Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 88

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) (النساء) mp3
" فِئَتَيْنِ " أَيْ فِرْقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ . رَوَى مُسْلِم عَنْ زَيْد بْن ثَابِت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى أُحُد فَرَجَعَ نَاس مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ , فَكَانَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ ; فَقَالَ بَعْضهمْ : نَقْتُلهُمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا ; فَنَزَلَتْ " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ فَزَادَ : وَقَالَ : ( إِنَّهَا طَيِّبَة ) وَقَالَ : ( إِنَّهَا تَنْفِي الْخَبِيث كَمَا تَنْفِي النَّار خَبَثَ الْحَدِيد ) قَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَقَالَ الْبُخَارِيّ : ( إِنَّهَا طَيْبَة تَنْفِي الْخَبَث كَمَا تَنْفِي النَّار خَبَث الْفِضَّة ) . وَالْمَعْنَى بِالْمُنَافِقِينَ هُنَا عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَصْحَابه الَّذِينَ خَذَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أُحُد وَرَجَعُوا بِعَسْكَرِهِمْ بَعْد أَنْ خَرَجُوا ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ قَوْم بِمَكَّة آمَنُوا وَتَرَكُوا الْهِجْرَة , قَالَ الضَّحَّاك : وَقَالُوا إِنْ ظَهَرَ مُحَمَّد - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ عَرَفَنَا , وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمنَا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا . فَصَارَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ قَوْم يَتَوَلَّوْنَهُمْ وَقَوْم يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ ; فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " . وَذَكَرَ أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْم جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَة وَأَظْهَرُوا الْإِسْلَام ; فَأَصَابَهُمْ وَبَاء الْمَدِينَة وَحُمَّاهَا ; فَأُرْكِسُوا فَخَرَجُوا مِنْ الْمَدِينَة , فَاسْتَقْبَلَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : مَا لَكُمْ رَجَعْتُمْ ؟ فَقَالُوا : أَصَابَنَا وَبَاء الْمَدِينَة فَاجْتَوَيْنَاهَا ; فَقَالُوا : مَا لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَة ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : نَافَقُوا . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَمْ يُنَافِقُوا , هُمْ مُسْلِمُونَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " الْآيَة . حَتَّى جَاءُوا الْمَدِينَة يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ , ثُمَّ اِرْتَدُّوا بَعْد ذَلِكَ , فَاسْتَأْذَنُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّة لِيَأْتُوا بِبَضَائِعَ لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا , فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ الْمُؤْمِنُونَ فَقَائِل يَقُول : هُمْ مُنَافِقُونَ , وَقَائِل يَقُول : هُمْ مُؤْمِنُونَ ; فَبَيَّنَ اللَّه تَعَالَى نِفَاقهمْ وَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ . قُلْت : وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يُعَضِّدُهُمَا سِيَاق آخِر الْآيَة مِنْ قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى يُهَاجِرُوا " [ النِّسَاء : 89 ] , وَالْأَوَّل أَصَحّ نَقْلًا , وَهُوَ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ . و " فِئَتَيْنِ " نَصْب عَلَى الْحَال ; كَمَا يُقَال : مَا لَك قَائِمًا ؟ عَنْ الْأَخْفَش . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : هُوَ خَبَر " مَا لَكُمْ " كَخَبَرِ كَانَ وَظَنَنْت , وَأَجَازُوا إِدْخَال الْأَلِف وَاللَّام فِيهِ وَحَكَى الْفَرَّاء : " أَرْكَسَهُمْ , وَرَكَسَهُمْ " أَيْ رَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْر وَنَكَسَهُمْ ; وَقَالَهُ النَّضْر بْن شُمَيْل وَالْكِسَائِيّ : وَالرَّكْس وَالنَّكْس قَلْب الشَّيْء عَلَى رَأْسه , أَوْ رَدّ أَوَّله عَلَى آخِره , وَالْمَرْكُوس الْمَنْكُوس . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه وَأُبَيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " وَاَللَّه رَكَسَهُمْ " . وَقَالَ ابْن رَوَاحَة : أُرْكِسُوا فِي فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ كَسَوَادِ اللَّيْلِ يَتْلُوهَا فِتَنْ أَيْ نُكِسُوا . وَارْتَكَسَ فُلَان فِي أَمْر كَانَ نَجَا مِنْهُ . وَالرُّكُوسِيَّة قَوْم بَيْنَ النَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ . وَالرَّاكِس الثَّوْر وَسَط الْبَدْر وَالثِّيرَان حَوَالَيْهِ حِينَ الدِّيَاس .



أَيْ تُرْشِدُوهُ إِلَى الثَّوَاب بِأَنْ يَحْكُم لَهُمْ بِحُكْمِ الْمُؤْمِنِينَ .



أَيْ طَرِيقًا إِلَى الْهُدَى وَالرُّشْد وَطَلَب الْحُجَّة . وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمْ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ هُدَاهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تيسير لمعة الاعتقاد

    هذا شرح متوسط على كتاب لمعة الاعتقاد لابن قدامة – قَصَدَ الشارح منه تقريب معانيها، وتوضيح غامضها، والتدليل لمسائلها كتاباً وسنة ومعقولاً، مع ذكر شبه بعض الفرق المنحرفة عن طريق السلف، والرّد عليها على سبيل الإيجاز وتحرير بعض عبارات ابن قدامة والسلف الصالح من قبله، كالإمام أحمد - رحم الله الجميع - والتي كانت متكأً لبعض الناس في الطعن على عقيدة السلف بأنّها عقيدة المفوّضة، فجلّى الشارح هذه العبارات، ووجهها توجيهاً حسناً يوافق جملة اعتقاد ذين الإمامين المقتفيين طريق السلف الصالح يرحمهم الله، شريعةً وعقيدة. هذا وَقَد شمل الشرح تبعاً للأصل الكلام في جزءٍ كبير من الكتاب - يقرب من النصف أو يزيد - على توحيد الأسماء والصفات، وبيان الواجب اعتقادهُ حيالها، مع ذكر النصوص الدّالة عليها كتاباً وسنّة. ثم بعد ذلك تحدّث الشارح - تبعاً لأصل الكتاب المشروح - عن قضايا متفرقات من معتقد أهل السنة والجماعة في باب القدر، ورؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، والحديث عن باب الإيمان، وأقوال أهل العلم فيه، ثم بيان عقيدة أهل السنة في الإسراء والمعراج وأشراط الساعة، والقبر وما يكون فيه، والبعث، والحشر، والميزان، والحوض، والصراط، والشفاعة، ثم الكلام على مذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة، وقولهم في التكفير والتبديع، مع تسمية بعض الفرق المخالفة لمعتقد أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، وذكر بعض بدعهم في الاعتقاد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260200

    التحميل:

  • البيان بالدليل لما في نصيحة الرفاعي ومقدمة البوطي من الكذب الواضح والتضليل

    هذه الرسالة تحتوي على رد على المدعو يوسف الرفاعي في أوراقه التي سماها نصيحة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314804

    التحميل:

  • الطريق إلى السعادة الزوجية في ضوء الكتاب والسنة

    تبين هذه الرسالة صفات الزوجة الصالحة، وحكمة تعدد الزوجات، وصفات المرأة الصالحة، وذكر هديه في الأسماء والكنى، والحث على تحجب المرأة المسلمة صيانة لها وما ورد في الكفاءة في النكاح، والتحذير من الأنكحة المنهي عنها كنكاح الشغار، والإجبار والنهي عن تزويج من لا يصلي، والحث على إرضاع الأم ولدها وبيان أضرار الإرضاع الصناعي وذكر هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في النكاح، وأحكام زينة المرأة وأخيرًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335007

    التحميل:

  • المولد النبوي تاريخه، حكمه، آثاره، أقوال العلماء فيه على اختلاف البلدان والمذاهب

    قال الحافظ السخاوي في فتاويه: « عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة وإنما حدث بعد ». اهـ. إذًا السؤال المهم: متى حدث هذا الأمر- المولد النبوي - وهل الذي أحدثه علماء أو حكام وملوك وخلفاء أهل السنة ومن يوثق بهم أم غيرهم؟ والجواب على هذا السؤال عند المؤرخ السني (الإمام المقريزي) - رحمه الله - يقول في كتابه الخطط ( 1/ ص 490 وما بعدها).

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2594

    التحميل:

  • الإرشادات الجليَّة في القراءات السبع من طريق الشاطبية

    الإرشادات الجليَّة في القراءات السبع من طريق الشاطبية: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «لما رأيتُ طلاب معاهد القراءات وطلاب المعاهد الأزهرية، وسائر المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية في حاجةٍ إلى كتابٍ في القراءات السبعِ يُعينُهم على إعداد دٌروسهم، وضعتُ هذا الكتابَ، وسمَّيتُه: «الإرشادات الجليَّة في القراءات السبع من طريق الشاطبية». وقد سلكتُ في ترتيبِهِ ونظامِهِ المسلكَ الذي اتبعتُه في كتابي: «المُهذَّب في القراءات العشر وتوجيهها من طريق طيبة النشر»، فذكرتُ كل رُبعٍ من القرآن الكريم على حدةٍ، مُبيِّنًا ما فيه من كلماتِ الخِلاف كلمةً كلمةً، مُوضِّحًا خلافَ الأئمة السبعةِ في كلٍّ منها، سواء أكان ذلك الخِلافُ من قَبيلِ الأُصول أم من قَبيل الفَرشِ. وبعد الانتهاءِ من بيان القراءات أذكُر الدليلَ على الكلماتِ الفَرشيَّةِ من متن «الشاطبية» للإمام أبي القاسم بن فيره بن خلف بن أحمد الضرير الشاطبي الأندلسي - رضي الله عنه -، المولود سنة 538 هـ، والمُتوفَّى سنة 590 هـ. وبعد الانتهاء من الرُّبعِ على هذا النحو أذكُر المُقلَّل والمُمال، ثم المُدغَم بقسمَيْهِ الصغيرِ والكبيرِ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384390

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة