Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 69

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69) (النساء) mp3
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْأَمْر الَّذِي لَوْ فَعَلَهُ الْمُنَافِقُونَ حِينَ وُعِظُوا بِهِ وَأَنَابُوا إِلَيْهِ لَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ , ذَكَرَ بَعْد ذَلِكَ ثَوَاب مَنْ يَفْعَلُهُ . وَهَذِهِ الْآيَة تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : " اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ " [ الْفَاتِحَة : 6 - 7 ] وَهِيَ الْمُرَاد فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام عِنْد مَوْته ( اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى ) . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا مِنْ نَبِيّ يَمْرَض إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ) كَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي مَرِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَة فَسَمِعْته يَقُول : ( مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ ) فَعَلِمْت أَنَّهُ خَيْر . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة لَمَّا قَالَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَبْد رَبّه الْأَنْصَارِيّ - الَّذِي أُرِيَ الْأَذَان - : يَا رَسُول اللَّه , إِذَا مُتّ وَمُتْنَا كُنْت فِي عِلِّيِّينَ لَا نَرَاك وَلَا نَجْتَمِع بِك ; وَذَكَرَ حُزْنه عَلَى ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَذَكَرَ مَكِّيّ عَنْ عَبْد اللَّه هَذَا وَأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ أَعْمِنِي حَتَّى لَا أَرَى شَيْئًا بَعْده ; فَعَمِيَ مَكَانه . وَحَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَعْمِنِي فَلَا أَرَى شَيْئًا بَعْد حَبِيبِي حَتَّى أَلْقَى حَبِيبِي ; فَعَمِيَ مَكَانه . وَحَكَى الثَّعْلَبِيّ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَوْبَان مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ شَدِيد الْحُبّ لَهُ قَلِيل الصَّبْر عَنْهُ , فَأَتَاهُ ذَات يَوْم وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنه وَنَحَلَ جِسْمه , يُعْرَف فِي وَجْهه الْحُزْن ; فَقَالَ لَهُ : ( يَا ثَوْبَان مَا غَيَّرَ لَوْنك ) فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا بِي ضُرّ وَلَا وَجَع , غَيْر أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَك اِشْتَقْت إِلَيْك وَاسْتَوْحَشْت وَحْشَة شَدِيدَة حَتَّى أَلْقَاك , ثُمَّ ذَكَرْت الْآخِرَة وَأَخَاف أَلَّا أَرَاك هُنَاكَ ; لِأَنِّي عَرَفْت أَنَّك تُرْفَع مَعَ النَّبِيِّينَ وَأَنِّي إِنْ دَخَلْت الْجَنَّة كُنْت فِي مَنْزِلَة هِيَ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتك , وَإِنْ لَمْ أَدْخُل فَذَلِكَ حِينَ لَا أَرَاك أَبَدًا ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة . ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيّ عَنْ الْكَلْبِيّ . وَأَسْنَدَ عَنْ مَسْرُوق قَالَ : قَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُفَارِقَك فِي الدُّنْيَا , فَإِنَّك إِذَا فَارَقْتنَا رُفِعْت فَوْقَنَا ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَنْ يُطِعْ اللَّه وَالرَّسُول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ " . وَفِي طَاعَة اللَّه طَاعَة رَسُوله وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهُ تَشْرِيفًا لِقَدْرِهِ وَتَنْوِيهًا بِاسْمِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ .



أَيْ هُمْ مَعَهُمْ فِي دَار وَاحِدَة وَنَعِيم وَاحِد يَسْتَمْتِعُونَ بِرُؤْيَتِهِمْ وَالْحُضُور مَعَهُمْ , لَا أَنَّهُمْ يُسَاوُونَهُمْ فِي الدَّرَجَة ; فَإِنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ لَكِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ لِلِاتِّبَاعِ فِي الدُّنْيَا وَالِاقْتِدَاء . وَكُلّ مَنْ فِيهَا قَدْ رُزِقَ الرِّضَا بِحَالِهِ , وَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ اِعْتِقَاد أَنَّهُ مَفْضُول . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلّ " [ الْأَعْرَاف : 43 ] . وَالصِّدِّيق فِعِّيلٌ , الْمُبَالِغ فِي الصِّدْق أَوْ فِي التَّصْدِيق , وَالصِّدِّيق هُوَ الَّذِي يُحَقِّق بِفِعْلِهِ مَا يَقُول بِلِسَانِهِ . وَقِيل : هُمْ فُضَلَاء أَتْبَاع الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ يَسْبِقُونَهُمْ إِلَى التَّصْدِيق كَأَبِي بَكْر الصِّدِّيق . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة اِشْتِقَاق الصِّدِّيق وَمَعْنَى الشَّهِيد . وَالْمُرَاد هُنَا بِالشُّهَدَاءِ عُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ , وَالصَّالِحِينَ سَائِر الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .



الْقَتْلَى فِي سَبِيل اللَّه .


صَالِحِي أُمَّة مُحَمَّد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قُلْت : وَاللَّفْظ يَعُمّ كُلّ صَالِح وَشَهِيد , وَاَللَّه أَعْلَم . وَالرِّفْق لِين الْجَانِب . وَسُمِّيَ الصَّاحِب رَفِيقًا لِارْتِفَاقِك بِصُحْبَتِهِ ; وَمِنْهُ الرُّفْقَة لِارْتِفَاقِ بَعْضهمْ بِبَعْضٍ . وَيَجُوز " وَحَسُنَ أُولَئِكَ رُفَقَاءَ " . قَالَ الْأَخْفَش : " رَفِيقًا " مَنْصُوب عَلَى الْحَال وَهُوَ بِمَعْنَى رُفَقَاء ; وَقَالَ : اِنْتَصَبَ عَلَى التَّمْيِيز فَوَحَّدَ لِذَلِكَ ; فَكَأَنَّ الْمَعْنَى وَحَسُنَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ رَفِيقًا . كَمَا قَالَ تَعَالَى : " ثُمَّ نُخْرِجكُمْ طِفْلًا " [ الْحَجّ : 5 ] أَيْ نُخْرِج كُلّ وَاحِد مِنْكُمْ طِفْلًا . وَقَالَ تَعَالَى : " يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْف خَفِيّ " [ الشُّورَى : 45 ] وَيُنْظَر مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْر الرُّفَقَاء أَرْبَعَة ) وَلَمْ يَذْكُر اللَّه تَعَالَى هُنَا إِلَّا أَرْبَعَة فَتَأَمَّلْهُ .

فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى خِلَافَة أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ مَرَاتِب أَوْلِيَائِهِ فِي كِتَابه بَدَأَ بِالْأَعْلَى مِنْهُمْ وَهُمْ النَّبِيُّونَ , ثُمَّ ثَنَّى بِالصِّدِّيقِينَ وَلَمْ يَجْعَل بَيْنهمَا وَاسِطَة . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَسْمِيَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ صِدِّيقًا , كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى تَسْمِيَة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام رَسُولًا , وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَصَحَّ أَنَّهُ الصِّدِّيق وَأَنَّهُ ثَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَقَدَّم بَعْدَهُ أَحَد . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الصوم دنيا ودين

    الصوم دنيا ودين: فقد رغِبَت إدارةُ الثقافة الإسلامية في أن تُشارِك في شيءٍ من فضائل هذا الشهرِ المُبارَك، فكانت هذه الرسالةُ المُيسَّرةُ التي ترسُمُ شيئًا من بركاتِ هذا الشهرِ للناسِ لعلَّ الجميعَ يَنالُ منها.

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381061

    التحميل:

  • وبشر الصابرين

    وبشر الصابرين: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «هذه ورقات من دفتر الصبر، ونفحات من سجل الشكر، وومضات من ضياء الاحتساب، وحروف من ألَقِ الصابرين، وقصص الشاكرين، أزُفُّها إلى كل مسلم رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا، فإن الصبر درعٌ لكل مسلم، ووقاءٌ لكل مؤمنٍ، وملاذٌ - بعد الله - لكل مُوحِّد. أبعثُها إلى كل من ابتُلِي ببلاء، أو تعرَّضَ لعناء، أو مرَّ به شَقَاء، فإن الصبرَ سلوةٌ له في الدنيا، ورفعةٌ له في الآخرة... أُقدِّمها إلى كل أبٍ احترق فؤاده، وتمزَّق قلبه، وجزَعَت نفسه لغيابٍ لقُرَّة العين، أو فقدٍ لأحد المحبين، فإن له في ربه عزاء، وفي مولاه رجاء، وفي صبره ضياء. إلى كل أمٍّ تنام الأعين ولا تنام، ويضحك الناس وتبكي، وتهدأ القلوب ولا يهدأ قلبها ولا يسكن حزنها، إما لنازلةٍ مؤلمةٍ، أو قارعةٍ مُزعجةٍ، أو فاجعةٍ مُحزِنةٍ، أو غيبةٍ لثمرة الفؤاد، ونور العين، وجلاء الحزن، أو أسرٍ لفلذة الكبد، أو قتل لعنوان السعادة، فإن الصبر والاحتساب يضمن اللقاء بالغائب، والاجتماع بالأحبة، والأنس بثمرات الأكباد، حينما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، إنه لقاءٌ في جنَّاتٍ ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مُقتدِر».

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381059

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ المحاسبة ]

    أعمال القلوب [ المحاسبة ]: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن محاسبة النفس طريقة المؤمنين، وسمة الموحدين، وعنوان الخاشعين، فالمؤمنُ مُتَّقٍ لربه، مُحاسِبٌ لنفسه مُستغفِرٌ لذنبه، يعلم أن النفس خطرها عظيم، وداؤها وخيم، ومكرها كبير، وشرها مستطير ... ولذا ينبغي على العبد أن يزِنَ نفسَه قبل أن يُوزَن، ويُحاسِبها قبل أن يُحاسَب، ويتزيَّن ويتهيَّأ للعرض على الله. وسنتطرَّق في هذا الكتيب لبيان بعض ما قيل في مُحاسَبة الإنسان لنفسه».

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355753

    التحميل:

  • العلم فضله وآدابه ووسائله

    العلم فضله وآدابه ووسائله: رسالة في بيان المراد بالعلم وذكر حكمه وأهمية العلم الذي يحتاج إلى تعلمه وكيفية التعلم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1955

    التحميل:

  • ما قاله الثقلان في أولياء الرحمن

    ما قاله الثقلان في أولياء الرحمن: هذه الورقات فيها بيان شافٍ - بإذن الله - و إظهار لمكانة أولئك النفر من الرجال والنساء من الصحابة، لأن من أحب إنساناً أحب أحبابه وتقبلهم بقبول حسن وأبغض أعداءهم ومبغضيهم، وهذه سنة ماضية في الخلق

    المدقق/المراجع: راشد بن سعد الراشد

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/60716

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة