِذ . وَشَرَعْت الْإِبِل إِذَا أَمْكَنْتهَا مِنْ الشَّرِيعَة . وَشَرَعْت الْأَدِيم إِذَا سَلَخْته . وَقَالَ يَعْقُوب : إِذَا شَقَقْت مَا بَيْن الرَّجُلَيْنِ , قَالَ : وَسَمِعْته مِنْ أُمّ الْحَمَارِس الْبَكْرِيَّة . وَشَرَعْت فِي هَذَا الْأَمْر شُرُوعًا أَيْ خُضْت . " أَنْ أَقِيمُوا الدِّين " " أَنْ " فِي مَحَلّ رَفْع , عَلَى تَقْدِير وَاَلَّذِي وَصَّى بِهِ نُوحًا أَنْ أَقِيمُوا الدِّين , وَيُوقَف عَلَى هَذَا الْوَجْه عَلَى " عِيسَى " . وَقِيلَ : هُوَ نَصْب , أَيْ شَرَعَ لَكُمْ إِقَامَة الدِّين . وَقِيلَ : هُوَ جَرّ بَدَلًا مِنْ الْهَاء فِي " بِهِ " ; كَأَنَّهُ قَالَ : بِهِ أَقِيمُوا الدِّين . وَلَا يُوقَف عَلَى " عِيسَى " عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ . وَيَجُوز أَنْ تَكُون " أَنْ " مُفَسِّرَة ; مِثْل : أَنْ اِمْشُوا , فَلَا يَكُون لَهَا مَحَلّ مِنْ الْإِعْرَاب . الثَّانِيَة : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة الْكَبِير الْمَشْهُور : ( وَلَكِنْ اِئْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّل رَسُول بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أَهْل الْأَرْض فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَوَّل رَسُول بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أَهْل الْأَرْض . .. ) وَهَذَا صَحِيح لَا إِشْكَال فِيهِ , كَمَا أَنَّ آدَم أَوَّل نَبِيّ بِغَيْرِ إِشْكَال ; لِأَنَّ آدَم لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا نُبُوَّة , وَلَمْ تُفْرَض لَهُ الْفَرَائِض وَلَا شُرِعَتْ لَهُ الْمَحَارِم , وَإِنَّمَا كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى بَعْض الْأُمُور وَاقْتِصَارًا عَلَى ضَرُورَات الْمَعَاش , وَأَخْذًا بِوَظَائِف الْحَيَاة وَالْبَقَاء ; وَاسْتَقَرَّ الْمَدَى إِلَى نُوح فَبَعَثَهُ اللَّه بِتَحْرِيمِ الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات , وَوَظَّفَ عَلَيْهِ الْوَاجِبَات وَأَوْضَحَ لَهُ الْآدَاب فِي الدِّيَانَات , وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأَكَّد بِالرُّسُلِ و يَتَنَاصَر بِالْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ - وَاحِدًا بَعْد وَاحِد وَشَرِيعَة إِثْر شَرِيعَة , حَتَّى خَتَمَهَا اللَّه بِخَيْرِ الْمِلَل مِلَّتنَا عَلَى لِسَان أَكْرَم الرُّسُل نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَكَانَ الْمَعْنَى أَوْصَيْنَاك يَا مُحَمَّد وَنُوحًا دِينًا وَاحِدًا ; يَعْنِي فِي الْأُصُول الَّتِي لَا تَخْتَلِف فِيهَا الشَّرِيعَة , وَهِيَ التَّوْحِيد وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحَجّ , وَالتَّقَرُّب إِلَى اللَّه بِصَالِحِ الْأَعْمَال , وَالزُّلَف إِلَيْهِ بِمَا يَرُدّ الْقَلْب وَالْجَارِحَة إِلَيْهِ , وَالصِّدْق وَالْوَفَاء بِالْعَهْدِ , وَأَدَاء الْأَمَانَة وَصِلَة الرَّحِم , وَتَحْرِيم الْكُفْر وَالْقَتْل وَالزِّنَى وَالْأَذِيَّة لِلْخَلْقِ كَيْفَمَا تَصَرَّفْت , وَالِاعْتِدَاء عَلَى الْحَيَوَان كَيْفَمَا دَارَ , وَاقْتِحَام الدَّنَاءَات وَمَا يَعُود بِخَرْمِ الْمُرُوآت ; فَهَذَا كُلّه مَشْرُوع دِينًا وَاحِدًا وَمِلَّة مُتَّحِدَة , لَمْ تَخْتَلِف عَلَى أَلْسِنَة الْأَنْبِيَاء وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَعْدَادهمْ ; وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " أَنْ أَقِيمُوا الدِّين وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ " أَيْ اِجْعَلُوهُ قَائِمًا ; يُرِيد دَائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقَرًّا مِنْ غَيْر خِلَاف فِيهِ وَلَا اِضْطِرَاب ; فَمِنْ الْخَلْق مَنْ وَفَّى بِذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ نَكَثَ ; " فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُث عَلَى نَفْسه " [ الْفَتْح : 10 ] . وَاخْتَلَفَتْ الشَّرَائِع وَرَاء هَذَا فِي مَعَانٍ حَسْبَمَا أَرَادَهُ اللَّه مِمَّا اِقْتَضَتْ الْمَصْلَحَة وَأَوْجَبَتْ الْحِكْمَة وَضْعَهُ فِي الْأَزْمِنَة عَلَى الْأُمَم . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ مُجَاهِد : لَمْ يَبْعَث اللَّه نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَصَّاهُ بِإِقَامَةِ الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة وَالْإِقْرَار لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ , فَذَلِكَ دِينه الَّذِي شَرَعَ لَهُمْ ; وَقَالَهُ الْوَالِبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ قَوْل الْكَلْبِيّ . وَقَالَ قَتَادَة : يَعْنِي تَحْلِيل الْحَلَال وَتَحْرِيم الْحَرَام . وَقَالَ الْحَكَم : تَحْرِيم الْأُمَّهَات وَالْأَخَوَات وَالْبَنَات . وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي يَجْمَع هَذِهِ الْأَقْوَال وَيَزِيد عَلَيْهَا . وَخَصَّ نُوحًا وَإِبْرَاهِيم وَمُوسَى وَعِيسَى بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَرْبَاب الشَّرَائِع .

" كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ " أَيْ عَظُمَ عَلَيْهِمْ .

" مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ " مِنْ التَّوْحِيد وَرَفْض الْأَوْثَان . قَالَ قَتَادَة : كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَضَاقَ بِهَا إِبْلِيس وَجُنُوده , فَأَبَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَنْ يَنْصُرهَا وَيُعْلِيهَا وَيُظْهِرهَا عَلَى مَنْ نَاوَأَهَا .

" اللَّه يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاء " أَيْ يَخْتَار . وَالِاجْتِبَاء الِاخْتِيَار ; أَيْ يَخْتَار لِلتَّوْحِيدِ مَنْ يَشَاء .

وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيب " أَيْ يَسْتَخْلِص لِدِينِهِ مَنْ رَجَعَ إِلَيْهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • معالم تربوية من سيرة الإمام ابن باز رحمه الله

    معالم تربوية من سيرة الإمام ابن باز رحمه الله: هذه معالم تربوية في سيرة الشيخ ابن باز رحمه الله مُجتزأة من شريط للشيخ محمد الدحيم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1935

    التحميل:

  • تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

    تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير: في هذه الصفحة نسخة مصورة pdf من مختصر تفسير ابن كثير للشيخ محمد نسيب الرفاعي، وقد قدم له عدد من أهل العلم، منهم الشيخ ابن باز - رحمه الله -.

    الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340942

    التحميل:

  • حاشية كتاب التوحيد

    كتاب التوحيد : هو كتاب يحتوي على بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية، قال عنه المصنف ـ رحمه الله ـ في حاشيته : « كتاب التوحيد الذي ألفه شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ أجزل الله له الأجر والثواب ـ ليس له نظير فـي الوجود، قد وضّح فيه التوحيد الذي أوجبه الله على عباده وخلقهم لأجله، ولأجله أرسله رسله، وأنزل كتبه، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه، فصار بديعاً فـي معناه لم يسبق إليه، علماً للموحدين، وحجة على الملحدين، واشتهر أي اشتهار، وعكف عليه الطلبة، وصار الغالب يحفظه عن ظهر قلب، وعمَّ النفع به ... ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/70851

    التحميل:

  • إرهاب المستأمنين وموقف الإسلام منه

    إرهاب المستأمنين وموقف الإسلام منه: يحتوي هذا الكتاب على المباحث الآتية: - المبحث الأول: تعريف الإرهاب وتحريمه في الإسلام. - المبحث الثاني: تعريف الأمان وأركانه وصيغه. - المبحث الثالث: الأدلة على مشروعية الأمان من الكتاب والسنة. - المبحث الرابع: الفرق بين الأمان والذمة والهدنة. - المبحث الخامس: الواجب على المسلمين تجاه المستأمنين. - المبحث السادس: الواجب على المستأمنين في بلاد المسلمين.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116850

    التحميل:

  • أثر الأذكار الشرعية في طرد الهم والغم

    أثر الأذكار الشرعية في طرد الهم والغم: رسالةٌ نافعةٌ جمعت بين طيَّاتها طائفةً عطرةً; ونخبةً مباركةً من الدعوات والأذكار العظيمة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -; والتي يُشرع للمسلم أن يقولها عندما يُصيبه الهمُّ أو الكربُ أو الحزنُ أو نحو ذلك.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316771

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة