Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 56

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) (النساء) mp3
قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْإِصْلَاء أَوَّل السُّورَة . وَقَرَأَ حُمَيْد بْن قَيْس " نَصْلِيهِمْ " بِفَتْحِ النُّون أَيْ نَشْوِيهِمْ . يُقَال : شَاة مَصْلِيَّة . وَنَصْب " نَارًا " عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة بِنَزْعِ الْخَافِض تَقْدِيره بِنَارٍ .



يُقَال : نَضِجَ الشَّيْء نَضْجًا وَنُضْجًا , وَفُلَان نَضِيج الرَّأْي مُحْكَمُهُ . وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة : تُبَدَّل الْجُلُود جُلُودًا أُخَر . فَإِنْ قَالَ مَنْ يَطْعَن فِي الْقُرْآن مِنْ الزَّنَادِقَة : كَيْفَ جَازَ أَنْ يُعَذِّبَ جِلْدًا لَمْ يَعْصِهِ ؟ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ الْجِلْد بِمُعَذَّبٍ وَلَا مُعَاقَبٍ , وَإِنَّمَا الْأَلَم وَاقِع عَلَى النُّفُوس ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُحِسُّ وَتَعْرِفُ فَتَبْدِيل الْجُلُود زِيَادَة فِي عَذَاب النُّفُوس . يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : " لِيَذُوقُوا الْعَذَاب " وَقَوْله تَعَالَى : " كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا " [ الْإِسْرَاء : 97 ] . فَالْمَقْصُود تَعْذِيب الْأَبْدَانِ وَإِيلَام الْأَرْوَاح . وَلَوْ أَرَادَ الْجُلُود لَقَالَ : لِيَذُقْنَ الْعَذَاب . مُقَاتِل : تَأْكُلُهُ النَّار كُلّ يَوْم سَبْع مَرَّات . الْحَسَن : سَبْعِينَ أَلْف مَرَّة كُلَّمَا أَكَلَتْهُمْ قِيلَ لَهُمْ : عُودُوا فَعَادُوا كَمَا كَانُوا . اِبْن عُمَر : إِذَا اِحْتَرَقُوا بُدِّلَتْ لَهُمْ جُلُود بِيض كَالْقَرَاطِيسِ . وَقِيلَ : عَنَى بِالْجُلُودِ السَّرَابِيل ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَان " [ إِبْرَاهِيم : 49 - 50 ] سُمِّيَتْ جُلُودًا لِلُزُومِهَا جُلُودَهُمْ عَلَى الْمُجَاوَرَة ; كَمَا يُقَال لِلشَّيْءِ الْخَاصّ بِالْإِنْسَانِ : هُوَ جِلْدَة مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ . وَأَنْشَدَ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ش يَلُومُونَنِي فِي سَالِمٍ وَأَلُومُهُمْ و وَجِلْدَةُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ سَالِمُ ش فَكُلَّمَا اِحْتَرَقَتْ السَّرَابِيل أُعِيدَتْ . قَالَ الشَّاعِر : كَسَا اللُّؤْمُ تَيْمًا خُضْرَةً فِي جُلُودِهَا فَوَيْلٌ لِتَيْمٍ مِنْ سَرَابِيلهَا الْخُضْر فَكَنَّى عَنْ الْجُلُود بِالسَّرَابِيلِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَعَدْنَا الْجِلْد الْأَوَّل جَدِيدًا ; كَمَا تَقُول لِلصَّائِغِ : صُغْ لِي مِنْ هَذَا الْخَاتَم خَاتَمًا غَيْرَهُ ; فَيَكْسِرهُ وَيَصُوغ لَك مِنْهُ خَاتَمًا . فَالْخَاتَم الْمَصُوغ هُوَ الْأَوَّل إِلَّا أَنَّ الصِّيَاغَة تَغَيَّرَتْ وَالْفِضَّة وَاحِدَة . وَهَذَا كَالنَّفْسِ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا وَصَارَتْ لَا شَيْء ثُمَّ أَحْيَاهَا اللَّه تَعَالَى . وَكَعَهْدِك بِأَخٍ لَك صَحِيح ثُمَّ تَرَاهُ بَعْد ذَلِكَ سَقِيمًا مُدْنِفًا فَتَقُول لَهُ : كَيْفَ أَنْتَ ؟ فَيَقُول : أَنَا غَيْر الَّذِي عَهِدْت . فَهُوَ هُوَ , وَلَكِنَّ حَاله تَغَيَّرَتْ . فَقَوْل الْقَائِل : أَنَا غَيْر الَّذِي عَهِدْت , وَقَوْله تَعَالَى : " غَيْرهَا " مَجَاز . وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى : " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض " [ إِبْرَاهِيم : 48 ] وَهِيَ تِلْكَ الْأَرْض بِعَيْنِهَا إِلَّا أَنَّهَا تُغَيَّر آكَامُهَا وَجِبَالهَا وَأَنْهَارهَا وَأَشْجَارهَا , وَيُزَاد فِي سَعَتِهَا وَيُسَوَّى ذَلِكَ مِنْهَا ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " إِبْرَاهِيم " عَلَيْهِ السَّلَام . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْل الشَّاعِر : فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتهمْ وَلَا الدَّار بِالدَّارِ الَّتِي كُنْت أَعْرِفُ وَقَالَ الشَّعْبِيّ : جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَة . ذَمَّتْ دَهْرهَا , وَأَنْشَدَتْ بَيْتَيْ لَبِيد : ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ وَبَقِيت فِي خَلَفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ يَتَلَذَّذُونَ مَجَانَةً وَمَذَلَّةً وَيُعَاب قَائِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغَبِ فَقَالَتْ : رَحِمَ اللَّه لَبِيدًا فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا هَذَا ! فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَئِنْ ذَمَّتْ عَائِشَة دَهْرهَا لَقَدْ ذَمَّتْ " عَادٌ " دَهْرَهَا ; لِأَنَّهُ وَجَدَ فِي خِزَانَة " عَاد " بَعْدَمَا هَلَكُوا بِزَمَنٍ طَوِيل سَهْم كَأَطْوَل مَا يَكُون مِنْ رِمَاح ذَلِكَ الزَّمَن عَلَيْهِ مَكْتُوب : بِلَاد بِهَا كُنَّا وَنَحْنُ بِأَهْلِهَا إِذْ النَّاسُ نَاسٌ وَالْبِلَادُ بِلَادُ الْبِلَاد بَاقِيَة كَمَا هِيَ إِلَّا أَنَّ أَحْوَالهَا وَأَحْوَال أَهْلهَا تَنَكَّرَتْ وَتَغَيَّرَتْ .



أَيْ لَا يُعْجِزهُ شَيْء وَلَا يَفُوتهُ .



فِي إِيعَاده عِبَاده .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • لمحة عن الفرق الضالة

    لمحة عن الفرق الضالة : نص محاضرة ألقاها فضيلة الشيخ صالح الفوزان بمدينة الطائف يوم الأثنين الموافق 3-3-1415هـ، في مسجد الملك فهد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314808

    التحميل:

  • آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال

    آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال : هذه الصفحة تهدف إلى جمع مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، وقد أضفنا نسخ مصورة من أجود الطبعات المتاحة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272821

    التحميل:

  • دين الحق

    دين الحق: قال المصنف: «اعلم أيها الإنسان العاقل، أنه لا نجاة ولا سعادة لك في هذه الحياة، وفي الحياة الآخرة بعد الممات إلا إذا عرفت ربك الذي خلقك، وآمنت به وعبدته وحده، وعرفت نبيك الذي بعثه ربك إليك، وإلى جميع الناس، فآمنت به واتبعته، وعرفت دين الحق الذي أمرك به ربك، وآمنت به، وعملت به. وهذا الكتاب الذي بين يديك "دين الحق" فيه البيان لهذه الأمور العظيمة، التي يجب عليك معرفتها والعمل بها، وقد ذكرت في الحاشية ما تحتاج إليه بعض الكلمات والمسائل من زيادة إيضاح، معتمدًا في ذلك كله على كلام الله - تعالى - وأحاديث رسوله - عليه الصلاة والسلام -؛ لأنهما المرجع الوحيد لدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه. وقد تركت التقليد الأعمى الذي أضلّ كثيرًا من الناس، بل وذكرت جملة من الطوائف الضالة التي تدّعي أنها على الحق، وهي بعيدة عنه، لكي يحذرها الجاهلون بحالها من المنتمين إليها، وغيرهم. والله حسبي ونعم الوكيل».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1917

    التحميل:

  • تمشي على استحياء

    تمشي على استحياء : فإن مما تجملت به المرأة عموماً وابنة الإسلام خصوصاً الحياء؛ فما أجمل أن يزدان الخُلق الطيب بالحياء ! وما أجمل أن يأخذ الحياء بمجامع حركات وسكون تلك الفتاة المصون والمرأة الماجدة ! . ومن تأمل أحوال نساء اليوم, يتعجب من زهدهن في هذه المنْقَبَة المحمودة والصفة المرغوبة. وحرصاً على بقاء ما تفلَّت من أيدي الأخوات , جمعت مادة في الحياء مرغبة للمسلمة , ومحفزة للمؤمنة في أن تسلك سلوك الحياء وتلتزمه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208984

    التحميل:

  • العهد والميثاق في القرآن الكريم

    العهد والميثاق في القرآن الكريم: في كتاب الله تعالى كثُرت الآيات التي وردت في قضية العهد والميثاق، وشملت جميع العصور والأزمنة، وقد جاء هذا البحث شاملاً للكلام عن هذه المسألة، وقد قسَّمه الشيخ - حفظه الله - إلى أربعة مباحث وخاتمة.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337115

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة