Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 49

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) (النساء) mp3
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسهمْ " هَذَا اللَّفْظ عَامّ فِي ظَاهِره وَلَمْ يَخْتَلِف أَحَد مِنْ الْمُتَأَوِّلِينَ فِي أَنَّ الْمُرَاد الْيَهُود . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أَنْفُسهمْ ; فَقَالَ قَتَادَة وَالْحَسَن : ذَلِكَ قَوْلهمْ : " نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ " , وَقَوْلهمْ : " لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى " وَقَالَ الضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ : قَوْلهمْ لَا ذُنُوب لَنَا وَمَا فَعَلْنَاهُ نَهَارًا غُفِرَ لَنَا لَيْلًا وَمَا فَعَلْنَاهُ لَيْلًا غُفِرَ لَنَا نَهَارًا , وَنَحْنُ كَالْأَطْفَالِ فِي عَدَم الذُّنُوب . وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو مَالِك وَعِكْرِمَة : تَقْدِيمُهُمْ الصِّغَار لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُمْ لَا ذُنُوب عَلَيْهِمْ . وَهَذَا يَبْعُد مِنْ مَقْصِد الْآيَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ذَلِكَ قَوْلهمْ آبَاؤُنَا الَّذِينَ مَاتُوا يَشْفَعُونَ لَنَا وَيُزَكُّونَنَا . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : ذَلِكَ ثَنَاء بَعْضهمْ عَلَى بَعْض . وَهَذَا أَحْسَن مَا قِيلَ ; فَإِنَّهُ الظَّاهِر مِنْ مَعْنَى الْآيَة , وَالتَّزْكِيَة : التَّطْهِير وَالتَّبْرِيَة مِنْ الذُّنُوب .

الثَّانِيَة : هَذِهِ الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى : " فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ " [ النَّجْم : 32 ] يَقْتَضِي الْغَضّ مِنْ الْمُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسَانِهِ , وَالْإِعْلَام بِأَنَّ الزَّاكِيَ الْمُزَكَّى مَنْ حَسُنَتْ أَفْعَاله وَزَكَّاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَا عِبْرَة بِتَزْكِيَةِ الْإِنْسَان نَفْسه , وَإِنَّمَا الْعِبْرَة بِتَزْكِيَةِ اللَّه لَهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء قَالَ : سَمَّيْت اِبْنَتِي بَرَّة ; فَقَالَتْ لِي زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْم , وَسَمَّيْت بَرَّة ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُزَكُّوا أَنْفُسكُمْ اللَّه أَعْلَم بِأَهْلِ الْبِرّ مِنْكُمْ ) فَقَالُوا : بِمَ نُسَمِّيهَا ؟ فَقَالَ : ( سَمُّوهَا زَيْنَب ) . فَقَدْ دَلَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة عَلَى الْمَنْع مِنْ تَزْكِيَة الْإِنْسَان نَفْسه , وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مَا قَدْ كَثُرَ فِي هَذِهِ الدِّيَار الْمِصْرِيَّة مِنْ نَعْتهمْ أَنْفُسَهُمْ بِالنُّعُوتِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّزْكِيَة ; كَزَكِيِّ الدِّين وَمُحْيِي الدِّين وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , لَكِنْ لَمَّا كَثُرَتْ قَبَائِح الْمُسَمَّيْنَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاء ظَهَرَ تَخَلُّف هَذِهِ النُّعُوت عَنْ أَصْلهَا فَصَارَتْ لَا تُفِيدُ شَيْئًا .

الثَّالِثَة : فَأَمَّا تَزْكِيَة الْغَيْر وَمَدْحُهُ لَهُ ; فَفِي الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُل خَيْرًا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْحَك قَطَعْت عُنُقَ صَاحِبك - يَقُولهُ مِرَارًا - إِنْ كَانَ أَحَدكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَة فَلْيَقُلْ أَحْسَب كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّه وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّه أَحَدًا ) فَنَهَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْرَط فِي مَدْح الرَّجُل بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَيَدْخُلهُ فِي ذَلِكَ الْإِعْجَاب وَالْكِبْر , وَيَظُنّ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة بِتِلْك الْمَنْزِلَة فَيَحْمِلهُ ذَلِكَ عَلَى تَضْيِيع الْعَمَل وَتَرْك الِازْدِيَاد مِنْ الْفَضْل ; وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْحَك قَطَعْت عُنُق صَاحِبك ) . وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( قَطَعْتُمْ ظَهْر الرَّجُل ) حِين وَصَفُوهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ . وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ الْعُلَمَاء قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( احْثُوا التُّرَاب فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ ) إِنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَدَّاحُونَ فِي وُجُوههمْ بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فِيهِمْ , حَتَّى يَجْعَلُوا ذَلِكَ بِضَاعَة يُسْتَأْكَلُونَ بِهِ الْمَمْدُوح وَيَفْتِنُونَهُ ; فَأَمَّا مَدْح الرَّجُل بِمَا فِيهِ مِنْ الْفِعْل الْحَسَن وَالْأَمْر الْمَحْمُود لِيَكُونَ مِنْهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي أَمْثَاله وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَشْبَاهه فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ , وَإِنْ كَانَ قَدْ صَارَ مَادِحًا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ جَمِيل الْقَوْل فِيهِ . وَهَذَا رَاجِع إِلَى النِّيَّات " وَاَللَّه يَعْلَم الْمُفْسِد مِنْ الْمُصْلِح " . وَقَدْ مُدِحَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْر وَالْخُطَب وَالْمُخَاطَبَة وَلَمْ يَحْثُ فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب , وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ . كَقَوْلِ أَبِي طَالِب : وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثُمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَكَمَدْحِ الْعَبَّاس وَحَسَّان لَهُ فِي شِعْرِهِمَا , وَمَدَحَهُ كَعْب بْن زُهَيْر , وَمَدَحَ هُوَ أَيْضًا أَصْحَابه فَقَالَ : ( إِنَّكُمْ لَتَقِلُّونَ عِنْد الطَّمَع وَتَكْثُرُونَ عِنْد الْفَزَع ) . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح الْحَدِيث : ( لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَقُولُوا : عَبْد اللَّه وَرَسُوله ) فَمَعْنَاهُ لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ مِنْ الصِّفَات تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي , كَمَا وَصَفَتْ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ , فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ اِبْن اللَّه فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ اِمْرَأً فَوْق حَدّه وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَمُعْتَدٍ آثِم ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ فِي أَحَد لَكَانَ أَوْلَى الْخَلْق بِذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسهمْ " هَذَا اللَّفْظ عَامّ فِي ظَاهِره وَلَمْ يَخْتَلِف أَحَد مِنْ الْمُتَأَوِّلِينَ فِي أَنَّ الْمُرَاد الْيَهُود . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أَنْفُسهمْ ; فَقَالَ قَتَادَة وَالْحَسَن : ذَلِكَ قَوْلهمْ : " نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ " , وَقَوْلهمْ : " لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى " وَقَالَ الضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ : قَوْلهمْ لَا ذُنُوب لَنَا وَمَا فَعَلْنَاهُ نَهَارًا غُفِرَ لَنَا لَيْلًا وَمَا فَعَلْنَاهُ لَيْلًا غُفِرَ لَنَا نَهَارًا , وَنَحْنُ كَالْأَطْفَالِ فِي عَدَم الذُّنُوب . وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو مَالِك وَعِكْرِمَة : تَقْدِيمُهُمْ الصِّغَار لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُمْ لَا ذُنُوب عَلَيْهِمْ . وَهَذَا يَبْعُد مِنْ مَقْصِد الْآيَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ذَلِكَ قَوْلهمْ آبَاؤُنَا الَّذِينَ مَاتُوا يَشْفَعُونَ لَنَا وَيُزَكُّونَنَا . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : ذَلِكَ ثَنَاء بَعْضهمْ عَلَى بَعْض . وَهَذَا أَحْسَن مَا قِيلَ ; فَإِنَّهُ الظَّاهِر مِنْ مَعْنَى الْآيَة , وَالتَّزْكِيَة : التَّطْهِير وَالتَّبْرِيَة مِنْ الذُّنُوب .

الثَّانِيَة : هَذِهِ الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى : " فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ " [ النَّجْم : 32 ] يَقْتَضِي الْغَضّ مِنْ الْمُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسَانِهِ , وَالْإِعْلَام بِأَنَّ الزَّاكِيَ الْمُزَكَّى مَنْ حَسُنَتْ أَفْعَاله وَزَكَّاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَا عِبْرَة بِتَزْكِيَةِ الْإِنْسَان نَفْسه , وَإِنَّمَا الْعِبْرَة بِتَزْكِيَةِ اللَّه لَهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء قَالَ : سَمَّيْت اِبْنَتِي بَرَّة ; فَقَالَتْ لِي زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْم , وَسَمَّيْت بَرَّة ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُزَكُّوا أَنْفُسكُمْ اللَّه أَعْلَم بِأَهْلِ الْبِرّ مِنْكُمْ ) فَقَالُوا : بِمَ نُسَمِّيهَا ؟ فَقَالَ : ( سَمُّوهَا زَيْنَب ) . فَقَدْ دَلَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة عَلَى الْمَنْع مِنْ تَزْكِيَة الْإِنْسَان نَفْسه , وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مَا قَدْ كَثُرَ فِي هَذِهِ الدِّيَار الْمِصْرِيَّة مِنْ نَعْتهمْ أَنْفُسَهُمْ بِالنُّعُوتِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّزْكِيَة ; كَزَكِيِّ الدِّين وَمُحْيِي الدِّين وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , لَكِنْ لَمَّا كَثُرَتْ قَبَائِح الْمُسَمَّيْنَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاء ظَهَرَ تَخَلُّف هَذِهِ النُّعُوت عَنْ أَصْلهَا فَصَارَتْ لَا تُفِيدُ شَيْئًا .

الثَّالِثَة : فَأَمَّا تَزْكِيَة الْغَيْر وَمَدْحُهُ لَهُ ; فَفِي الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُل خَيْرًا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْحَك قَطَعْت عُنُقَ صَاحِبك - يَقُولهُ مِرَارًا - إِنْ كَانَ أَحَدكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَة فَلْيَقُلْ أَحْسَب كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّه وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّه أَحَدًا ) فَنَهَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْرَط فِي مَدْح الرَّجُل بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَيَدْخُلهُ فِي ذَلِكَ الْإِعْجَاب وَالْكِبْر , وَيَظُنّ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة بِتِلْك الْمَنْزِلَة فَيَحْمِلهُ ذَلِكَ عَلَى تَضْيِيع الْعَمَل وَتَرْك الِازْدِيَاد مِنْ الْفَضْل ; وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْحَك قَطَعْت عُنُق صَاحِبك ) . وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( قَطَعْتُمْ ظَهْر الرَّجُل ) حِين وَصَفُوهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ . وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ الْعُلَمَاء قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( احْثُوا التُّرَاب فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ ) إِنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَدَّاحُونَ فِي وُجُوههمْ بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فِيهِمْ , حَتَّى يَجْعَلُوا ذَلِكَ بِضَاعَة يُسْتَأْكَلُونَ بِهِ الْمَمْدُوح وَيَفْتِنُونَهُ ; فَأَمَّا مَدْح الرَّجُل بِمَا فِيهِ مِنْ الْفِعْل الْحَسَن وَالْأَمْر الْمَحْمُود لِيَكُونَ مِنْهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي أَمْثَاله وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَشْبَاهه فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ , وَإِنْ كَانَ قَدْ صَارَ مَادِحًا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ جَمِيل الْقَوْل فِيهِ . وَهَذَا رَاجِع إِلَى النِّيَّات " وَاَللَّه يَعْلَم الْمُفْسِد مِنْ الْمُصْلِح " . وَقَدْ مُدِحَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْر وَالْخُطَب وَالْمُخَاطَبَة وَلَمْ يَحْثُ فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب , وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ . كَقَوْلِ أَبِي طَالِب : وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثُمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَكَمَدْحِ الْعَبَّاس وَحَسَّان لَهُ فِي شِعْرِهِمَا , وَمَدَحَهُ كَعْب بْن زُهَيْر , وَمَدَحَ هُوَ أَيْضًا أَصْحَابه فَقَالَ : ( إِنَّكُمْ لَتَقِلُّونَ عِنْد الطَّمَع وَتَكْثُرُونَ عِنْد الْفَزَع ) . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح الْحَدِيث : ( لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَقُولُوا : عَبْد اللَّه وَرَسُوله ) فَمَعْنَاهُ لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ مِنْ الصِّفَات تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي , كَمَا وَصَفَتْ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ , فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ اِبْن اللَّه فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ اِمْرَأً فَوْق حَدّه وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَمُعْتَدٍ آثِم ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ فِي أَحَد لَكَانَ أَوْلَى الْخَلْق بِذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .


الضَّمِير فِي " يُظْلَمُونَ " عَائِد عَلَى الْمَذْكُورَيْنِ مِمَّنْ زَكَّى نَفْسه وَمِمَّنْ يُزَكِّيه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَغَيْر هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عَلِمَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَظْلِمُهُ مِنْ غَيْر هَذِهِ الْآيَة . وَالْفَتِيل الْخَيْط الَّذِي فِي شِقّ نَوَاة التَّمْرَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجَاهِد . وَقِيلَ : الْقِشْرَة الَّتِي حَوْل النَّوَاة بَيْنهَا وَبَيْنَ الْبُسْرَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَأَبُو مَالِك وَالسُّدِّيّ : هُوَ مَا يَخْرُج بَيْنَ أُصْبُعَيْك أَوْ كَفَّيْك مِنْ الْوَسَخ إِذَا فَتَلْتهمَا ; فَهُوَ فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُول . وَهَذَا كُلّه يَرْجِع إِلَى كِنَايَة عَنْ تَحْقِير الشَّيْء وَتَصْغِيره , وَأَنَّ اللَّه لَا يَظْلِمهُ شَيْئًا . وَمِثْل هَذَا فِي التَّحْقِير قَوْله تَعَالَى : " وَلَا يَظْلِمُونَ نَقِيرًا " [ النِّسَاء : 124 ] وَهُوَ النُّكْتَة الَّتِي فِي ظَهْر النَّوَاة , وَمِنْهُ تَنْبُت النَّخْلَة , وَسَيَأْتِي . قَالَ الشَّاعِر يَذُمُّ بَعْض الْمُلُوك : تَجْمَعُ الْجَيْشَ ذَا الْأُلُوف وَتَغْزُو ثُمَّ لَا تَرْزَأُ الْعَدُوَّ فَتِيلًا
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم

    الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم: في هذا الكتاب بيان معنى الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحُكمها، وكيفيتها، وفضلها، وفضل زيارة قبره ومسجده - عليه الصلاة والسلام -، وذكر آداب دخول المسجد كما وردت في كتب السنن.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385233

    التحميل:

  • رسالة رمضان

    رسالة رمضان : قال المؤلف - رحمه الله -: « فهذه رسالة مختصرة جامعة فيما يهم المسلم في شهر رمضان من صيام وقيام وقراءة قرآن وصدقة وغير ذلك مما ستراه موضحًا فيها إن شاء الله تعالى ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231257

    التحميل:

  • أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة

    أبو بكر الصديق أفضل الصحابة : هذا ملخص مرتب موثق بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة في بيان أفضلية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وأحقيته بالخلافة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد لخصه المؤلف - رحمه الله - من كتاب « منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية »، لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144996

    التحميل:

  • شرح الآجرومية [ ابن عثيمين ]

    شرح الآجرومية: هذا شرح تعليمي لمتن ابن آجروم في النحو المعروف بالآجرومية، اعتنى فيه الشارح ببيان مفردات التعاريف، ومحترزاتها، وأمثلتها، مع إضافة بعض الشروط والأمثلة على ما ذكره الماتن، وقد وردت في آخر كل فصل أسئلة مع الإجابة عليها.

    الناشر: مكتبة الرشد بالمملكة العربية السعودية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334270

    التحميل:

  • اليسير في اختصار تفسير ابن كثير

    اليسير في اختصار تفسير ابن كثير: نسخة مصورة pdf من إصدار دار الهداة، وقد اختصره ثلاثة من مدرسي دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة، وهم: 1- الأستاذ صلاح بن محمد عرفات. 2- الأستاذ محمد بن عبدالله الشنقيطي. 3- الأستاذ خالد بن فوزي عبدالحميد. وتم هذا العمل العلمي بإشراف فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام، ورئيس مجلس القضاء الأعلى. - وقد سارت اللجنة على المنهج التالي: أولاً: حذف الأسانيد التي ذكرها المؤلف في الكتاب. ثانياً: حذف الأحاديث الضعيفة التي نص الشيخ على تضعيفها، أو نص أئمة العلم على ذلك، وحذف المكرر من الأحاديث الصحيحة والحسنة. ثالثاً : نص الكتاب كله من كلام ابن كثير وإذا احتيج إلى إثبات عبارات من عندنا للربط فتوضع بين قوسين [] تمييزاً لها عن نص الكتاب. رابعاً : الظاهر أن ابن كثير - رحمه الله - كان يعتمد قراءة غير قراءة حفص، ويغلب على الظن أنها قراءة أبي عمرو فإنه كثيراً ما يفسر عليها ثم يذكر القراءة الأخرى، وهذا الأمر لم يتنبه له بعض من اختصر الكتاب فاختصر القراءة الثانية، وأثبت الأولى، مع أنه أثبت الآيات على القراءة التي حذفها وهي قراءة حفص، وقد تنبهنا إلى هذا وراعيناه. خامساً: لم نحذف الأقوال الفقهية التي أوردها الشيخ، إلا أننا ربما حذفنا الأقوال الضعيفة وأثبتنا الراجح بدليله، وننبه القارئ إلى أن مراد المصنف بالأصحاب: الشافعية. سادساً : ربما وقعت أوهام في النسخ التي بين أيدينا في عزو أو تخريج، فإننا نصحح مثل هذا ونضعه بين قوسين وهو قليل. سابعاً: كثيراً ما يستدل المؤلف على التفسير باللغة ويورد أبياتاً من الشعر، فأبقينا بعضها وحذفنا أكثرها مع الإبقاء على المعنى اللغوي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340943

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة