Muslim Library

تفسير السعدي - سورة النساء - الآية 92

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) (النساء) mp3
وهذه الصيغة من صيغ الامتناع.
أي: يمتنع ويستحيل, أن يصدر من مؤمن قتل مؤمن أي: متعمدا.
وفي هذا, الإخبار بشدة تحريمه, وأنه مناف للإيمان, أشد منافاة.
وإنما يصدر ذلك, إما من كافر, أو من فاسق, قد نقص إيمانه نقصا عظيما, ويخشى عليه ما هو أكبر من ذلك.
فإن الإيمان الصحيح, يمنع المؤمن من قتل أخيه, الذي قد عقد الله بينه وبينه, الأخوة الإيمانية, التي من مقتضاها, محبته وموالاته, وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى, وأي أذى أشد من القتل؟.
وهذا يصدق قوله صلى الله عليه وسلم " لا ترجعوا بعدي كفارا, يضرب بعضكم رقاب بعض " .
فعل أن القتل من الكفر العملي, وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله.
ولما كان قوله " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا " لفظا عاما, لجميع الأحوال, وأنه لا يصدر منه قتل أخيه, لوجه من الوجوه, استثنى تعالى قتل الخطأ فقال: " إِلَّا خَطَأً " فإن المخطئ الذي لا يقصد القتل, غير آثم, ولا مجترئ على محارم الله.
ولكنه لما كان قد فعل فعلا شنيعا, وصورته كافية في قبحه, وإن لم يقصده - أمر تعالى بالكفارة والدية فقال " وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً " سواء كان القاتل ذكرا أو أنثى, حرا أو عبدا, صغيرا أو كبيرا, عاقلا أو مجنونا, مسلما أو كافرا, كما يفيده لفظ " مَنْ " الدالة على العموم, وهذا من أسرار الإتيان بـ " مَنْ " في هذا الموضع.
فإن سياق الكلام يقتضي أن يقول فإن قتله, ولكن هذا لفظ, لا يشمل ما شمله " مَنْ " .
وسواء كان المقتول ذكرا أو أنثى, صغيرا أو كبيرا, كما يفيده التنكير في سياق الشرط.
فإن على القاتل [تحرير رقبة مؤمنة] كفارة لذلك, تكون في ماله, ويشمل ذلك الصغير والكبير, والذكر والأنثى, والصحيح والمعيب, في قول بعض العلماء.
ولكن الحكمة, تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة.
لأن المقصود بالعتق, نفع العتيق, وملكه منافع نفسه.
فإذا كان يضيع بعتقه, وبقاؤه في الرق أنفع له, فإنه لا يجزئ عتقه.
مع أن في قوله " تحرير رقبة " ما يدل على ذلك.
فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره, أن تكون له.
فإذا لم يكن فيه منافع, لم يتصور وجود التحرير.
فتأمل ذلك, فإنه واضح.
وأما الدية, فإنها تجب على عاقلة القاتل, في الخطإ, وشبه العمد.
" مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ " جبرا لقلوبهم.
والمراد بأهله هنا, هم ورثته, فإن الورثة يرثون ما ترك الميت.
فالدية داخلة فيما ترك, وللذرية تفاصيل كثيرة, مذكورة في كتب الفقه.
وقوله " إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا " أي يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية, فإنها تسقط.
وفي ذلك حث لهم على العفو, لأن الله سماها صدقة, والصدقة مطلوبة في كل وقت.
" فَإِنْ كَانَ " المقتول " مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ " أي: من كفار حربيين " وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ " أي: وليس عليكم لأهله دية, لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم.
" وَإِنْ كَانَ " المقتول " مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ " وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق.
" فَمَنْ لَمْ يَجِدْ " رقبة ولا ثمنها, بأن كان معسرا بذلك, ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية, شيء يفي بالرقبة.
" فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ " أي: لا يفطر بينهما من غير عذر.
فإن أفطر لعذر, فإن العذر لا يقطع التتابع, كالمرض, والحيض ونحوهما.
وإن كان لغير عذر, انقطع التتابع, ووجب عليه استئناف الصوم.
" تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ " أي هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل, توبة من الله على عباده, ورحمة بهم, وتكفيرا لما عساه أن يحصل منهم, من تقصير, وعدم احتراز, كما هو الواقع كثيرا للقاتل خطأ.
" وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا " أي: كامل العلم, كامل الحكمة, لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء, ولا أصغر من ذلك, ولا أكبر, في أي وقت كان, وأي محل كان.
ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع, شيء.
بل كل ما خلقه وشرعه, فهو متضمن لغاية الحكمة.
ومن علمه وحكمته, أن أوجب على القاتل, كفارة مناسبة لما صدر منه.
فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة, وأخرجها من الوجود إلى العدم.
فناسب أن يعتق رقبة, ويخرجها من رق العبودية للخلق, إلى الحرية التامة.
فإن لم يجد هذه الرقبة, صام شهرين متتابعين.
فأخرج نفسه من رق الشهوات, واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية, إلى التعبد لله تعالى بتركها, تقربا إلى الله.
ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها, ووجوب التتابع فيها, ولم يشرع الإطعام, في هذه المواضع, لعدم المناسبة.
بخلاف الظهار, كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ومن حكمته, أن أوجب في القتل, الدية, ولو كان خطأ, لتكون رادعة, وكافة عن كثير من القتل, باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك ومن حكمته أن أوجبت غلى العاقلة في قتل الخطإ, بإجماع العلماء, لكون القاتل, لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة.
فناسب أن يقوم بذلك, من بينه وبينهم, المعاونة, والمناصرة, والمساعدة على تحصيل المصالح, وكف المفاسد.
ولعل ذلك من أسباب منعهم, لمن يعقلون عنه من القتل, حذار تحميلهم.
ويخف عليهم بسبب توزيعه عليهم, بقدر أحوالهم وطاقتهم.
وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين.
ومن حكمته وعلمه, أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم, بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل.
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التنصير تعريفه أهدافه وسائله حسرات المنصرين

    في هذا الكتاب تعريف التنصير وبيان أهدافه ووسائله مع ذكر حسرات المنصرين.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117117

    التحميل:

  • وفروا اللحى وأحفوا الشوارب

    وفروا اللحى وأحفوا الشوارب: رسالة في بيان حكم إعفاء اللحية، وتعريف الشارب وصفة الأخذ منه، وتعريف اللحية وما يكره فيها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1937

    التحميل:

  • الإيمان بالله

    الإيمان بالله : هذا الكتاب يدور حول المباحث الآتية: معنى الإيمان بالله. ماذا يتضمن الإيمان بالله ؟ الأدلة على وحدانية الله. ثمرات الإيمان بالله. ما ضد الإيمان بالله ؟ معنى الإلحاد. أسباب الإلحاد. كيف دخل الإلحاد بلاد المسلمين ؟ الآثار المترتبة على الإلحاد.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172694

    التحميل:

  • رسائل في العقيدة

    رسائل في العقيدة: قال المؤلف - حفظه الله -: «فإن علم العقيدة أشرف العلوم، وأجلها قدرًا، وإن تعلُّم العقيدة، والدعوة إليها لأهم المهمات، وأوجب الواجبات، فلا صلاح ولا عز ولا فلاح للأفراد والجماعات إلا بفهم العقيدة الصحيحة وتحقيقها .. وهذا الكتاب مشتمل على الرسائل التالية: 1- مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة [ المفهوم والخصائص ]. 2- الإيمان بالله. 3- لا إله إلا الله: معناها - أركانها - فضائلها - شروطها. 4- توحيد الربوبية. 5- توحيد الألوهية. 6- توحيد الأسماء والصفات. 7- الإيمان بالملائكة. 8- الإيمان بالكتب. 9- الإيمان بالرسل. 10- خلاصة الإيمان باليوم الآخر. 11- مختصر الإيمان بالقضاء والقدر. 12- مسائل في المحبة والخوف والرجاء. 13- نبذة مختصرة في الشفاعة والشرك والتمائم والتبرك. 14- السحر بين الماضي والحاضر. 15- الطِّيرة. 16- الإيمان: حقيقته وما يتعلق به من مسائل. 17- معالم في الصحبة والآل. 18- الإمامة والخلافة».

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355726

    التحميل:

  • الأصول الثلاثة الواجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها

    الأصول الثلاثة : رسالة مختصرة من الثلاثة الأصول وأدلتها للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وكتبها ليعلمها الصبيان والصغار. - هذه الرسالة تم نقلها من الجامع الفريد، ط 4 ( 1420هـ). - قال معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - في الوجه الأول من الشريط الأول لشرح متن الورقات: الشيخ - رحمه الله تعالى - له رسالة أخرى بعنوان الأصول الثلاثة، رسالة صغيرة أقل من هذه علمًا؛ ليعلمها الصبيان والصغار تلك يقال لها الأصول الثلاثة, وأما ثلاثة الأصول فهي هذه التي نقرأها، ويكثر الخلط بين التسميتين، ربما قيل لهذه ثلاثة الأصول، أو الأصول الثلاثة، لكن تسميتها المعروفة أنها ثلاثة الأصول وأدلتها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2397

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة