Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 97

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) (النساء) mp3
الْمُرَاد بِهَا جَمَاعَة مِنْ أَهْل مَكَّة كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا وَأَظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَان بِهِ , فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامُوا مَعَ قَوْمهمْ وَفُتِنَ مِنْهُمْ جَمَاعَة فَافْتُتِنُوا , فَلَمَّا كَانَ أَمْر بَدْر خَرَجَ مِنْهُمْ قَوْم مَعَ الْكُفَّار ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ لَمَّا اِسْتَحْقَرُوا عَدَد الْمُسْلِمِينَ دَخَلَهُمْ شَكٌّ فِي دِينهمْ فَارْتَدُّوا فَقُتِلُوا عَلَى الرِّدَّة ; فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : كَانَ أَصْحَابنَا هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ وَأُكْرِهُوا عَلَى الْخُرُوج فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَالْأَوَّل أَصَحّ . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : قُطِعَ عَلَى أَهْل الْمَدِينَة بَعْثٌ فَاكْتَتَبْتُ فِيهِ فَلَقِيت عِكْرِمَة مَوْلَى اِبْن عَبَّاس فَأَخْبَرْته فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْي , ثُمَّ قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن عَبَّاس أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَاد الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي السَّهْم فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيب أَحَدهمْ فَيَقْتُلهُ أَوْ يُضْرَب فَيُقْتَل ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ " .

" تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِعْلًا مَاضِيًا لَمْ يَسْتَنِدْ بِعَلَامَةِ تَأْنِيث , إِذْ تَأْنِيث لَفْظ الْمَلَائِكَة غَيْر حَقِيقِيٍّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا عَلَى مَعْنَى تَتَوَفَّاهُمْ ; فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ . وَحَكَى اِبْن فُورَك عَنْ الْحَسَن أَنَّ الْمَعْنَى تَحْشُرُهُمْ إِلَى النَّار . وَقِيلَ : تَقْبِضُ أَرْوَاحهمْ ; وَهُوَ أَظْهَر . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ مَلَك الْمَوْت ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْت الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ " [ السَّجْدَة : 11 ] .


نَصْب عَلَى الْحَال ; أَيْ فِي حَال ظُلْمهمْ أَنْفُسهمْ , وَالْمُرَاد ظَالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ فَحَذَفَ النُّون اِسْتِخْفَافًا وَأَضَافَ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ " [ الْمَائِدَة : 95 ] .



تَسْأَلُهُمْ الْمَلَائِكَة سُؤَال تَقْرِيع وَتَوْبِيخ , أَيْ أَكُنْتُمْ فِي أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ ! وَالْأَصْل " فِيمَا " ثُمَّ حُذِفَتْ الْأَلِف فَرْقًا بَيْنَ الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر , وَالْوَقْف عَلَيْهَا ( فِيمَهْ ) لِئَلَّا تُحْذَفَ الْأَلِف وَالْحَرَكَة .



يَعْنِي مَكَّة , اِعْتِذَار غَيْر صَحِيح ; إِذْ كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ الْحِيَل وَيَهْتَدُونَ السَّبِيل , ثُمَّ وَقَفَتْهُمْ الْمَلَائِكَة عَلَى دِينهمْ بِقَوْلِهِمْ " أَلَمْ تَكُنْ أَرْض اللَّه وَاسِعَة " . وَيُفِيد هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب أَنَّهُمْ مَاتُوا مُسْلِمِينَ ظَالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ فِي تَرْكِهِمْ الْهِجْرَة , وَإِلَّا فَلَوْ مَاتُوا كَافِرِينَ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ شَيْء مِنْ هَذَا , وَإِنَّمَا أَضْرَبَ عَنْ ذِكْرِهِمْ فِي الصَّحَابَة لِشِدَّةِ مَا وَاقَعُوهُ , وَلِعَدَمِ تَعَيُّنِ أَحَدِهِمْ بِالْإِيمَانِ , وَاحْتِمَال رِدَّتِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم . ثُمَّ اِسْتَثْنَى تَعَالَى مِنْهُمْ مِنْ الضَّمِير الَّذِي هُوَ الْهَاء وَالْمِيم فِي " مَأْوَاهُمْ " مَنْ كَانَ مُسْتَضْعَفًا حَقِيقَةً مِنْ زَمْنَى الرِّجَال وَضَعَفَة النِّسَاء وَالْوِلْدَان ; كَعَيَّاشِ بْن أَبِي رَبِيعَة وَسَلَمَة بْن هِشَام وَغَيْرهمْ الَّذِينَ دَعَا لَهُمْ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كُنْت أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَنَى اللَّه بِهَذِهِ الْآيَة ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْوِلْدَان إِذْ ذَاكَ , وَأُمّه هِيَ أُمّ الْفَضْل بِنْت الْحَارِث وَاسْمهَا لُبَابَة , وَهِيَ أُخْت مَيْمُونَة , وَأُخْتهَا الْأُخْرَى لُبَابَة الصُّغْرَى , وَهُنَّ تِسْع أَخَوَات قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِنَّ : ( الْأَخَوَات مُؤْمِنَات ) وَمِنْهُنَّ سَلْمَى وَالْعَصْمَاء وَحُفَيْدَة وَيُقَال فِي حَفِيدَة : أُمّ حُفَيْد , وَاسْمهَا هَزِيلَة . هُنَّ سِتّ شَقَائِق وَثَلَاث لِأُمٍّ ; وَهُنَّ سَلْمَى , وَسَلَّامَة , وَأَسْمَاء . بِنْت عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّة اِمْرَأَة جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب , ثُمَّ اِمْرَأَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , ثُمَّ اِمْرَأَة عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .


الْمَدِينَة ; أَيْ أَلَمْ تَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ قَادِرِينَ عَلَى الْهِجْرَة وَالتَّبَاعُد مِمَّنْ كَانَ يَسْتَضْعِفُكُمْ ! وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى هِجْرَان الْأَرْض الَّتِي يَعْمَل فِيهَا بِالْمَعَاصِي . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : إِذَا عُمِلَ بِالْمَعَاصِي فِي أَرْض فَاخْرُجْ مِنْهَا ; وَتَلَا " أَلَمْ تَكُنْ أَرْض اللَّه وَاسِعَة فَتُهَاجِرُوا فِيهَا " . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ أَرْض إِلَى أَرْض وَإِنْ كَانَ شِبْرًا اِسْتَوْجَبَ الْجَنَّة وَكَانَ رَفِيق إِبْرَاهِيم وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام ) .



أَيْ مَثْوَاهُمْ النَّار . وَكَانَتْ الْهِجْرَة وَاجِبَة عَلَى كُلّ مَنْ أَسْلَمَ .



نَصْب عَلَى التَّفْسِير .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • العروة الوثقى في ضوء الكتاب والسنة

    العروة الوثقى في ضوء الكتاب والسنة: قال المؤلف في مقدمة الكتاب: «فهذه رسالة مختصرة في كلمة التوحيد: العروة الوثقى، والكلمة الطيبة، وكلمة التقوى، وشهادة الحق، ودعوة الحق: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، جمعتُها لنفسي ولمن شاء الله تعالى من عباده».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193636

    التحميل:

  • نور الشيب وحكم تغييره في ضوء الكتاب والسنة

    نور الشيب وحكم تغييره في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنِّف: «فهذه كلمات مختصرة بيّنتُ فيها بإيجاز فضل من شاب شيبة في الإسلام، وأوردت الأحاديث التي جاءت تبيّن حكم صبغ الشيب بالسواد، وبالحناء مع الكتم، وبالصفرة، وذكرت بعض أقوال أهل العلم في ذلك؛ ليتبيّن الحق لطالبه؛ وليتضح أنه لا قول لأحد من الناس مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن سنته أحق بالاتباع، ولو خالفها من خالفها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1918

    التحميل:

  • الأمن في حياة الناس وأهميته في الإسلام

    الأمن في حياة الناس : يتكون هذا البحث من خمسة مباحث وخاتمة: المبحث الأول: الأمن في الكتاب والسنة. المبحث الثاني: مفهوم الأمن في المجتمع المسلم. المبحث الثالث: تطبيق الشريعة والأمن الشامل. المبحث الرابع: أمن غير المسلم في الدولة الإسلامية. المبحث الخامس: الأمن في المملكة العربية السعودية. الخاتمة: في أهم ما يحقق الأمن للمجتمع المسلم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144881

    التحميل:

  • فضائل الصحابة

    فضائل الصحابة: من العقائد المقررة ومن أصول الدين المتقررة في مذهب أهل السنة والجماعة: حب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -، والتدين لله - عز وجل - بالإقرار بفضلهم من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وهذا الكتاب لإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل تناول فيه فضائل أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعمالهم وأهميتهم وتأثيرهم في الإسلام فذكر فضائل أبي بكر وعلي وعمر وعثمان ... الخ - رضي الله عنهم أجمعين - وذكر فضائل العرب وفضائل أهل اليمن وفضائل عائشة أم المؤمنين .وفضائل غفار وأسلم وأقوام من الشام وغير ذلك الكثير. - هذا الكتاب نسخة مصورة من إصدار جامعة أم القرى بمكة المكرمة، حققه وخرج أحاديثه وصي الله بن محمد عباس - حفظه الله -.

    المدقق/المراجع: وصي الله بن محمد عباس

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2103

    التحميل:

  • فقه الاستشارة

    فقه الاستشارة: فمن خلال مُعايَشتي للقرآن الكريم، والوقوف مع آياته، والتفكُّر بما فيه من دروس ومعالم، وقفتُ أمام موضوع تكرَّر ذكره في القرآن الكريم، أمرًا وخبرًا وممارسةً، وذلكم هو موضوع المشاورة والشورى. وقد قمتُ بحصر المواضع التي ورد فيها هذا الأمر، ثم تأمَّلتُ فيها، ورجعتُ إلى كلام المُفسِّرين وغيرهم، ومن ثَمَّ رأيتُ أن الموضوع مناسب لأَن يُفرَد برسالة تكون زادًا للدعاة وطلاب العلم، وبخاصة مع الحاجة الماسة لذلك.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337576

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة