Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة فصلت - الآية 36

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) (فصلت) mp3
" وَإِمَّا يَنْزَغَنك " وَنَزْغ الشَّيْطَان : وَسَاوِسه . وَفِيهِ لُغَتَانِ : نَزْغ وَنَغْز , يُقَال : إِيَّاكَ وَالنَّزَّاغ وَالنَّغَّاز , وَهُمْ الْمُوَرِّشُونَ . الزَّجَّاج : النَّزْغ أَدْنَى حَرَكَة تَكُون , وَمِنْ الشَّيْطَان أَدْنَى وَسْوَسَة . قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : شَهِدْت عُثْمَان وَعَلِيًّا وَكَانَ بَيْنهمَا نَزْغ مِنْ الشَّيْطَان فَمَا أَبْقَى وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ شَيْئًا , ثُمَّ لَمْ يَبْرَحَا حَتَّى اِسْتَغْفَرَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ . وَمَعْنَى " يَنْزَغَنك " : يُصِيبَنك وَيَعْرِض لَك عِنْد الْغَضَب وَسْوَسَة بِمَا لَا يَحِلّ .


النَّغْز وَالنَّزْغ وَالْهَمْز وَالْوَسْوَسَة سَوَاء ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَقُلْ رَبّ أَعُوذ بِك مِنْ هَمَزَات الشَّيَاطِين " [ الْمُؤْمِنُونَ : 97 ] وَقَالَ : " مِنْ شَرّ الْوَسْوَاس الْخَنَّاس " [ النَّاس : 4 ] . وَأَصْل النَّزْغ الْفَسَاد ; يُقَال : نَزَغَ بَيْننَا ; أَيْ أَفْسَدَ . وَمِنْهُ قَوْله : " نَزَغَ الشَّيْطَان بَيْنِي وَبَيْن إِخْوَتِي " [ يُوسُف : 100 ] أَيْ أَفْسَدَ . وَقِيلَ : النَّزْغ الْإِغْوَاء وَالْإِغْرَاء ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب .


قُلْت : وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة مَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَأْتِي الشَّيْطَان أَحَدكُمْ فَيَقُول لَهُ مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُول لَهُ مَنْ خَلَقَ رَبّك فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ) . وَفِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوَسْوَسَة قَالَ : ( تِلْكَ مَحْض الْإِيمَان ) . وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : ( ذَلِكَ صَرِيح الْإِيمَان ) وَالصَّرِيح الْخَالِص . وَهَذَا لَيْسَ عَلَى ظَاهِره ; إِذْ لَا يَصِحّ أَنْ تَكُون الْوَسْوَسَة نَفْسهَا هِيَ الْإِيمَان , لِأَنَّ الْإِيمَان الْيَقِين , وَإِنَّمَا الْإِشَارَة إِلَى مَا وَجَدُوهُ مِنْ الْخَوْف مِنْ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُعَاقِبُوا عَلَى مَا وَقَعَ فِي أَنْفُسهمْ . فَكَأَنَّهُ قَالَ جَزَعكُمْ مِنْ هَذَا هُوَ مَحْض الْإِيمَان وَخَالِصه ; لِصِحَّةِ إِيمَانكُمْ , وَعِلْمكُمْ بِفَسَادِهَا . فَسَمَّى الْوَسْوَسَة إِيمَانًا لَمَّا كَانَ دَفْعهَا وَالْإِعْرَاض عَنْهَا وَالرَّدّ لَهَا وَعَدَم قَبُولهَا وَالْجَزَع مِنْهَا صَادِرًا عَنْ الْإِيمَان . وَأَمَّا أَمْره بِالِاسْتِعَاذَةِ فَلِكَوْنِ تِلْكَ الْوَسَاوِس مِنْ آثَار الشَّيْطَان . وَأَمَّا الْأَمْر بِالِانْتِهَاءِ فَعَنْ الرُّكُون إِلَيْهَا وَالِالْتِفَات نَحْوهَا . فَمَنْ كَانَ صَحِيح الْإِيمَان وَاسْتَعْمَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبّه وَنَبِيّه نَفَعَهُ وَانْتَفَعَ بِهِ . وَأَمَّا مَنْ خَالَجَتْهُ الشُّبْهَة وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْحِسّ وَلَمْ يَقْدِر عَلَى الِانْفِكَاك عَنْهَا فَلَا بُدّ مِنْ مُشَافَهَته بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيّ ; كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي خَالَطَتْهُ شُبْهَة الْإِبِل الْجَرَب حِين قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا عَدْوَى ) . وَقَالَ أَعْرَابِيّ : فَمَا بَال الْإِبِل تَكُون فِي الرَّمَل كَأَنَّهَا الظِّبَاء فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا الْبَعِير الْأَجْرَب أَجْرَبَهَا ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّل ) فَاسْتَأْصَلَ الشُّبْهَة مِنْ أَصْلهَا . فَلَمَّا يَئِسَ الشَّيْطَان مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِغْرَاءِ وَالْإِضْلَال أَخَذَ يُشَوِّش عَلَيْهِمْ أَوْقَاتهمْ بِتِلْكَ الْأُلْقِيَات . وَالْوَسَاوِس : التُّرَّهَات ; فَنَفَرَتْ عَنْهَا قُلُوبهمْ وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ وُقُوعهَا عِنْدهمْ فَجَاءُوا - كَمَا فِي الصَّحِيح - فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّا نَجِد فِي أَنْفُسنَا مَا يَتَعَاظَم أَحَدنَا أَنْ يَتَكَلَّم بِهِ . قَالَ : ( أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ ) ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : ( ذَلِكَ صَرِيح الْإِيمَان ) رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ حَسَبَ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآن فِي قَوْله : " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان " [ الْحِجْر : 42 ] . فَالْخَوَاطِر الَّتِي لَيْسَتْ بِمُسْتَقِرَّةٍ وَلَا اِجْتَلَبَتْهَا الشُّبْهَة فَهِيَ الَّتِي تُدْفَع بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا ; وَعَلَى مِثْلهَا يُطْلَق اِسْم الْوَسْوَسَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ مَضَى فِي آخِر [ الْبَقَرَة ] هَذَا الْمَعْنَى , وَالْحَمْد لِلَّهِ .

أَيْ اُطْلُبْ النَّجَاة مِنْ ذَلِكَ بِاَللَّهِ . فَأَمَرَ تَعَالَى أَنْ يَدْفَع الْوَسْوَسَة بِالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَاذَة بِهِ ; وَلِلَّهِ الْمَثَل الْأَعْلَى . فَلَا يُسْتَعَاذ مِنْ الْكِلَاب إِلَّا بِرَبِّ الْكِلَاب . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف أَنَّهُ قَالَ لِتِلْمِيذِهِ : مَا تَصْنَع بِالشَّيْطَانِ إِذَا سَوَّلَ لَك الْخَطَايَا ؟ قَالَ : أُجَاهِدهُ . قَالَ : فَإِنْ عَادَ ؟ قَالَ : أُجَاهِدهُ . قَالَ : فَإِنْ عَادَ ؟ قَالَ : أُجَاهِدهُ . قَالَ : هَذَا يَطُول , أَرَأَيْت لَوْ مَرَرْت بِغَنَمٍ فَنَبَحَك كَلْبهَا وَمَنَعَ مِنْ الْعُبُور مَا تَصْنَع ؟ قَالَ : أُكَابِدهُ وَأَرُدّهُ جَهْدِي . قَالَ : هَذَا يَطُول عَلَيْك , وَلَكِنْ اِسْتَغِثْ بِصَاحِبِ الْغَنَم يَكُفُّهُ عَنْك .

لِاسْتِعَاذَتِك

بِأَفْعَالِك وَأَقْوَالك .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • السراج في بيان غريب القرآن

    السراج في بيان غريب القرآن: كتابٌ جمعه المؤلف ليكون تذكرةً لمن يريد معرفة معاني غريب ألفاظ القرآن; وقد جمعه من كتب التفسير; وكتب غريب القرآن القديمة والمعاصرة; مع سهولة العبارة; وصياغة الأقوال المختلفة في عبارة واحدة جامعة; وقد رتَّبه على ترتيب المصحف الشريف.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/318730

    التحميل:

  • التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

    التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: قال المؤلف - حفظه الله -: «فإن القرآن الكريم كلام الله - عز وجل - أنزله على قلب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون من المُنذِرين، وما زال العلماء - منذ نزوله - يتعاقبون على دراسته، ويعكُفون على النهل من معينه، والتزوُّد من هدايته. ومن أعظم ما أُلِّف في هذا الشأن في العصور المتأخرة ما رقمته يراعةُ العالم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور - رحمه الله -، وذلك في تفسيره المعروف بـ: «التحرير والتنوير». ونظرًا لعظم شأن تفسيره، ولأنه ملِيء بكنور من العلم والمعارف والثقافة، ولكونه مُطوَّلاً .. فقد رأيتُ أن أستخرج بعض اللطائف الرائعة، واللفتات البارعة التي احتوى عليها ذلك التفسير العظيم؛ رغبةً في عموم النفع، وإسهامًا في التعريف بهذا العمل الجليل الذي لا يخطر لكثيرٍ من طلبة العلم - فضلاً عن غيرهم - ما يشتمل عليه من نفائس العلم وغواليه، وقد سميته: «التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور»».

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355729

    التحميل:

  • تعامله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين

    تعامله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين: تُعدُّ سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل سيرةٍ لأفضل رجلٍ في هذه الدنيا؛ فإنه - عليه الصلاة والسلام - ضربَ أروع الأمثلة وأفضل النماذج في خُلُقه وسيرته وتعامله مع الناس بكل مستوياتها: متعلمين وجهالاً، رجالاً ونساءً، شيوخًا وأطفالاً، مسلمين وغير مسلمين. وهذا الكتاب يتناول بعضًا من هذه النماذج العطِرة من معاملته - صلى الله عليه وسلم - لغير المسلمين، ويُظهِر للعالم أجمع كيف دخل الناس في دين الله أفواجًا بسبب هذه المعاملة الطيبة.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337588

    التحميل:

  • تعليقات الشيخ ابن باز على متن العقيدة الطحاوية

    العقيدة الطحاوية : متن مختصر صنفه العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ، وهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، وقد ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه، وفي هذه الصفحة ملف يحتوي على تعليقات واستدراكات كتبها الشيخ ابن باز - رحمه الله - على متن العقيدة الطحاوية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322226

    التحميل:

  • ألحان .. وأشجان

    ألحان .. وأشجان: رسالة مفيدة تتحدَّث عن الغناء وحكمه في الإسلام، وبيان أدلة تحريمه، مع سياق بعض الأشعار في التحذير من الافتتان بالغناء والمطربين، بأسلوبٍ أدبيٍّ رائق.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333815

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة