Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 85

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا (85) (النساء) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " مَنْ يَشْفَعْ " أَصْل الشَّفَاعَة وَالشُّفْعَة وَنَحْوهَا مِنْ الشَّفْع وَهُوَ الزَّوْج فِي الْعَدَد ; وَمِنْهُ الشَّفِيع ; لِأَنَّهُ يَصِير مَعَ صَاحِب الْحَاجَة شَفْعًا . وَمِنْهُ نَاقَة شَفُوع إِذَا جَمَعَتْ بَيْنَ مِحْلَبَيْنِ فِي حَلْبَة وَاحِدَة . وَنَاقَة شَفِيع إِذَا اِجْتَمَعَ لَهَا حَمْل وَوَلَد يَتْبَعُهَا . وَالشَّفْع ضَمّ وَاحِد إِلَى وَاحِد . وَالشُّفْعَة ضَمّ مِلْك الشَّرِيك إِلَى مِلْكك ; فَالشَّفَاعَة إِذًا ضَمّ غَيْرك إِلَى جَاهِك وَوَسِيلَتك , فَهِيَ عَلَى التَّحْقِيق إِظْهَارٌ لِمَنْزِلَةِ الشَّفِيع عِنْد الْمُشَفِّع وَإِيصَال الْمَنْفَعَة إِلَى الْمَشْفُوع لَهُ .

الثَّانِيَة : وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي هَذِهِ الْآيَة ; فَقَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَابْن زَيْد وَغَيْرهمْ هِيَ فِي شَفَاعَات النَّاس بَيْنهمْ فِي حَوَائِجهمْ ; فَمَنْ يَشْفَعْ لِيَنْفَعَ فَلَهُ نَصِيب , وَمَنْ يَشْفَعْ لِيَضُرَّ فَلَهُ كِفْل . وَقِيلَ : الشَّفَاعَة الْحَسَنَة هِيَ فِي الْبِرّ وَالطَّاعَة , وَالسَّيِّئَة فِي الْمَعَاصِي . فَمَنْ شَفَعَ شَفَاعَة حَسَنَة لِيُصْلِح بَيْنَ اِثْنَيْنِ اِسْتَوْجَبَ الْأَجْر , وَمَنْ سَعَى بِالنَّمِيمَةِ وَالْغِيبَة أَثِمَ , وَهَذَا قَرِيب مِنْ الْأَوَّل . وَقِيلَ : يَعْنِي بِالشَّفَاعَةِ الْحَسَنَة الدُّعَاء لِلْمُسْلِمِينَ , وَالسَّيِّئَة الدُّعَاء عَلَيْهِمْ . وَفِي صَحِيح الْخَبَر : ( مَنْ دَعَا بِظَهْرِ الْغَيْب اُسْتُجِيبَ لَهُ وَقَالَ الْمَلَك آمِينَ وَلَك بِمِثْلٍ ) . هَذَا هُوَ النَّصِيب , وَكَذَلِكَ فِي الشَّرّ ; بَلْ يَرْجِع شُؤْم دُعَائِهِ عَلَيْهِ . وَكَانَتْ الْيَهُود تَدْعُو عَلَى الْمُسْلِمِينَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى مَنْ يَكُنْ شَفْعًا لِصَاحِبِهِ فِي الْجِهَاد يَكُنْ لَهُ نَصِيبُهُ مِنْ الْأَجْر , وَمَنْ يَكُنْ شَفْعًا لِآخَر فِي بَاطِل يَكُنْ لَهُ نَصِيبه مِنْ الْوِزْر . وَعَنْ الْحَسَن أَيْضًا : الْحَسَنَة مَا يَجُوز فِي الدِّين , وَالسَّيِّئَة مَا لَا يَجُوز فِيهِ . وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْل جَامِع . وَالْكِفْل الْوِزْر وَالْإِثْم ; عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَة . السُّدِّيّ وَابْن زَيْد هُوَ النَّصِيب . وَاشْتِقَاقه مِنْ الْكِسَاء الَّذِي يَحْوِيه رَاكِب الْبَعِير عَلَى سَنَامه لِئَلَّا يَسْقُط . يُقَال : اِكْتَفَلْت الْبَعِير إِذَا أَدَرْت عَلَى سَنَامه كِسَاء وَرَكِبْت عَلَيْهِ . وَيُقَال لَهُ : اِكْتَفَلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِل الظَّهْر كُلّه بَلْ اِسْتَعْمَلَ نَصِيبًا مِنْ الظَّهْر . وَيُسْتَعْمَل فِي النَّصِيب مِنْ الْخَيْر وَالشَّرّ , وَفِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى " يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَته " [ الْحَدِيد : 28 ] . وَالشَّافِع يُؤْجَر فِيمَا يَجُوز وَإِنْ لَمْ يُشَفَّعْ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ " مَنْ يَشْفَعْ " وَلَمْ يَقُلْ يُشَفَّعْ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم ( اِشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّه عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ ) .


" مُقِيتًا " مَعْنَاهُ مُقْتَدِرًا ; وَمِنْهُ قَوْل الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَّلِب : وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْت النَّفْسَ عَنْهُ وَكُنْت عَلَى مَسَاءَتِهِ مُقِيتًا أَيْ قَدِيرًا . فَالْمَعْنَى إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُعْطِي كُلّ إِنْسَان قُوَّته ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّع مَنْ يُقِيت ) . عَلَى مَنْ رَوَاهُ هَكَذَا , أَيْ مَنْ هُوَ تَحْت قُدْرَته وَفِي قَبْضَتِهِ مِنْ عِيَال وَغَيْره ; ذَكَرَهُ اِبْن عَطِيَّة . يَقُول مِنْهُ : قُتّه أَقُوتُهُ قَوْتًا , وَأَقَتّه أُقِيتُهُ إِقَاتَةً فَأَنَا قَائِت وَمُقِيت . وَحَكَى الْكِسَائِيّ : أَقَاتَ يُقِيت . وَأَمَّا قَوْل الشَّاعِر : ... إِنِّي عَلَى الْحِسَاب مُقِيت فَقَالَ فِيهِ الطَّبَرِيّ : إِنَّهُ مِنْ غَيْر هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّم , وَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْمَوْقُوف . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْمُقِيت الْحَافِظ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : الْمُقِيت الْمُقْتَدِر . وَقَالَ النَّحَّاس : وَقَوْل أَبِي عُبَيْدَة أَوْلَى لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الْقَوْت , وَالْقُوت مَعْنَاهُ مِقْدَار مَا يَحْفَظ الْإِنْسَان . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمُقِيت الَّذِي يُعْطِي كُلّ رَجُل قُوته . وَجَاءَ فِي الْحَدِيث : ( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوت ) و " يُقِيت " ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ : وَحَكَى اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل : الْمُقِيت الْمُقْتَدِر , وَالْمُقِيت الْحَافِظ وَالشَّاهِد , وَمَا عِنْده قِيت لَيْلَة وَقُوت لَيْلَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الثمر المستطاب في روائع الآل والأصحاب

    الثمر المستطاب في روائع الآل والأصحاب: قال المُؤلِّفان: «فإن لآل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مكانةً عظيمةً، ومنزلةً سامِقةً رفيعةً، وشرفًا عاليًا، وقدرًا كبيرًا. لقد حباهم الله هذه المكانة البالغة الشرف، فجعل الصلاةَ عليهم مقرونةً بالصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - في التشهُّد، وأوجبَ لهم حقًّا في الخمس والفَيْء، وحرَّم عليهم الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، فلا تصلُح لأمثالهم ... وقد جمعتُ في هذه الأوراق مواقف متنوعة، وقصصًا مُشرقة للآل والأصحاب - رضي الله عنهم -، ورتَّبتُها على أبوابٍ مختلفة، وتركتُها قفلاً من غير تعليق لأنها ناطقة بما فيها، واعتمدتُ في جمع هذه المواقف على مراجع متنوعة، وقد أنقلُ - أحيانًا - جزءًا كبيرًا من كتابٍ واحدٍ لحصول المقصود به؛ ككتاب «سير أعلام النبلاء» للذهبي - رحمه الله -، و«حياة الصحابة» للكاندهلوي - رحمه الله -، و«صلاح الأمة في علوِّ الهمَّة» لسيد عفاني - وفقه الله -».

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380429

    التحميل:

  • تجربة المقرأة القرآنية الثانية في تعليم القرآن الكريم

    هذا كتاب يُعَرِّف بتجربة "المقرأة الثانية" في تعليم القرآن الكريم بمدينة جدة، والتي تُعنى بتحفيظ القرآن الكريم لكبار السن المجيدين للقراءة، وتهدف إلى تخريج حفظة يسمّعون القرآن كاملاً من أوله إلى آخره في يوم واحد دون تحضير، ودون خطأ - إلا نادرًا – مع العمل به والاستقامة على الدين بأقصى الاستطاعة وذلك بتطبيق منهج متدرج مبتكر يجمع بين حفظ القرآن و تعاهده والتربية على ما يهدي إليه. ورغبة في تعميم الاستفادة من هذه التجربة قام صاحبها فضيلة الشيخ موسى بن درويش الجاروشة بتسجيلها في هذا الكتاب، وقد ذكر فيه بداية فكرة المقرأة ومراحل تطورها، ومنهجها في تسجيل الطلاب وفي الحفظ والمراجعة، كما ذكر أسس المقرأة وضوابطها، ومنهجها في التغلب على الصعوبات التي تواجه من يريد حفظ القرآن بإتقان، وهو عبارة عن الاستعانة بالله تبارك وتعالى والصدق والإتيان بنوافل العبادات والإكثار من ذكر الله والدعاء والرقية وإفشاء السلام وسائر أعمال البر. ثم ختم الكتاب بإبراز صدى المقرأة بذكر أثرها في المنتسبين إليها وغرائب مما وقع فيها وثناء أهل العلم عليها، وقد أردف ذلك بإحصائيات وخاتمة وصور لبعض مرافق المقرأة.

    الناشر: معهد الإمام الشاطبي http://www.shatiby.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385699

    التحميل:

  • بدائع الفوائد

    بدائع الفوائد : من جملة أغراض التأليف وألوانه التي أَلِفَ العلماء الكتابة فيها: تقييدُ ما يمرُّ بهم من الفوائد، والشوارد، والبدائع؛ من نصٍّ عزيز، أو نقلٍ غريب، أو استدلال محرَّر، أو ترتيب مُبتكر، أو استنباط دقيق، أو إشارةٍ لطيفة = يُقيِّدون تلك الفوائد وقت ارتياضهم في خزائن العلم ودواوين الإسلام، أو مما سمعوه من أفواه الشيوخ أو عند مناظرة الأقران، أو بما تُمليه خواطرهم وينقدح في الأذهان. يجمعون تلك المقيَّدات في دواوين، لهم في تسميتها مسالك، فتُسَمَّى بـ "الفوائد" أو"التذكرة" أو "الزنبيل" أو"الكنَّاش" أو "المخلاَة" أو"الفنون" أو"السفينة" أو"الكشكول" وغيرها. وهم في تلك الضمائم والمقيَّدات يتفاوتون في جَوْدة الاختيار، وطرافة الترتيب، وعُمْق الفكرة = تفاوتَ علومهم وقرائحهم، وفهومهم ومشاربهم، فاختيار المرء – كما قيل وما أصدق ماقيل ! – قطعةٌ من عقله ، ويدلُّ على المرء حسنُ اختياره ونقله. إلا أن تلك الكتب تجمعها - في الجملة - أمور مشتركة؛ كغلبة النقل، وعزة الفوائد، وعدم الترتيب، وتنوُّع المعارف. ومن أحسن الكتب المؤلَّفة في هذا المضمار كتاب "بدائع الفوائد" للإمام العلامة شمس الدين أبي عبدالله محمد بن أبي بكر ، المعروف بابن قيِّم الجوزية، المتوفي سنة (751) رحمة الله عليه. وهو كتابٌ مشحونٌ بالفوائد النادرة، والقواعد الضابطة ، والتحقيقات المحرَّرة، والنقول العزيزة، والنِّكات الطريفة المُعْجِبَة؛ في التفسير، والحديث، والأصلين، والفقه، وعلوم العربية. إضافة إلى أنواع من المعارف، من المناظرات، والفروق، والمواعظ والرِّقاق وغيرها، مقلِّداً أعناق هذه المعارف سِمطاً من لآلئ تعليقاته المبتكرة.

    المدقق/المراجع: علي بن محمد العمران

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265598

    التحميل:

  • أصول في التفسير

    أصول في التفسير: قال المصنف - رحمه الله -: «فإن من المهم في كل فنٍّ أن يتعلمَ المرءُ من أصوله ما يكون عونًا له على فهمه وتخريجه على تلك الأصول؛ ليكونَ علمه مبنيًّا على أُسس قوية ودعائم راسخة. ومن أجلِّ فنون العلم - بل هو أجلُّها وأشرفها -: علم التفسير الذي هو تبيين معاني كلام الله - عز وجل -، وقد وضع له أهلُ العلم أصولاً كما وضعوا لعلم الحديث أصولاً، ولعلم الفقه أصولاً. وقد كنتُ كتبتُ من هذا العلم ما تيسَّر لطلاب المعاهد العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فطلب مني بعضُ الناس أن أُفرِدها في رسالة؛ ليكون ذلك أيسر وأجمع، فأجبتُه إلى ذلك».

    الناشر: موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين http://www.ibnothaimeen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/349282

    التحميل:

  • فقه ألفاظ الصلاة

    فقه ألفاظ الصلاة: رسالةٌ صغيرة مؤلَّفة لتكون عونًا للمسلم على تدبُّر ألفاظ الصلاة، وسببًا لإثارة فريضة الخشوع، وسنة التدبُّر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/278455

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة