Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 78

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) (النساء) mp3
قَوْله تَعَالَى : " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْت " شَرْط وَمُجَازَاة , و " مَا " زَائِدَة وَهَذَا الْخِطَاب عَامّ وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد الْمُنَافِقِينَ أَوْ ضَعَفَة الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَالُوا : " لَوْلَا أَخَّرْتنَا إِلَى أَجَل قَرِيب " أَيْ إِلَى أَنْ نَمُوت بِآجَالِنَا , وَهُوَ أَشْبَه الْمُنَافِقِينَ كَمَا ذَكَرْنَا , لِقَوْلِهِمْ لَمَّا أُصِيبَ أَهْل أُحُد , قَالُوا : " لَوْ كَانُوا عِنْدنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا " [ آل عِمْرَان : 156 ] فَرَدَّ اللَّه عَلَيْهِمْ " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْت وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَة " قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْهُ . وَوَاحِد الْبُرُوج بُرْج , وَهُوَ الْبِنَاء الْمُرْتَفِع وَالْقَصْر الْعَظِيم . قَالَ طَرَفَة يَصِف نَاقَة : كَأَنَّهَا بُرْج رُومِيّ تَكَفَّفَهَا بَانٍ بِشِيدٍ وَآجُرٍّ وَأَحْجَارِ وَقَرَأَ طَلْحَة بْن سُلَيْمَان " يُدْرِكُكُمْ " بِرَفْعِ الْكَاف عَلَى إِضْمَار الْفَاء , وَهُوَ قَلِيل لَمْ يَأْتِ إِلَّا فِي الشِّعْر نَحْو قَوْله : مَنْ يَفْعَلْ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا أَرَادَ فَاَللَّه يَشْكُرُهَا .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء وَأَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُرَاد بِهَذِهِ الْبُرُوج , فَقَالَ الْأَكْثَر وَهُوَ الْأَصَحّ . إِنَّهُ أَرَادَ الْبُرُوج فِي الْحُصُون الَّتِي فِي الْأَرْض الْمَبْنِيَّة , لِأَنَّهَا غَايَة الْبَشَر فِي التَّحَصُّن وَالْمَنَعَة , فَمَثَّلَ اللَّه لَهُمْ بِهَا . وَقَالَ قَتَادَة : فِي قُصُور مُحَصَّنَة . وَقَالَهُ اِبْن جُرَيْج وَالْجُمْهُور , وَمِنْهُ قَوْل عَامِر بْن الطُّفَيْل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَك فِي حِصْن حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ ؟ وَقَالَ مُجَاهِد : الْبُرُوج الْقُصُور . اِبْن عَبَّاس : الْبُرُوج الْحُصُون وَالْآطَام وَالْقِلَاع . وَمَعْنَى " مُشَيَّدَة " مُطَوَّلَة , قَالَهُ الزَّجَّاج وَالْقُتَبِيّ . عِكْرِمَة : الْمُزَيَّنَة بِالشِّيدِ وَهُوَ الْجِصّ . قَالَ قَتَادَة : مُحَصَّنَة . وَالْمَشِيد وَالْمُشَيَّد سَوَاء , وَمِنْهُ " وَقَصْرٍ مَشِيد " [ الْحَجّ : 45 ] وَالتَّشْدِيد لِلتَّكْثِيرِ . وَقِيلَ الْمُشَيَّد الْمُطَوَّل , وَالْمَشِيد الْمَطْلِيّ بِالشِّيدِ . يُقَال : شَادَ الْبُنْيَان وَأَشَادَ بِذِكْرِهِ . وَقَالَ السُّدِّيّ : الْمُرَاد بِالْبُرُوجِ بُرُوج فِي السَّمَاء الدُّنْيَا مَبْنِيَّة . وَحَكَى هَذَا الْقَوْل مَكِّيّ عَنْ مَالِك وَأَنَّهُ قَالَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْله تَعَالَى : " وَالسَّمَاء ذَات الْبُرُوج " [ الْبُرُوج : 1 ] و " جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا " [ الْفُرْقَان : 61 ] " وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا " [ الْحَجَر : 16 ] . وَحَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ أَيْضًا عَنْ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك . وَحَكَى النَّقَّاش عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : " فِي بُرُوج مُشَيَّدَة " مَعْنَاهُ فِي قُصُور مِنْ حَدِيد . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا لَا يُعْطِيهِ ظَاهِر اللَّفْظ .

هَذِهِ الْآيَة تَرُدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّة فِي الْآجَال , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْت وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَة " فَعَرَّفَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّ الْآجَال مَتَى اِنْقَضَتْ فَلَا بُدّ مِنْ مُفَارَقَة الرُّوحِ الْجَسَدَ , كَانَ ذَلِكَ بِقَتْلٍ أَوْ مَوْت أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِزُهُوقِهَا بِهِ . وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَة : إِنَّ الْمَقْتُول لَوْ لَمْ يَقْتُلهُ الْقَاتِل لَعَاشَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدّ عَلَيْهِمْ فِي " آل عِمْرَان " وَيَأْتِي فَوَافَقُوا بِقَوْلِهِمْ هَذَا الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ .

اِتِّخَاذ الْبِلَاد وَبِنَائِهَا لِيَمْتَنِع بِهَا فِي حِفْظ الْأَمْوَال وَالنُّفُوس , وَهِيَ سُنَّة اللَّه فِي عِبَاده . وَفِي ذَلِكَ أَدَلّ دَلِيل عَلَى رَدّ قَوْل مَنْ يَقُول : التَّوَكُّل تَرْك الْأَسْبَاب , فَإِنَّ اِتِّخَاذ الْبِلَاد مِنْ أَكْبَر الْأَسْبَاب وَأَعْظَمهَا وَقَدْ أُمِرْنَا بِهَا , وَاِتَّخَذَهَا الْأَنْبِيَاء وَحَفَرُوا حَوْلهَا الْخَنَادِق عُدَّةً وَزِيَادَة فِي التَّمَنُّع . وَقَدْ قِيلَ لِلْأَحْنَفِ : مَا حِكْمَة السُّور ؟ فَقَالَ : لِيَرْدَعَ السَّفِيهَ حَتَّى يَأْتِيَ الْحَكِيم فَيَحْمِيهِ . الرَّابِعَة : وَإِذَا تَنَزَّلْنَا عَلَى قَوْل مَالِك وَالسُّدِّيّ فِي أَنَّهَا بُرُوج السَّمَاء , فَبُرُوج الْفَلَك اِثْنَا عَشَرَ بُرْجًا مُشَيَّدَة مِنْ الرَّفْع , وَهِيَ الْكَوَاكِب الْعِظَام . وَقِيلَ لِلْكَوَاكِبِ بُرُوج لِظُهُورِهَا , مِنْ بَرِجَ يَبْرَج إِذَا ظَهَرَ وَارْتَفَعَ ; وَمِنْهُ قَوْله : " وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّج الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى " [ الْأَحْزَاب : 33 ] وَخَلَقَهَا اللَّه تَعَالَى مَنَازِل لِلشَّمْسِ وَالْقَمَر وَقَدَّرَهُ فِيهَا , وَرَتَّبَ الْأَزْمِنَة عَلَيْهَا , وَجَعَلَهَا جَنُوبِيَّة وَشَمَالِيَّة دَلِيلًا عَلَى الْمَصَالِح وَعَلَمًا عَلَى الْقِبْلَة , وَطَرِيقًا إِلَى تَحْصِيل آنَاء اللَّيْل وَآنَاء النَّهَار لِمَعْرِفَةِ أَوْقَات التَّهَجُّد غَيْر ذَلِكَ مِنْ أَحْوَال الْمَعَاش .


" وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَة يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْد اللَّه " أَيْ إِنْ يُصِبْ الْمُنَافِقِينَ خِصْب قَالُوا : هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه . " وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَة " أَيْ جَدْب وَمَحْل قَالُوا : هَذَا مِنْ عِنْدك , أَيْ أَصَابَنَا ذَلِكَ بِشُؤْمِك وَشُؤْم أَصْحَابك . وَقِيلَ : الْحَسَنَة السَّلَامَة وَالْأَمْن , وَالسَّيِّئَة الْأَمْرَاض وَالْخَوْف . وَقِيلَ : الْحَسَنَة الْغِنَى , وَالسَّيِّئَة الْفَقْر . وَقِيلَ : الْحَسَنَة النِّعْمَة وَالْفَتْح وَالْغَنِيمَة يَوْم بَدْر , وَالسَّيِّئَة الْبَلِيَّة وَالشِّدَّة وَالْقَتْل يَوْم أُحُد . وَقِيلَ : الْحَسَنَة السَّرَّاء , وَالسَّيِّئَة الضَّرَّاء . هَذِهِ أَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ وَعُلَمَاء التَّأْوِيل - اِبْن عَبَّاس وَغَيْره - فِي الْآيَة . وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُود وَالْمُنَافِقِينَ , وَذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة عَلَيْهِمْ قَالُوا : مَا زِلْنَا نَعْرِف النَّقْص فِي ثِمَارنَا وَمَزَارِعنَا مُذْ قَدِمَ عَلَيْنَا هَذَا الرَّجُل وَأَصْحَابه . قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَمَعْنَى " مِنْ عِنْدك " أَيْ بِسُوءِ تَدْبِيرك . وَقِيلَ : " مِنْ عِنْدك " بِشُؤْمِك , كَمَا ذَكَرْنَا , أَيْ بِشُؤْمِك الَّذِي لَحِقَنَا , قَالُوهُ عَلَى جِهَة التَّطَيُّر .



أَيْ الشِّدَّة وَالرَّخَاء وَالظَّفَر وَالْهَزِيمَة مِنْ عِنْد اللَّه , أَيْ بِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَره .


يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ



أَيْ مَا شَأْنُهُمْ لَا يَفْقَهُونَ أَنَّ كُلًّا مِنْ عِنْد اللَّه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حقوق آل البيت بين السنة والبدعة

    حقوق آل البيت بين السنة والبدعة: رسالة نادرة لشيخ الإسلام - رحمه الله - تبين مذهب السلف في شعبة من شعب الإيمان التي تتعلق بأعمال القلب، وهي حب أهل بيت النبوة كما دل عليه القرآن والحديث.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1988

    التحميل:

  • النهاية في غريب الحديث والأثر

    النهاية في غريب الحديث والأثر : كتاب يبحث في علم من علوم الحديث وهو علم غريب الحديث، يتعرض فيه مصنفه ابن الأثير للألفاظ المبهمة والغريبة الموجودة في الأحاديث النبوية والآثار ويشرحها ويكشف عن غامضها وقد رتبها ترتيبا ألفبائيا، حيث يذكر الكلمة الغريبة وبعض الحديث التي وجدت فيه وهذه طبعة مخرجة الأحاديث وعليها تعليقات هامة.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141388

    التحميل:

  • اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث [ جملة ما حكاه عنهم أبو الحسن الأشعري وقرره في مقالاته ]

    اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث : فقد انتسب إلى أبي الحسن الأشعري في هذا العصر كثير من المسلمين، وأطلقوا على أنفسهم الأشاعرة نسبة إليه، وادعوا أنهم ملتزمون بما هو عليه في الاعتقاد وخاصة في مسائل الصفات، والحق أنهم لم يأخذوا بالعقيدة التي اعتنقها إمامهم في نهاية حياته كما في كتاب (الإبانة) و (المقالات)، ومن العجيب أنهم زعموا أن الإمام أبا الحسن الأشعري ألف كتابه (الإبانة) مداراة للحنابلة وتقية، وخوفا منهم على نفسه. وفي هذا الكتاب تحقيق لعقيدة الأشعري - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116962

    التحميل:

  • فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة

    فضل أهل البيت: مَن هم أهل البيت؟، مُجمل عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في أهل البيت، فضائل أهل البيت في القرآن الكريم، فضائل أهل البيت في السنَّة المطهَّرة، علوُّ مكانة أهل البيت عند الصحابة وتابعيهم بإحسان، مقارنة بين عقيدة أهل السُّنَّة وعقيدة غيرهم في أهل البيت، تحريم الانتساب بغير حق إلى أهل البيت.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2125

    التحميل:

  • عقيدة أهل السنة والجماعة

    عقيدة أهل السنة والجماعة: تشتمل هذه الرسالة على بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي أبواب الإِيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدَر خيره وشره.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بحي سلطانة بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1874

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة