Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة غافر - الآية 46

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) (غافر) mp3
بَيَّنَ الْعَذَاب فَقَالَ : " النَّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا " وَفِيهِ سِتَّة أَوْجُه : يَكُون رَفْعًا عَلَى الْبَدَل مِنْ " سُوء " . وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى هُوَ النَّار . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ . وَقَالَ الْفَرَّاء : يَكُون مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ عَلَى مَعْنَى النَّار عَلَيْهَا يُعْرَضُونَ , فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَوْجُه فِي الرَّفْع , وَأَجَازَ الْفَرَّاء النَّصْب ; لِأَنَّ بَعْدهَا عَائِدًا وَقَبْلهَا مَا يَتَّصِل بِهِ , وَأَجَازَ الْأَخْفَش الْخَفْض عَلَى الْبَدَل مِنْ " الْعَذَاب " . وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَرْض فِي الْبَرْزَخ . وَ اِحْتَجَّ بَعْض أَهْل الْعِلْم فِي تَثْبِيت عَذَاب الْقَبْر بِقَوْلِهِ : " النَّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا " مَا دَامَتْ الدُّنْيَا . كَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَمُقَاتِل وَمُحَمَّد بْن كَعْب كُلّهمْ قَالَ : هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى عَذَاب الْقَبْر فِي الدُّنْيَا , أَلَا تَرَاهُ يَقُول عَنْ عَذَاب الْآخِرَة : " وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة أَدْخِلُوا آل فِرْعَوْن أَشَدّ الْعَذَاب " . وَفِي الْحَدِيث عَنْ اِبْن مَسْعُود : أَنَّ أَرْوَاح آل فِرْعَوْن وَمَنْ كَانَ مِثْلهمْ مِنْ الْكُفَّار تُعْرَض عَلَى النَّار بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ فَيُقَال هَذِهِ دَارُكُمْ . وَعَنْهُ أَيْضًا : إِنَّ أَرْوَاحهمْ فِي أَجْوَاف طَيْر سُود تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوح كُلّ يَوْم مَرَّتَيْنِ فَذَلِكَ عَرْضُهَا . وَرَوَى شُعْبَة عَنْ يَعْلَى بْن عَطَاء قَالَ : سَمِعْت مَيْمُون بْن مِهْرَان يَقُول : كَانَ أَبُو هُرَيْرَة إِذَا أَصْبَحَ يُنَادِي : أَصْبَحْنَا وَالْحَمْد لِلَّهِ وَعُرِضَ آل فِرْعَوْن عَلَى النَّار . فَإِذَا أَمْسَى نَادَى : أَمْسَيْنَا وَالْحَمْد لِلَّهِ وَعُرِضَ آل فِرْعَوْن عَلَى النَّار ; فَلَا يَسْمَع أَبَا هُرَيْرَة أَحَدٌ إِلَّا تَعَوَّذَ بِاَللَّهِ مِنْ النَّار . وَفِي حَدِيث صَخْر بْن جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْكَافِر إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَى النَّار بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ثُمَّ تَلَا : " النَّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا " وَإِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا مَاتَ عُرِضَ رُوحُهُ عَلَى الْجَنَّة بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ) وَخَرَّجَ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَمِنْ أَهْل الْجَنَّة وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل النَّار فَمِنْ أَهْل النَّار فَيُقَال هَذَا مَقْعَدُك حَتَّى يَبْعَثك اللَّه إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة ) . قَالَ الْفَرَّاء : فِي الْغَدَاة وَالْعَشِيّ بِمَقَادِير ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا . وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد . قَالَ : " غُدُوًّا وَعَشِيًّا " قَالَ : مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا . وَقَالَ حَمَّاد بْن مُحَمَّد الْفَزَارِيّ : قَالَ رَجُل لِلْأَوْزَاعِيّ رَأَيْنَا طُيُورًا تَخْرُج مِنْ الْبَحْر تَأْخُذ نَاحِيَة الْغَرْب , بِيضًا صِغَارًا فَوْجًا فَوْجًا لَا يَعْلَم عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ , فَإِذَا كَانَ الْعِشَاء رَجَعَتْ مِثْلهَا سُودًا . قَالَ : تِلْكَ الطُّيُور فِي حَوَاصِلهَا أَرْوَاحُ آل فِرْعَوْن , يُعْرَضُونَ عَلَى النَّار غُدُوًّا وَعَشِيًّا , فَتَرْجِع إِلَى أَوْكَارِهَا وَقَدْ اِحْتَرَقَتْ رِيَاشهَا وَصَارَتْ سُودًا , فَيَنْبُتُ عَلَيْهَا مِنْ اللَّيْل رِيَاشهَا بِيضًا وَتَتَنَاثَر السُّود , ثُمَّ تَغْدُو فَتُعْرَض عَلَى النَّار غُدُوًّا وَعَشِيًّا , ثُمَّ تَرْجِع إِلَى وَكْرِهَا فَذَلِكَ دَأْبُهَا مَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا , فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْن أَشَدّ الْعَذَاب " وَهُوَ الْهَاوِيَة . قَالَ الْأَوْزَاعِيّ : فَبَلَغَنَا أَنَّهُمْ أَلْفَا أَلْف وَسِتّمِائَة أَلْف . وَ " غُدُوًّا " مَصْدَر جُعِلَ ظَرْفًا عَلَى السَّعَة . " وَعَشِيًّا " عُطِفَ عَلَيْهِ وَتَمَّ الْكَلَام .

اُبْتُدِئَ " وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة " عَلَى أَنْ تَنْصِب يَوْمًا بِقَوْلِهِ : " أَدْخِلُوا " وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِـ " يُعْرَضُونَ " عَلَى مَعْنَى " يُعْرَضُونَ " عَلَى النَّار فِي الدُّنْيَا " وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة " فَلَا يُوقَف عَلَيْهِ . وَقَرَأَ نَافِع وَأَهْل الْمَدِينَة وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ : " أَدْخِلُوا " بِقَطْعِ الْأَلِف وَكَسْر الْخَاء مِنْ أَدْخِلْ وَهِيَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد ; أَيْ يَأْمُر اللَّه الْمَلَائِكَة أَنْ يُدْخِلُوهُمْ , وَدَلِيله " النَّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا " . الْبَاقُونَ " اُدْخُلُوا " بِوَصْلِ الْأَلِف وَضَمّ الْخَاء مِنْ دَخَلَ أَيْ يُقَال لَهُمْ : " اُدْخُلُوا " يَا " آل فِرْعَوْن أَشَدّ الْعَذَاب " وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي حَاتِم . قَالَ : فِي الْقِرَاءَة الْأُولَى : " آل " مَفْعُول أَوَّل وَ " أَشَدّ " مَفْعُول ثَانٍ بِحَذْفِ الْجَرّ , وَفِي الْقِرَاءَة الثَّانِيَة مَنْصُوب ; لِأَنَّهُ نِدَاء مُضَاف . وَآل فِرْعَوْن : مَنْ كَانَ عَلَى دِينه وَعَلَى مَذْهَبه , وَإِذَا كَانَ مَنْ كَانَ عَلَى دِينه وَمَذْهَبه فِي أَشَدّ الْعَذَاب كَانَ هُوَ أَقْرَب إِلَى ذَلِكَ . وَرَوَى اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْعَبْد يُولَد مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوت مُؤْمِنًا مِنْهُمْ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا وُلِدَ مُؤْمِنًا وَحَيِيَ مُؤْمِنًا وَمَاتَ مُؤْمِنًا وَإِنَّ الْعَبْد يُولَد كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوت كَافِرًا مِنْهُمْ فِرْعَوْن وُلِدَ كَافِرًا وَحَيِيَ كَافِرًا وَمَاتَ كَافِرًا ) ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَجَعَلَ الْفَرَّاء فِي الْآيَة تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا مَجَازُهُ : " أَدْخِلُوا آل فِرْعَوْن أَشَدّ الْعَذَاب " . " النَّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا " فَجَعَلَ الْعَرْض فِي الْآخِرَة ; وَهُوَ خِلَاف مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ اِنْتِظَام الْكَلَام عَلَى سِيَاقه عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • رمضان دروس وعبر تربية وأسرار

    يتناول هذا الكتاب الأسرار، والدروس، والعبر، والآثار التي تدرك بالصوم، وتحصل من جرائه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172676

    التحميل:

  • صفة العمرة

    صفة العمرة: قال المؤلف: فهذه رسالة لطيفة نافعة في (صفة العُمْرة مِن الإحْرام حَتى التَّحلل) مع أدعية مختارة من القرآن والسنة. وقد جمعناها تحقيقاً وامتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم كل مسلم ومسلمة بأخذ مناسك الحج والعمرة عنه. وقد أخذناها من كتابنا الجامع (مُخْتصَرُ الفقه الإسْلاميّ) وأفردناها لأهميتها ، وحاجة كل حاج ومعتمر إلى معرفتها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380416

    التحميل:

  • فتح المجيد شرح كتاب التوحيد

    كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - كتاب عظيم النفع في بابه، بين فيه التوحيد وفضله، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع؛ لذلك حرص العلماء على شرحه، ومن هذه الشروح كتاب فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: الوليد بن عبد الرحمن الفريان

    الناشر: دار المؤيد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2426

    التحميل:

  • حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

    حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح : في هذا الكتاب بين المؤلف - رحمه الله - صفات الجنة ونعيمها وصفات أهلها وساكنيها.

    المدقق/المراجع: زائد بن أحمد النشيري

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265613

    التحميل:

  • فوائد مستنبطة من قصة لقمان الحكيم

    فوائد مستنبطة من قصة لقمان الحكيم: إن الوصايا الواردة في قصة لقمان تضمَّنت فوائد عظيمة; وتوجيهاتٍ كريمة; ولفتاتٍ مباركة، وقد جمع المؤلف - حفظه الله - ما يزيد على الخمسين فائدة من هذه القصة.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316775

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة