Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 5

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (5) (النساء) mp3
لَمَّا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِدَفْعِ أَمْوَال الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ فِي قَوْله : " وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ " وَإِيصَال الصَّدَقَات إِلَى الزَّوْجَات , بَيَّنَ أَنَّ السَّفِيهَ وَغَيْرَ الْبَالِغ لَا يَجُوز دَفْع مَالِهِ إِلَيْهِ . فَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى ثُبُوت الْوَصِيّ وَالْوَلِيّ وَالْكَفِيل لِلْأَيْتَامِ . وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّة إِلَى الْمُسْلِم الْحُرّ الثِّقَة الْعَدْل جَائِزَة . وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَصِيَّة إِلَى الْمَرْأَة الْحُرَّة ; فَقَالَ عَوَامّ أَهْل الْعِلْم : الْوَصِيَّة لَهَا جَائِزَة . وَاحْتَجَّ أَحْمَد بِأَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَوْصَى إِلَى حَفْصَة . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُل أَوْصَى إِلَى اِمْرَأَته قَالَ : لَا تَكُون الْمَرْأَة وَصِيًّا ; فَإِنْ فُعِلَ حُوِّلَتْ إِلَى رَجُل مِنْ قَوْمه . وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَصِيَّة إِلَى الْعَبْد ; فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَمُحَمَّد وَيَعْقُوب . وَأَجَازَهُ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن عَبْد الْحَكَم . وَهُوَ قَوْل النَّخَعِيّ إِذَا أَوْصَى إِلَى عَبْده . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى .

" السُّفَهَاء " قَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " مَعْنَى السَّفَه لُغَة . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَؤُلَاءِ السُّفَهَاء , مَنْ هُمْ ؟ فَرَوَى سَالِم الْأَفْطَس عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : هُمْ الْيَتَامَى لَا تُؤْتُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا مِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي الْآيَة . وَرَوَى إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِي مَالِك قَالَ : هُمْ الْأَوْلَاد الصِّغَار , لَا تُعْطُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ فَيُفْسِدُوهَا وَتَبْقَوْا بِلَا شَيْء . وَرَوَى سُفْيَان عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج عَنْ مُجَاهِد قَالَ : هُمْ النِّسَاء . قَالَ النَّحَّاس وَغَيْره : وَهَذَا الْقَوْل لَا يَصِحّ ; إِنَّمَا تَقُول الْعَرَب فِي النِّسَاء سَفَائِه أَوْ سَفِيهَات ; لِأَنَّهُ الْأَكْثَر فِي جَمْع فَعِيلَة . وَيُقَال : لَا تَدْفَع مَالَك مُضَارَبَةً وَلَا إِلَى وَكِيل لَا يُحْسِن التِّجَارَة . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فَلَا يَتَّجِرْ فِي سُوقِنَا ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ " يَعْنِي الْجُهَّال بِالْأَحْكَامِ . وَيُقَال : لَا تَدْفَع إِلَى الْكُفَّار ; وَلِهَذَا كَرِهَ الْعُلَمَاء أَنْ يُوَكِّل الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا بِالشِّرَاءِ وَالْبَيْع , أَوْ يَدْفَع إِلَيْهِ مُضَارَبَة . وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( السُّفَهَاء هُنَا كُلّ مَنْ يَسْتَحِقّ الْحَجْر ) . وَهَذَا جَامِع . وَقَالَ اِبْن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ : وَأَمَّا الْحَجْر عَلَى السَّفِيه فَالسَّفِيه لَهُ أَحْوَال : حَال يُحْجَر عَلَيْهِ لِصِغَرِهِ , وَحَالَة لِعَدَمِ عَقْله بِجُنُونٍ أَوْ غَيْره , وَحَالَة لِسُوءِ نَظَرِهِ لِنَفْسِهِ فِي مَاله . فَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ أَلَّا يُحْجَر عَلَيْهِ لِسُرْعَةِ زَوَالِ مَا بِهِ . وَالْحَجْر يَكُون مَرَّة فِي حَقّ الْإِنْسَان وَمَرَّة فِي حَقّ غَيْره ; فَأَمَّا الْمَحْجُور عَلَيْهِ فِي حَقّ نَفْسه مَنْ ذَكَرْنَا . وَالْمَحْجُور عَلَيْهِ فِي حَقّ غَيْره الْعَبْد وَالْمِدْيَان وَالْمَرِيض فِي الثُّلُثَيْنِ , وَالْمُفْلِس وَذَات الزَّوْج لِحَقِّ الزَّوْج , وَالْبِكْر فِي حَقّ نَفْسهَا . فَأَمَّا الصَّغِير وَالْمَجْنُون فَلَا خِلَاف فِي الْحَجْر عَلَيْهِمَا . وَأَمَّا الْكَبِير فَلِأَنَّهُ لَا يُحْسِن النَّظَر لِنَفْسِهِ فِي مَالِهِ , وَلَا يُؤْمَن مِنْهُ إِتْلَاف مَاله فِي غَيْر وَجْه , فَأَشْبَهَ الصَّبِيّ ; وَفِيهِ خِلَاف يَأْتِي . وَلَا فَرْق بَيْنَ أَنْ يُتْلِف مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي أَوْ الْقُرَب وَالْمُبَاحَات . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا إِذَا أَتْلَفَ مَالَهُ فِي الْقُرَب ; فَمِنْهُمْ مَنْ حَجَرَ عَلَيْهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَحْجُر عَلَيْهِ . وَالْعَبْد لَا خِلَافَ فِيهِ . وَالْمِدْيَان يُنْزَع مَا بِيَدِهِ لِغُرَمَائِهِ ; لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَة , وَفِعْل عُمَر ذَلِكَ بِأُسَيْفِع جُهَيْنَة ; ذَكَرَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ . وَالْبِكْر مَا دَامَتْ فِي الْخِدْر مَحْجُور عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا لَا تُحْسِن النَّظَر لِنَفْسِهَا . حَتَّى إِذَا تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ إِلَيْهَا النَّاس , وَخَرَجَتْ وَبَرَزَ وَجْهُهَا عَرَفَتْ الْمَضَارَّ مِنْ الْمَنَافِع . وَأَمَّا ذَاتُ الزَّوْج فَلِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَجُوز لِامْرَأَةٍ مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا قَضَاء فِي مَالهَا إِلَّا فِي ثُلُثهَا ) .

قُلْت : وَأَمَّا الْجَاهِل بِالْأَحْكَامِ وَإِنْ كَانَ غَيْر مَحْجُور عَلَيْهِ لِتَنْمِيَتِهِ لِمَالِهِ وَعَدَم تَدْبِيره , فَلَا يُدْفَع إِلَيْهِ الْمَال ; لِجَهْلِهِ بِفَاسِدِ الْبِيَاعَات وَصَحِيحهَا وَمَا يَحِلّ وَمَا يَحْرُم مِنْهَا . وَكَذَلِكَ الذِّمِّيّ مِثْله فِي الْجَهْل بِالْبِيَاعَاتِ وَلِمَا يُخَاف مِنْ مُعَامَلَتِهِ بِالرِّبَا وَغَيْره . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْه إِضَافَة الْمَال إِلَى الْمُخَاطَبِينَ عَلَى هَذَا , وَهِيَ لِلسُّفَهَاءِ ; فَقِيلَ : أَضَافَهَا إِلَيْهِمْ لِأَنَّهَا بِأَيْدِيهِمْ وَهُمْ النَّاظِرُونَ فِيهَا فَنُسِبَتْ إِلَيْهِمْ اِتِّسَاعًا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ " [ النُّور : 61 ] وَقَوْله " فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ " [ الْبَقَرَة : 54 ] .

وَقِيلَ : أَضَافَهَا إِلَيْهِمْ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْس أَمْوَالهمْ ; فَإِنَّ الْأَمْوَال جُعِلَتْ مُشْتَرَكَة بَيْنَ الْخَلْق تَنْتَقِل مِنْ يَد إِلَى يَد , وَمِنْ مِلْك إِلَى مِلْك , أَيْ هِيَ لَهُمْ إِذَا احْتَاجُوهَا كَأَمْوَالِكُمْ الَّتِي تَقِي أَعْرَاضَكُمْ وَتَصُونُكُمْ وَتُعَظِّم أَقْدَارَكُمْ , وَبِهَا قِوَام أَمْركُمْ .

وَقَوْل ثَانٍ قَالَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَابْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة : ( أَنَّ الْمُرَاد أَمْوَال الْمُخَاطَبِينَ حَقِيقَة ) . قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( لَا تَدْفَع مَالَك الَّذِي هُوَ سَبَب مَعِيشَتك إِلَى اِمْرَأَتك وَابْنك وَتَبْقَى فَقِيرًا تَنْظُر إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَا فِي أَيْدِيهمْ ; بَلْ كُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِق عَلَيْهِمْ ) . فَالسُّفَهَاء عَلَى هَذَا هُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان ; صِغَار وَلَد الرَّجُل وَامْرَأَته . وَهَذَا يُخَرَّج مَعَ قَوْل مُجَاهِد وَأَبِي مَالِك فِي السُّفَهَاء .

وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى جَوَاز الْحَجْر عَلَى السَّفِيهِ ; لِأَمْرِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ فِي قَوْله : " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمْ " وَقَالَ " فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا " [ الْبَقَرَة : 282 ] . فَأَثْبَتَ الْوِلَايَة عَلَى السَّفِيه كَمَا أَثْبَتَهَا عَلَى الضَّعِيف . وَكَانَ مَعْنَى الضَّعِيف رَاجِعًا إِلَى الصَّغِير , وَمَعْنَى السَّفِيه إِلَى الْكَبِير الْبَالِغ ; لِأَنَّ السَّفَه اِسْم ذَمّ وَلَا يُذَمُّ الْإِنْسَان عَلَى مَا لَمْ يَكْتَسِبْهُ , وَالْقَلَم مَرْفُوع عَنْ غَيْر الْبَالِغ , فَالذَّمّ وَالْحَرَج مَنْفِيَّانِ عَنْهُ ; قَالَهُ الْخَطَّابِيّ .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَفْعَال السَّفِيه قَبْل الْحَجْر عَلَيْهِ ; فَقَالَ مَالِك وَجَمِيع أَصْحَابه غَيْر اِبْن الْقَاسِم : إِنَّ فِعْلَ السَّفِيه وَأَمْرَهُ كُلّه جَائِز حَتَّى يَضْرِب الْإِمَام عَلَى يَده . وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي يُوسُف . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : أَفْعَالُهُ غَيْر جَائِزَة وَإِنْ لَمْ يَضْرِب عَلَيْهِ الْإِمَام . وَقَالَ أَصْبَغ : إِنْ كَانَ ظَاهِرَ السَّفَه فَأَفْعَالُهُ مَرْدُودَةٌ , وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِر السَّفَه فَلَا تُرَدّ أَفْعَاله حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ الْإِمَام . وَاحْتَجَّ سَحْنُون لِقَوْلِ مَالِكٍ بِأَنْ قَالَ : لَوْ كَانَتْ أَفْعَال السَّفِيه مَرْدُودَة قَبْل الْحَجْر مَا اِحْتَاجَ السُّلْطَان أَنْ يَحْجُرَ عَلَى أَحَد . وَحُجَّة اِبْن الْقَاسِم مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث جَابِر أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَيْسَ لَهُ مَال غَيْره فَرَدَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ حَجَر عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ .

وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَجْر عَلَى الْكَبِير ; فَقَالَ مَالِك وَجُمْهُور الْفُقَهَاء : يُحْجَر عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يُحْجَر عَلَى مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا إِلَّا أَنْ يَكُون مُفْسِدًا لِمَالِهِ ; فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ مُنِعَ مِنْ تَسْلِيم الْمَال إِلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَة , فَإِذَا بَلَغَهَا سُلِّمَ إِلَيْهِ بِكُلِّ حَال , سَوَاء كَانَ مُفْسِدًا أَوْ غَيْر مُفْسِد ; لِأَنَّهُ يَحْبَل مِنْهُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَة , ثُمَّ يُولَد لَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُر فَيَصِير جَدًّا وَأَبًا , وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَحْجُر عَلَى مَنْ يَصْلُح أَنْ يَكُون جَدًّا . وَقِيلَ عَنْهُ : إِنْ فِي مُدَّة الْمَنْع مِنْ الْمَال إِذَا بَلَغَ مُفْسِدًا يَنْفُذ تَصَرُّفُهُ عَلَى الْإِطْلَاق , وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ تَسْلِيم الْمَال اِحْتِيَاطًا . وَهَذَا كُلّه ضَعِيف فِي النَّظَر وَالْأَثَر . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْحَسَن الصَّوَّاف أَخْبَرَنَا حَامِد بْن شُعَيْب أَخْبَرَنَا شُرَيْح بْن يُونُس أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم - هُوَ أَبُو يُوسُف الْقَاضِي - أَخْبَرَنَا هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر أَتَى الزُّبَيْر فَقَالَ : إِنِّي اِشْتَرَيْت بَيْع كَذَا وَكَذَا , وَإِنَّ عَلِيًّا يُرِيد أَنْ يَأْتِيَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَيَسْأَلَهُ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيَّ فِيهِ . فَقَالَ الزُّبَيْر : أَنَا شَرِيكُك فِي الْبَيْع . فَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ فَقَالَ : إِنَّ اِبْن جَعْفَر اِشْتَرَى بَيْع كَذَا وَكَذَا فَاحْجُرْ عَلَيْهِ . فَقَالَ الزُّبَيْر : فَأَنَا شَرِيكُهُ فِي الْبَيْع . فَقَالَ عُثْمَان : كَيْفَ أَحْجُر عَلَى رَجُل فِي بَيْع شَرِيكُهُ فِيهِ الزُّبَيْر ؟ قَالَ يَعْقُوب : أَنَا آخُذ بِالْحَجْرِ وَأَرَاهُ , وَأَحْجُر وَأُبْطِلُ بَيْع الْمَحْجُور عَلَيْهِ وَشِرَاءَهُ , وَإِذَا اِشْتَرَى أَوْ بَاعَ قَبْل الْحَجْر أَجَزْت بَيْعه . قَالَ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم : وَإِنَّ أَبَا حَنِيفَة لَا يَحْجُر وَلَا يَأْخُذ بِالْحَجْرِ . فَقَوْل عُثْمَان : كَيْفَ أَحْجُر عَلَى رَجُل , دَلِيل عَلَى جَوَاز الْحَجْر عَلَى الْكَبِير ; فَإِنَّ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر وَلَدَتْهُ أُمُّهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَة , وَهُوَ أَوَّل مَوْلُود وُلِدَ فِي الْإِسْلَام بِهَا , وَقَدِمَ مَعَ أَبِيهِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام خَيْبَر فَسَمِعَ مِنْهُ وَحَفِظَ عَنْهُ . وَكَانَتْ خَيْبَر سَنَة خَمْس مِنْ الْهِجْرَة . وَهَذَا يَرُدّ عَلَى أَبِي حَنِيفَة قَوْله . وَسَتَأْتِي حُجَّتُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

أَيْ لِمَعَاشِكُمْ وَصَلَاح دِينكُمْ .

وَفِي " الَّتِي " ثَلَاث لُغَات : الَّتِي وَاللَّتِ بِكَسْرِ التَّاء وَاللَّتْ بِإِسْكَانِهَا .

وَفِي تَثْنِيَتِهَا أَيْضًا ثَلَاث لُغَات : اللَّتَانِ وَاللَّتَا بِحَذْفِ النُّون وَاللَّتَانِّ بِشَدِّ النُّون .

وَأَمَّا الْجَمْع فَتَأْتِي لُغَاته فِي مَوْضِعه مِنْ هَذِهِ السُّورَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

وَالْقِيَام وَالْقِوَام : مَا يُقِيمُك بِمَعْنًى . يُقَال : فُلَان قِيَام أَهْله وَقِوَام بَيْته , وَهُوَ الَّذِي يُقِيم شَأْنه , أَيْ يُصْلِحُهُ . وَلَمَّا اِنْكَسَرَتْ الْقَاف مِنْ قِوَام أَبْدَلُوا الْوَاو يَاء . وَقِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة " قِيَمًا " بِغَيْرِ أَلِفٍ . قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاء : قِيَمًا وَقِوَامًا بِمَعْنَى قِيَامًا , وَانْتَصَبَ عِنْدهمَا عَلَى الْمَصْدَر . أَيْ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمْ الَّتِي تَصْلُح بِهَا أُمُورُكُمْ فَيَقُومُوا بِهَا قِيَامًا . وَقَالَ الْأَخْفَش : الْمَعْنَى قَائِمَة بِأُمُورِكُمْ . يَذْهَب إِلَى أَنَّهَا جَمْع . وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : قِيَمًا جَمْع قِيمَة ; كَدِيمَةٍ وَدِيَم , أَيْ جَعَلَهَا اللَّه قِيمَة لِلْأَشْيَاءِ . وَخَطَّأَ أَبُو عَلِيّ هَذَا الْقَوْل وَقَالَ : هِيَ مَصْدَر كَقِيَامٍ وَقِوَام وَأَصْلهَا قِوَم , وَلَكِنْ شَذَّتْ فِي الرَّدّ إِلَى الْيَاء كَمَا شَذَّ قَوْلهمْ : جِيَاد فِي جَمْع جَوَاد وَنَحْوه . وَقِوَمًا وَقِوَامًا وَقِيَامًا مَعْنَاهَا ثَبَاتًا فِي صَلَاح الْحَال وَدَوَامًا فِي ذَلِكَ . وَقَرَأَ الْحَسَن وَالنَّخَعِيّ " اللَّاتِي " جَعَلَ عَلَى جَمْع الَّتِي , وَقِرَاءَة الْعَامَّة " الَّتِي " عَلَى لَفْظ الْجَمَاعَة . قَالَ الْفَرَّاء : الْأَكْثَر فِي كَلَام الْعَرَب " النِّسَاء اللَّوَاتِي , وَالْأَمْوَال الَّتِي " وَكَذَلِكَ غَيْر الْأَمْوَال ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس :

قِيلَ : مَعْنَاهُ اِجْعَلُوا لَهُمْ فِيهَا أَوْ اِفْرِضُوا لَهُمْ فِيهَا . وَهَذَا فِيمَنْ يَلْزَم الرَّجُل نَفَقَته وَكِسْوَته مِنْ زَوْجَته وَبَنِيهِ الْأَصَاغِر . فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى وُجُوب نَفَقَة الْوَلَد عَلَى الْوَالِد وَالزَّوْجَة عَلَى زَوْجهَا . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفْضَل الصَّدَقَة مَا تَرَكَ غِنًى وَالْيَد الْعُلْيَا خَيْر مِنْ الْيَد السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول تَقُول الْمَرْأَة : إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقنِي وَيَقُول الْعَبْد أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي وَيَقُول الِابْن أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي ) ؟ فَقَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَة , سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَا , هَذَا مِنْ كِيس أَبِي هُرَيْرَة ! . قَالَ الْمُهَلَّب : النَّفَقَة عَلَى الْأَهْل وَالْعِيَال وَاجِبَة بِإِجْمَاعٍ ; وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة فِي ذَلِكَ .

قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَاخْتَلَفُوا فِي نَفَقَة مَنْ بَلَغَ مِنْ الْأَبْنَاء وَلَا مَال لَهُ وَلَا كَسْب ; فَقَالَتْ طَائِفَة : عَلَى الْأَب أَنْ يُنْفِق عَلَى وَلَده الذُّكُور حَتَّى يَحْتَلِمُوا , وَعَلَى النِّسَاء حَتَّى يَتَزَوَّجْنَ وَيُدْخَل بِهِنَّ . فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْد الْبِنَاء أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَلَا نَفَقَة لَهَا عَلَى أَبِيهَا . وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الْبِنَاء فَهِيَ عَلَى نَفَقَتهَا .

وَلَا نَفَقَة لِوَلَدِ الْوَلَد عَلَى الْجَدّ ; هَذَا قَوْل مَالِك . وَقَالَتْ طَائِفَة : يُنْفِق عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ حَتَّى يَبْلُغُوا الْحُلُم وَالْمَحِيض . ثُمَّ لَا نَفَقَة عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا زَمْنَى , وَسَوَاء فِي ذَلِكَ الذُّكُور وَالْإِنَاث مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَال , وَسَوَاء فِي ذَلِكَ وَلَده أَوْ وَلَد وَلَده وَإِنْ سَفَلُوا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَب دُونه يَقْدِر عَلَى النَّفَقَة عَلَيْهِمْ ; هَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ . وَأَوْجَبَتْ طَائِفَة النَّفَقَة لِجَمِيعِ الْأَطْفَال وَالْبَالِغِينَ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَال يَسْتَغْنُونَ بِهَا عَنْ نَفَقَة الْوَالِد ; عَلَى ظَاهِر قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِهِنْد : ( خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ ) . وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( يَقُول الِابْن أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي ؟ ) يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَقُول ذَلِكَ مَنْ لَا طَاقَةَ لَهُ عَلَى الْكَسْب وَالتَّحَرُّف . وَمَنْ بَلَغَ سِنَّ الْحُلُم فَلَا يَقُول ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ حَدَّ السَّعْي عَلَى نَفْسه وَالْكَسْب لَهَا , بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاح " [ النِّسَاء : 6 ] الْآيَة . فَجَعَلَ بُلُوغَ النِّكَاح حَدًّا فِي ذَلِكَ . وَفِي قَوْله : ( تَقُول الْمَرْأَة إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي ) يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا يُفَرَّق بِالْإِعْسَارِ وَيَلْزَم الْمَرْأَةَ الصَّبْرُ ; وَتَتَعَلَّق النَّفَقَة بِذِمَّتِهِ بِحُكْمِ الْحَاكِم . هَذَا قَوْل عَطَاء وَالزُّهْرِيّ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ مُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ " [ الْبَقَرَة : 280 ] . قَالُوا : فَوَجَبَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى أَنْ يُوسِرَ . وَقَوْله تَعَالَى : " وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ " [ النُّور : 32 ] الْآيَة . قَالُوا : فَنَدَبَ تَعَالَى إِلَى إِنْكَاحِ الْفَقِيرِ ; فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَقْر سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ مَنْعه إِلَى النِّكَاح . وَلَا حُجَّة لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهَا . وَالْحَدِيث نَصٌّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف . وَقِيلَ : الْخِطَاب لِوَلِيِّ الْيَتِيم لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَاله الَّذِي لَهُ تَحْت نَظَرِهِ ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَاف فِي إِضَافَة الْمَال . فَالْوَصِيّ يُنْفِق عَلَى الْيَتِيم عَلَى قَدْر مَاله وَحَاله ; فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَمَاله كَثِير اِتَّخَذَ لَهُ ظِئْرًا وَحَوَاضِنَ وَوَسَّعَ عَلَيْهِ فِي النَّفَقَة . وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا قَدَّرَ لَهُ نَاعِمَ اللِّبَاس وَشَهِيَّ الطَّعَام وَالْخَدَم . وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَبِحَسَبِهِ . وَإِنْ كَانَ دُون ذَلِكَ فَخَشَّنَ الطَّعَامَ وَاللِّبَاسَ قَدْرَ الْحَاجَة . فَإِنْ كَانَ الْيَتِيمُ فَقِيرًا لَا مَال لَهُ وَجَبَ عَلَى الْإِمَام الْقِيَامُ بِهِ مِنْ بَيْت الْمَال ; فَإِنْ لَمْ يَفْعَل الْإِمَام وَجَبَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْأَخَصّ بِهِ فَالْأَخَصّ . وَأُمُّهُ أَخَصُّ بِهِ فَيَجِب عَلَيْهَا إِرْضَاعه وَالْقِيَام بِهِ . وَلَا تَرْجِع عَلَيْهِ وَلَا عَلَى أَحَد . وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَة عِنْد قَوْله : " وَالْوَالِدَات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ " [ الْبَقَرَة : 233 ] .

أَرَادَ تَلْيِينَ الْخِطَاب وَالْوَعْدَ الْجَمِيلَ . وَاخْتُلِفَ فِي الْقَوْل الْمَعْرُوف ; فَقِيلَ : مَعْنَاهُ اُدْعُوا لَهُمْ : بَارَكَ اللَّه فِيكُمْ , وَحَاطَكُمْ وَصَنَعَ لَكُمْ , وَأَنَا نَاظِر لَك , وَهَذَا الِاحْتِيَاط يَرْجِع نَفْعُهُ إِلَيْك . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ وَعِدُوهُمْ وَعْدًا حَسَنًا ; أَيْ إِنْ رَشَّدْتُمْ دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ . وَيَقُول الْأَب لِابْنِهِ : مَالِي إِلَيْك مَصِيرُهُ , وَأَنْتَ إِنْ شَاءَ اللَّه صَاحِبُهُ إِذَا مَلَكْت رُشْدَك وَعَرَفْت تَصَرُّفَك .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • خطب ومواعظ من حجة الوداع

    خطب ومواعظ من حجة الوداع: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواعظه في حجَّته التي ودَّع فيها المسلمين ذاتُ شأنٍ عظيمٍ ومكانةٍ سامية، قرَّر فيها - عليه الصلاة والسلام - قواعد الإسلام، ومجامع الخير، ومكارم الأخلاق .. وفي هذا الكُتيِّب جمعٌ لطائفةٍ نافعةٍ وجملةٍ مُباركةٍ ونُخبةٍ طيبةٍ من خُطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواعظه في حَجَّة الوداع، مع شيءٍ من البيان لدلالاتها والتوضيح لمراميها وغايتها، مما أرجو أن يكون زادًا للوُعَّاظ، وذخيرةً للمُذكِّرين، وبُلغةً للناصحين، مع الاعتراف بالقصور والتقصير، وقد جعلتُها في ثلاثة عشر درسًا متناسبةً في أحجامها ليتسنَّى بيُسر إلقاؤها على الحُجَّاج أيام الحج على شكل دروس يومية».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344679

    التحميل:

  • الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه

    الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه: رسالة قيمة في سيرة الشيخ المجدد لما اندرس من معالم الإيمان والإسلام، وعقيدته، ودعوته الإصلاحية، وهذه السيرة العطرة لنابتة البلاد العربية خصوصاً ولكافة المسلمين عمومًا، لتكون حافزًا لهم على التمسك بدينهم، خالصًا من شوائب الشرك والبدع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2087

    التحميل:

  • من عقائد الشيعة

    من عقائد الشيعة : هذه الرسالة تبين بعض معتقدات الشيعة في صورة السؤال والجواب بصورة مختصرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208987

    التحميل:

  • رسالة أخوية إلى أصحاب المحلات التجارية

    تحتوي هذه الرسالة على بعض النصائح والتوجيهات إلى أصحاب المحلات التجارية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335000

    التحميل:

  • تعظيم التوحيد في نفوس الصغار

    في هذه الرسالة بيان أهمية تعظيم التوحيد في نفوس الصغار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233607

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة