Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 54

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) (النساء) mp3
يَعْنِي الْيَهُود .



" النَّاس " يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا . حَسَدُوهُ عَلَى النُّبُوَّة وَأَصْحَابه عَلَى الْإِيمَان بِهِ . وَقَالَ قَتَادَة : " النَّاس " الْعَرَب , حَسَدَتْهُمْ الْيَهُود عَلَى النُّبُوَّة . الضَّحَّاك : حَسَدَتْ الْيَهُود قُرَيْشًا ; لِأَنَّ النُّبُوَّة فِيهِمْ . وَالْحَسَد مَذْمُوم وَصَاحِبه مَغْمُوم وَهُوَ يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطَب ; رَوَاهُ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الْحَسَن : مَا رَأَيْت ظَالِمًا أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنْ حَاسِد ; نَفَس دَائِم , وَحُزْن لَازِم , وَعَبْرَة لَا تَنْفَد . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : لَا تُعَادُوا نِعَمَ اللَّه . قِيلَ لَهُ : وَمَنْ يُعَادِي نِعَمَ اللَّه ؟ قَالَ : الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النَّاس عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله , يَقُول اللَّه تَعَالَى فِي بَعْض الْكُتُب : الْحَسُود عَدُوّ نِعْمَتِي مُتَسَخِّط لِقَضَائِي غَيْر رَاضٍ بِقِسْمَتِي . وَلِمَنْصُورٍ الْفَقِيه : أَلَا قُلْ لِمَنْ ظَلَّ لِي حَاسِدًا أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْت الْأَدَبْ أَسَأْت عَلَى اللَّهِ فِي حُكْمِهِ إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْضَ لِي مَا وَهَبْ وَيُقَال : الْحَسَد أَوَّل ذَنْب عُصِيَ اللَّه بِهِ فِي السَّمَاء , وَأَوَّل ذَنْب عُصِيَ بِهِ فِي الْأَرْض ; فَأَمَّا فِي السَّمَاء فَحَسَد إِبْلِيس لِآدَم , وَأَمَّا فِي الْأَرْض فَحَسَد قَابِيل لِهَابِيلَ . وَلِأَبِي الْعَتَاهِيَة فِي النَّاس : فَيَا رَبِّ إِنَّ النَّاس لَا يُنْصِفُونَنِي فَكَيْفَ وَلَوْ أَنْصَفْتهمْ ظَلَمُونِي وَإِنْ كَانَ لِي شَيْء تَصَدَّوْا لِأَخْذِهِ وَإِنْ شِئْت أَبْغِي شَيْئَهُمْ مَنَعُونِي وَإِنْ نَالَهُمْ بَذْلِي فَلَا شُكْرَ عِنْدَهُمْ وَإِنْ أَنَا لَمْ أَبْذُلْ لَهُمْ شَتَمُونِي وَإِنْ طَرَقَتْنِي نَكْبَةٌ فَكِهُوا بِهَا وَإِنْ صَحِبَتْنِي نِعْمَةٌ حَسَدُونِي سَأَمْنَعُ قَلْبِي أَنْ يَحِنَّ إِلَيْهِمُو وَأَحْجُبُ عَنْهُمْ نَاظِرِي وَجُفُونِي وَقِيلَ : إِذَا سَرَّك أَنْ تَسْلَم مِنْ الْحَاسِد فَغَمِّ عَلَيْهِ أَمْرك . وَلِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْش : حَسَدُوا النِّعْمَةَ لَمَّا ظَهَرَتْ فَرَمَوْهَا بِأَبَاطِيلِ الْكَلِمْ وَإِذَا مَا اللَّه أَسْدَى نِعْمَةً لَمْ يَضِرْهَا قَوْل أَعْدَاء النِّعَم وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ : اِصْبِرْ عَلَى حَسَدِ الْحَسُو دِ فَإِنَّ صَبْرَك قَاتِلُهْ فَالنَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَهَا إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ وَقَالَ بَعْض أَهْل التَّفْسِير فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : " رَبّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنْ الْأَسْفَلِينَ " [ فُصِّلَتْ : 29 ] . إِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِاَلَّذِي مِنْ الْجِنّ إِبْلِيس وَاَلَّذِي مِنْ الْإِنْس قَابِيل ; وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيس كَانَ أَوَّل مَنْ سَنَّ الْكُفْر , وَقَابِيل كَانَ أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْل , وَإِنَّمَا كَانَ أَصْل ذَلِكَ كُلّه الْحَسَد . وَقَالَ الشَّاعِر : إِنَّ الْغُرَابَ وَكَانَ يَمْشِي مِشْيَةً فِيمَا مَضَى مِنْ سَالِف الْأَحْوَال حَسَدَ الْقَطَاةَ فَرَامَ يَمْشِي مَشْيَهَا فَأَصَابَهُ ضَرْب مِنْ التَّعْقَالِ


ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ آتَى آل إِبْرَاهِيم الْكِتَاب وَالْحِكْمَة وَآتَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا . قَالَ هَمَّام بْن الْحَارِث : أُيِّدُوا بِالْمَلَائِكَةِ . وَقِيلَ : يَعْنِي مُلْك سُلَيْمَان ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْهُ أَيْضًا : الْمَعْنَى أَمْ يَحْسُدُونَ مُحَمَّدًا عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّه لَهُ مِنْ النِّسَاء فَيَكُون الْمُلْك الْعَظِيم عَلَى هَذَا أَنَّهُ أَحَلَّ لِدَاوُدَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ اِمْرَأَة وَلِسُلَيْمَان أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ . وَاخْتَارَ الطَّبَرِيّ أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا أُوتِيَهُ سُلَيْمَان مِنْ الْمُلْك وَتَحْلِيل النِّسَاء . وَالْمُرَاد تَكْذِيب الْيَهُود وَالرَّدّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلهمْ : لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا رَغِبَ فِي كَثْرَة النِّسَاء وَلَشَغَلَتْهُ النُّبُوَّة عَنْ ذَلِكَ ; فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى بِمَا كَانَ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَان يُوَبِّخهُمْ , فَأَقَرَّتْ الْيَهُود أَنَّهُ اِجْتَمَعَ عِنْد سُلَيْمَان أَلْف اِمْرَأَة , فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلْف اِمْرَأَة ) ؟ ! قَالُوا : نَعَمْ ثَلَاثُمِائَةِ مَهْرِيَّة , وَسَبْعمِائَةِ سُرِّيَّة , وَعِنْد دَاوُدَ مِائَة اِمْرَأَة . فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلْف عِنْد رَجُل وَمِائَة عِنْد رَجُل أَكْثَر أَوْ تِسْع نِسْوَة ) ؟ فَسَكَتُوا . وَكَانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْع نِسْوَة .

يُقَال : إِنَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَكْثَر الْأَنْبِيَاء نِسَاء . وَالْفَائِدَة فِي كَثْرَة تَزَوُّجه أَنَّهُ كَانَ لَهُ قُوَّة أَرْبَعِينَ نَبِيًّا , وَكُلّ مَنْ كَانَ أَقْوَى فَهُوَ أَكْثَر نِكَاحًا . وَيُقَال : إِنَّهُ أَرَادَ بِالنِّكَاحِ كَثْرَة الْعَشِيرَة ; لِأَنَّ لِكُلِّ اِمْرَأَة قَبِيلَتَيْنِ قَبِيلَة مِنْ جِهَة الْأَب وَقَبِيلَة مِنْ جِهَة الْأُمّ ; فَكُلَّمَا تَزَوَّجَ اِمْرَأَة صَرَفَ وُجُوه الْقَبِيلَتَيْنِ إِلَى نَفْسه فَتَكُون عَوْنًا لَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ . وَيُقَال : إِنَّ كُلّ مَنْ كَانَ أَتْقَى فَشَهْوَتُهُ أَشَدُّ ; لِأَنَّ الَّذِي لَا يَكُون تَقِيًّا فَإِنَّمَا يَتَفَرَّج بِالنَّظَرِ وَالْمَسّ , أَلَا تَرَى مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر : ( الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ ) . فَإِذَا كَانَ فِي النَّظَر وَالْمَسّ نَوْع مِنْ قَضَاء الشَّهْوَة قَلَّ الْجِمَاع , وَالْمُتَّقِي لَا يَنْظُرُ وَلَا يَمَسّ فَتَكُون الشَّهْوَة مُجْتَمِعَة فِي نَفْسه فَيَكُون أَكْثَرَ جِمَاعًا . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : كُلّ شَهْوَة تُقَسِّي الْقَلْب إِلَّا الْجِمَاع فَإِنَّهُ يُصَفِّي الْقَلْب ; وَلِهَذَا كَانَ الْأَنْبِيَاء يَفْعَلُونَ ذَلِكَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود

    وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري : الرحلة في طلب العلم رحلة مليئة بالذكريات والمواقف، تبتدئ من المحبرة وتنتهي في المقبرة، يُستقى فيها من معين الكتاب والسنة علوم شتى، ولما كان طلاب العلم يتشوقون إلى معرفة سير علمائهم؛ فقد حرصنا على توفير بعض المواد التي ترجمت لهم، ومنها كتاب وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري، للشيخ عبد العزيز السدحان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307940

    التحميل:

  • معنى الربوبية وأدلتها وأحكامها وإبطال الإلحاد فيها

    هذا بحث في تأسيس العلم بالربوبية وتقعيد أولوياتها العلمية وثوابتها المبدئية، وإبطال أصول الإلحاد فيها، على وجه الجملة في اختصار يأخذ بمجامع الموضوع ويذكر بمهماته التي في تحصيلها تحصيله. وهو في أربعة مباحث: الأول: تعريف الربوبية. الثاني: أدلة الربوبية. الثالث: أحكام الربوبية. الرابع: إبطال الإلحاد في الربوبية.

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/373094

    التحميل:

  • وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود

    وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري : الرحلة في طلب العلم رحلة مليئة بالذكريات والمواقف، تبتدئ من المحبرة وتنتهي في المقبرة، يُستقى فيها من معين الكتاب والسنة علوم شتى، ولما كان طلاب العلم يتشوقون إلى معرفة سير علمائهم؛ فقد حرصنا على توفير بعض المواد التي ترجمت لهم، ومنها كتاب وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري، للشيخ عبد العزيز السدحان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307940

    التحميل:

  • مسائل في الأضحية وصلاة التراويح ودعاء ختم القرآن

    مسائل في الأضحية وصلاة التراويح ودعاء ختم القرآن: قال المؤلف - حفظه الله -: «فقد جمعت ما سُئلت عنه سابقًا في مشروعية الأضحية عن الحي والميت، وفي صلاة التراويح ثلاثًا وعشرين ركعة، وفي بيان استحباب دعاء ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح».

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341900

    التحميل:

  • المجمعات التجارية آداب وأحكام

    المجمعات التجارية آداب وأحكام: فالتسابق جارٍ على قدمٍ وساقٍ في استعراض آخر أخبار الأسواق والبضائع، وأحدث الصيحات والماركات العالمية .. إعلانات متتالية تبهِر الناس وتُثيرهم .. تخفيضات .. تنزيلات .. تصفية!! لذا كان لزامًا على الدعاة والمُصلِحين الوقوف على هذه الظاهرة وتجليتها للناس وفق كتاب الله وسنة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341880

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة