Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة فصلت - الآية 34

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) (فصلت) mp3
قَالَ الْفَرَّاء : " لَا " صِلَة أَيْ " وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَالسَّيِّئَة " وَأَنْشَدَ : مَا كَانَ يَرْضَى رَسُول اللَّه فِعْلهمْ وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْر وَلَا عُمَر أَرَادَ أَبُو بَكْر وَعُمَر ; أَيْ لَا يَسْتَوِي مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ التَّوْحِيد , وَمَا الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك . قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْحَسَنَة لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَالسَّيِّئَة الشِّرْك . وَقِيلَ : الْحَسَنَة الطَّاعَة , وَالسَّيِّئَة الشِّرْك . وَهُوَ الْأَوَّل بِعَيْنِهِ . وَقِيلَ : الْحَسَنَة الْمُدَارَاة , وَالسَّيِّئَة الْغِلْظَة . وَقِيلَ : الْحَسَنَة الْعَفْو , وَالسَّيِّئَة الِانْتِصَار . وَقَالَ الضَّحَّاك : الْحَسَنَة الْعِلْم , وَالسَّيِّئَة الْفُحْش . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الْحَسَنَة حُبّ آل الرَّسُول , وَالسَّيِّئَة بُغْضهمْ .

نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْف , وَبَقِيَ الْمُسْتَحَبّ مِنْ ذَلِكَ : حُسْن الْعِشْرَة وَالِاحْتِمَال وَالْإِغْضَاء . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ اِدْفَعْ بِحِلْمِك جَهْل مَنْ يَجْهَل عَلَيْك . وَعَنْهُ أَيْضًا : هُوَ الرَّجُل يَسُبّ الرَّجُل فَيَقُول الْآخَر إِنْ كُنْت صَادِقًا فَغَفَرَ اللَّه لِي , وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا فَغَفَرَ اللَّه لَك . وَكَذَلِكَ يُرْوَى فِي الْأَثَر : أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ نَالَ مِنْهُ . وَقَالَ مُجَاهِد : " بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن " يَعْنِي السَّلَام إِذَا لَقِيَ مَنْ يُعَادِيه ; وَقَالَهُ عَطَاء . وَقَوْل ثَالِث ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ فِي الْأَحْكَام وَهُوَ الْمُصَافَحَة . وَفِي الْأَثَر : ( تَصَافَحُوا يَذْهَب الْغِلّ ) . وَلَمْ يَرَ مَالِك الْمُصَافَحَة , وَقَدْ اِجْتَمَعَ مَعَ سُفْيَان فَتَكَلَّمَا فِيهَا فَقَالَ سُفْيَان : قَدْ صَافَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعْفَرًا حِين قَدِمَ مِنْ أَرْض الْحَبَشَة ; فَقَالَ لَهُ مَالِك : ذَلِكَ خَاصّ . فَقَالَ لَهُ سُفْيَان : مَا خَصَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخُصّنَا , وَمَا عَمَّهُ يَعُمّنَا , وَالْمُصَافَحَة ثَابِتَة فَلَا وَجْه لِإِنْكَارِهَا . وَقَدْ رَوَى قَتَادَة قَالَ قُلْت لِأَنَسٍ : هَلْ كَانَتْ الْمُصَافَحَة فِي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح . وَفِي الْأَثَر : ( مِنْ تَمَام الْمَحَبَّة الْأَخْذ بِالْيَدِ ) . وَمِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَهُوَ إِمَام مُقَدَّم , عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قَدِمَ زَيْد بْن حَارِثَة الْمَدِينَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي , فَقَرَعَ الْبَاب فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرْيَانًا يَجُرّ ثَوْبه - وَاَللَّه مَا رَأَيْته عُرْيَانًا قَبْله وَلَا بَعْده - فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ .

قُلْت : قَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك جَوَاز الْمُصَافَحَة وَعَلَيْهَا جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء . وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي " يُوسُف " وَذَكَرْنَا هُنَاكَ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَأْخُذ أَحَدهمَا بِيَدِ صَاحِبه مَوَدَّة بَيْنهمَا وَنَصِيحَة إِلَّا أُلْقِيَتْ ذُنُوبهمَا بَيْنهمَا ) .

أَيْ قَرِيب صَدِيق . قَالَ مُقَاتِل : نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَان بْن حَرْب , كَانَ مُؤْذِيًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَصَارَ لَهُ وَلِيًّا بَعْد أَنْ كَانَ عَدُوًّا بِالْمُصَاهَرَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنه وَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ أَسْلَمَ فَصَارَ وَلِيًّا فِي الْإِسْلَام حَمِيمًا بِالْقَرَابَةِ . وَقِيلَ : هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل بْن هِشَام , كَانَ يُؤْذِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ وَالصَّفْح عَنْهُ ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَالْأَوَّل ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ وَالْقُشَيْرِيّ وَهُوَ أَظْهَر ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِذَا الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه عَدَاوَة كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم " . وَقِيلَ : كَانَ هَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة بِالصَّبْرِ عِنْد الْغَضَب , وَالْحِلْم عِنْد الْجَهْل , وَالْعَفْو عِنْد الْإِسَاءَة , فَإِذَا فَعَلَ النَّاس ذَلِكَ عَصَمَهُمْ اللَّه مِنْ الشَّيْطَان , وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوّهُمْ . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ قَنْبَرًا مَوْلَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فَنَادَاهُ عَلِيّ يَا قَنْبَر ! دَعْ شَاتِمك , وَالْهَ عَنْهُ تُرْضِي الرَّحْمَن وَتُسْخِط الشَّيْطَان , وَتُعَاقِب شَاتِمك , فَمَا عُوقِبَ الْأَحْمَق بِمِثْلِ السُّكُوت عَنْهُ . وَأَنْشَدُوا : وَلَلْكَفّ عَنْ شَتْم اللَّئِيم تَكَرُّمًا أَضَرّ لَهُ مِنْ شَتْمه حِين يُشْتَم وَقَالَ آخَر : وَمَا شَيْء أَحَبّ إِلَى سَفِيه إِذَا سَبَّ الْكَرِيم مِنْ الْجَوَاب مُتَارَكَة السَّفِيه بِلَا جَوَاب أَشَدّ عَلَى السَّفِيه مِنْ السِّبَاب وَقَالَ مَحْمُود الْوَرَّاق : سَأُلْزِمُ نَفْسِي الصَّفْح عَنْ كُلّ مُذْنِب وَإِنْ كَثُرَتْ مِنْهُ لَدَيَّ الْجَرَائِمُ فَمَا النَّاس إِلَّا وَاحِد مِنْ ثَلَاثَة شَرِيف وَمَشْرُوف وَمِثْل مُقَاوِم فَأَمَّا الَّذِي فَوْقِي فَأَعْرِف قَدْره وَأَتْبَع فِيهِ الْحَقّ وَالْحَقّ لَازِمُ وَأَمَّا الَّذِي دُونِي فَإِنْ قَالَ صُنْت عَنْ إِجَابَته عِرْضِي وَإِنْ لَامَ لَائِمُ وَأَمَّا الَّذِي مِثْلِي فَإِنْ زَلَّ أَوْ هَفَا تَفَضَّلْت إِنَّ الْفَضْل بِالْحِلْمِ حَاكِم
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • إتحاف أهل الإيمان بوظائف شهر رمضان

    هذا الكتاب يبين بعض وظائف شهر رمضان المبارك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231262

    التحميل:

  • الإمامة في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

    الإمامة في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «الإمامة في الصلاة» بيّنت فيها بإيجاز: مفهوم الإمامة، وفضل الإمامة في الصلاة والعلم، وحكم طلب الإمامة إذا صلحت النّيّة، وأولى الناس بالإمامة، وأنواع الأئمة والإمامة، وأنواع وقوف المأموم مع الإمام، وأهمية الصفوف في الصلاة وترتيبها، وتسويتها، وألفاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - في تسويتها، وفضل الصفوف الأُوَل وميامن الصفوف، وحكم صلاة المنفرد خلف الصف، وصلاة المأمومين بين السواري، وجواز انفراد المأموم لعذر، وانتقال المنفرد إماماً، والإمام مأموماً، والمأموم إماماً، وأحوال المأموم مع الإمام، وأحكام الاقتداء بالإمام داخل المسجد وخارجه، والاقتداء بمن أخطأ بترك شرط أو ركن ولم يعلم المأموم، والاقتداء بمن ذكر أنه مُحدث وحكم الاستخلاف، وآداب الإمام، وآداب المأموم، وغير ذلك من الأحكام المهمة المتعلقة بالإمامة وآدابها، وكل ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، حسب الإمكان».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2105

    التحميل:

  • رسالة في الحث على اجتماع كلمة المسلمين وذم التفرق والاختلاف

    رسالة في الحث على اجتماع كلمة المسلمين وذم التفرق والاختلاف: رسالة صغيرة وجَّه الشيخ - رحمه الله - فيها النصحَ لعلماء المسلمين وعوامّهم أن تتفق كلمتهم، وتجتمع قلوبهم، مُعتصمين بحبل الله جميعًا، ومُحذِّرًا لهم من الفُرقة والاختلاف المُؤدِّي إلى التشاحُن والقطيعة والبغضاء. وقد بيَّن - رحمه الله - مكانة العلماء العاملين في الأمة الإسلامية وحاجة المسلمين لهم، وماذا يجب على الناس تجاههم من المحبة والتقدير ومعرفة حقهم، وتنزيلهم المنزلة اللائقة بهم. - قدَّم للرسالة: العلامة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: عبد الله بن عبد العزيز العقيل

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/343853

    التحميل:

  • أسئلة وأجوبة عن أحكام الجنازة

    أسئلة وأجوبة عن أحكام الجنازة: مجموعة من الأسئلة وُجِّهت للشيخ العلامة عبد الله القرعاوي - وفقه الله -، وقد أجاب عنها بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال أهل العلم.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341903

    التحميل:

  • الشيخ عبد الرحمن بن قاسم حياته وسيرته ومؤلفاته

    الشيخ عبد الرحمن بن قاسم حياته وسيرته ومؤلفاته : رتب هذا الكتاب على الأبواب التالية: أولاً: نسبه ومولده ونشأته. ثانياً: رحلته في طلب العلم وذكر مشايخه. ثالثاً: علومه ومعارفه. رابعاً: مؤلفاته مع إشارات مختصرة لها. خامساً: حياته العملية وتلامذته. سادساً: سجاياه ووصفاته. سابعاً: حياته الأسرية. ثامناً: قصة مرضه ووفاته.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229631

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة