Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 9

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) (النساء) mp3
قَوْله تَعَالَى : " وَلْيَخْشَ " حُذِفَتْ الْأَلِف مِنْ " لِيَخْشَ " لِلْجَزْمِ بِالْأَمْرِ , وَلَا يَجُوز عِنْد سِيبَوَيْهِ إِضْمَار لَام الْأَمْر قِيَاسًا عَلَى حُرُوف الْجَرّ إِلَّا فِي ضَرُورَة الشِّعْر . وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ حَذْف اللَّام مَعَ الْجَزْم ; وَأَنْشَدَ الْجُمَيْع : مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَك كُلُّ نَفْسٍ إِذَا مَا خِفْت مِنْ شَيْءٍ تَبَالَا أَرَادَ لِتَفْدِ , وَمَفْعُول " يَخْشَ " مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ . و " خَافُوا " جَوَابُ " لَوْ " . التَّقْدِير لَوْ تَرَكُوا لَخَافُوا . وَيَجُوز حَذْف اللَّام فِي جَوَاب " لَوْ " . وَهَذِهِ الْآيَة قَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيلهَا ; فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : ( هَذَا وَعْظٌ لِلْأَوْصِيَاءِ , أَيْ اِفْعَلُوا بِالْيَتَامَى مَا تُحِبُّونَ أَنْ يُفْعَل بِأَوْلَادِكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ ) ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا " [ النِّسَاء : 10 ] . وَقَالَتْ طَائِفَة : الْمُرَاد جَمِيع النَّاس , أَمَرَهُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّه فِي الْأَيْتَام وَأَوْلَاد النَّاس ; وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي حُجُورِهِمْ . وَأَنْ يُشَدِّدُوا لَهُمْ الْقَوْلَ كَمَا يُرِيد كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ أَنْ يُفْعَل بِوَلَدِهِ بَعْدَهُ . وَمِنْ هَذَا مَا حَكَاهُ الشَّيْبَانِيّ قَالَ : كُنَّا عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّة فِي عَسْكَر مَسْلَمَة بْن عَبْد الْمَلِك , فَجَلَسْنَا يَوْمًا فِي جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم فِيهِمْ اِبْن الدَّيْلَمِيّ , فَتَذَاكَرُوا مَا يَكُون مِنْ أَهْوَال آخِر الزَّمَان . فَقُلْت لَهُ : يَا أَبَا بِشْر , وُدِّي أَلَّا يَكُونَ لِي وَلَد . فَقَالَ لِي : مَا عَلَيْك ! مَا مِنْ نَسَمَة قَضَى اللَّه بِخُرُوجِهَا مِنْ رَجُل إِلَّا خَرَجَتْ , أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ , وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْت أَنْ تَأْمَنَ عَلَيْهِمْ فَاتَّقِ اللَّه فِي غَيْرهمْ ; ثُمَّ تَلَا الْآيَة . وَفِي رِوَايَة : أَلَا أَدُلُّك عَلَى أَمْر إِنْ أَنْتَ أَدْرَكْته نَجَّاك اللَّه مِنْهُ , وَإِنْ تَرَكْت وَلَدًا مِنْ بَعْدك حَفِظَهُمْ اللَّه فِيك ؟ فَقُلْت : بَلَى ! فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة " وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا " إِلَى آخِرهَا .

قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَى مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ أَحْسَنَ الصَّدَقَةَ جَازَ عَلَى الصِّرَاط وَمَنْ قَضَى حَاجَةَ أَرْمَلَة أَخْلَفَ اللَّه فِي تَرِكَتِهِ ) . وَقَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ : هَذَا فِي الرَّجُل يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ فَيَقُول لَهُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ عِنْد وَصِيَّتِهِ : إِنَّ اللَّه سَيَرْزُقُ وَلَدَك فَانْظُرْ لِنَفْسِك , وَأَوْصِ بِمَالِك فِي سَبِيل اللَّه , وَتَصَدَّقْ وَأَعْتِقْ . حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى عَامَّةِ مَالِهِ أَوْ يَسْتَغْرِقَهُ فَيَضُرّ ذَلِكَ بِوَرَثَتِهِ ; فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ . فَكَأَنَّ الْآيَة تَقُول لَهُمْ : ( كَمَا تَخْشَوْنَ عَلَى وَرَثَتكُمْ وَذُرِّيَّتِكُمْ بَعْدَكُمْ , فَكَذَلِكَ فَاخْشَوْا عَلَى وَرَثَة غَيْركُمْ وَلَا تَحْمِلُوهُ عَلَى تَبْذِير مَالِهِ ) ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَابْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك وَمُجَاهِد . رَوَى سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : ( إِذَا حَضَرَ الرَّجُلُ الْوَصِيَّةَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُول أَوْصِ بِمَالِك فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَازِقٌ وَلَدَك , وَلَكِنْ يَقُول قَدِّمْ لِنَفْسِك وَاتْرُكْ لِوَلَدِك ) ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " فَلْيَتَّقُوا اللَّه " . وَقَالَ مِقْسَم وَحَضْرَمِيّ : نَزَلَتْ فِي عَكْس هَذَا , وَهُوَ أَنْ يَقُول لِلْمُحْتَضَرِ مَنْ يَحْضُرُهُ : أَمْسِكْ عَلَى وَرَثَتِك , وَأَبْقِ لِوَلَدِك فَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَالِك مِنْ أَوْلَادِك , وَيَنْهَاهُ عَنْ الْوَصِيَّة , فَيَتَضَرَّر بِذَلِكَ ذَوُو الْقُرْبَى وَكُلّ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَى لَهُ ; فَقِيلَ لَهُمْ : كَمَا تَخْشَوْنَ عَلَى ذُرِّيَّتكُمْ وَتُسَرُّونَ بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَيْهِمْ , فَكَذَلِكَ سَدِّدُوا الْقَوْل فِي جِهَة الْمَسَاكِين وَالْيَتَامَى , وَاتَّقُوا اللَّه فِي ضَرَرِهِمْ . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى وَقْت وُجُوب الْوَصِيَّة قَبْل نُزُول آيَة الْمَوَارِيث ; رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَابْن الْمُسَيِّب . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ لَا يَطَّرِدُ وَاحِد مِنْهُمَا فِي كُلّ النَّاس , بَلْ النَّاس صِنْفَانِ ; يَصْلُح لِأَحَدِهِمَا الْقَوْل الْوَاحِد , وَلِآخَر الْقَوْل الثَّانِي . وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُل إِذَا تَرَكَ وَرَثَته مُسْتَقِلِّينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَغْنِيَاء حَسُنَ أَنْ يُنْدَب إِلَى الْوَصِيَّة , وَيُحْمَل عَلَى أَنْ يُقَدِّم لِنَفْسِهِ . وَإِذَا تَرَكَ وَرَثَة ضُعَفَاء مُهْمَلِينَ مُقِلِّينَ حَسُنَ أَنْ يُنْدَب إِلَى التَّرْك لَهُمْ وَالِاحْتِيَاط ; فَإِنَّ أَجْرَهُ فِي قَصْد ذَلِكَ كَأَجْرِهِ فِي الْمَسَاكِين , فَالْمُرَاعَاة إِنَّمَا هُوَ الضَّعْف فَيَجِب أَنْ يُمَال مَعَهُ .

قُلْت : وَهَذَا التَّفْصِيل صَحِيح ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِسَعْدٍ : ( إِنَّك إِنْ تَذَرْ وَرَثَتك أَغْنِيَاء خَيْر مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس ) . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ وَلَد , أَوْ كَانَ وَهُوَ غَنِيّ مُسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ وَمَاله عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ أُمِنَ عَلَيْهِ ; فَالْأَوْلَى بِالْإِنْسَانِ حِينَئِذٍ تَقْدِيم مَاله بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى لَا يُنْفِقهُ مَنْ بَعْده فِيمَا لَا يَصْلُح , فَيَكُون وِزْرُهُ عَلَيْهِ .


السَّدِيد : الْعَدْل وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل ; أَيْ مُرُوا الْمَرِيض بِأَنْ يُخْرِج مِنْ مَاله مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوق الْوَاجِبَة , ثُمَّ يُوصِي لِقَرَابَتِهِ بِقَدْرِ مَا لَا يَضُرّ بِوَرَثَتِهِ الصِّغَار . وَقِيلَ : الْمَعْنَى قُولُوا لِلْمَيِّتِ قَوْلًا عَدْلًا , وَهُوَ أَنْ يُلَقِّنَهُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَلَا يَأْمُرهُ بِذَلِكَ , وَلَكِنْ يَقُول ذَلِكَ فِي نَفْسه حَتَّى يَسْمَع مِنْهُ وَيَتَلَقَّن . هَكَذَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) وَلَمْ يَقُلْ مُرُوهُمْ ; لِأَنَّهُ لَوْ أُمِرَ بِذَلِكَ لَعَلَّهُ يَغْضَب وَيَجْحَد . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْيَتِيم ; أَنْ لَا يَنْهَرُوهُ وَلَا يَسْتَخِفُّوا بِهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المستطاب في أسباب نجاح دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    المستطاب في أسباب نجاح دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : بيان أسباب نجاح هذه الدعوة، مع بيان لماذا نحب هذه الدعوة ولماذا نجحت واستمرت؟!!

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144868

    التحميل:

  • ثمرة العلم العمل

    ثمرة العلم العمل: فإن الله - جل وعلا - عظَّم قدر العلم ومكانة العلماء; وبيَّن أن العلماء أخشى الناس لله - سبحانه وتعالى -; وذلك لعلمهم بعملهم; وهذا هو ثمرةُ العلم; وفي هذه الرسالة ذكر المؤلف - حفظه الله - الشواهد والدلائل على اقتضاء العلمِ العملَ; من خلال نقاطٍ عديدة تُجلِّي هذا الأمر.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316846

    التحميل:

  • إرهاب المستأمنين وموقف الإسلام منه

    إرهاب المستأمنين وموقف الإسلام منه: يحتوي هذا الكتاب على المباحث الآتية: - المبحث الأول: تعريف الإرهاب وتحريمه في الإسلام. - المبحث الثاني: تعريف الأمان وأركانه وصيغه. - المبحث الثالث: الأدلة على مشروعية الأمان من الكتاب والسنة. - المبحث الرابع: الفرق بين الأمان والذمة والهدنة. - المبحث الخامس: الواجب على المسلمين تجاه المستأمنين. - المبحث السادس: الواجب على المستأمنين في بلاد المسلمين.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116850

    التحميل:

  • نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة

    نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة تبين مفهوم التوحيد وأدلته وأنواعه وثمراته، ومفهوم الشرك وأدلة إبطالِه، وبيان الشفاعة المنفية والمثبتة، وأسباب ووسائل الشرك وأنواعه وأقسامه، وأضراره وآثاره.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1941

    التحميل:

  • رسالة الحجاب

    رسالة الحجاب: لما كثر الكلام حول الحجاب ورؤية من لا يفعلونه ولا يرون بأسًا بالسفور؛ صار عند بعض الناس شك في الحجاب وتغطية الوجه هل هو واجب أو مستحب؟ أو شيء يتبع العادات والتقاليد ولا يحكم عليه بوجوب ولا استحباب في حد ذاته؟ ولجلاء حقيقة الأمر كتب الشيخ ما تيسر لبيان حكمه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2053

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة