Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 49

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) (النساء) mp3
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسهمْ " هَذَا اللَّفْظ عَامّ فِي ظَاهِره وَلَمْ يَخْتَلِف أَحَد مِنْ الْمُتَأَوِّلِينَ فِي أَنَّ الْمُرَاد الْيَهُود . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أَنْفُسهمْ ; فَقَالَ قَتَادَة وَالْحَسَن : ذَلِكَ قَوْلهمْ : " نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ " , وَقَوْلهمْ : " لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى " وَقَالَ الضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ : قَوْلهمْ لَا ذُنُوب لَنَا وَمَا فَعَلْنَاهُ نَهَارًا غُفِرَ لَنَا لَيْلًا وَمَا فَعَلْنَاهُ لَيْلًا غُفِرَ لَنَا نَهَارًا , وَنَحْنُ كَالْأَطْفَالِ فِي عَدَم الذُّنُوب . وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو مَالِك وَعِكْرِمَة : تَقْدِيمُهُمْ الصِّغَار لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُمْ لَا ذُنُوب عَلَيْهِمْ . وَهَذَا يَبْعُد مِنْ مَقْصِد الْآيَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ذَلِكَ قَوْلهمْ آبَاؤُنَا الَّذِينَ مَاتُوا يَشْفَعُونَ لَنَا وَيُزَكُّونَنَا . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : ذَلِكَ ثَنَاء بَعْضهمْ عَلَى بَعْض . وَهَذَا أَحْسَن مَا قِيلَ ; فَإِنَّهُ الظَّاهِر مِنْ مَعْنَى الْآيَة , وَالتَّزْكِيَة : التَّطْهِير وَالتَّبْرِيَة مِنْ الذُّنُوب .

الثَّانِيَة : هَذِهِ الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى : " فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ " [ النَّجْم : 32 ] يَقْتَضِي الْغَضّ مِنْ الْمُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسَانِهِ , وَالْإِعْلَام بِأَنَّ الزَّاكِيَ الْمُزَكَّى مَنْ حَسُنَتْ أَفْعَاله وَزَكَّاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَا عِبْرَة بِتَزْكِيَةِ الْإِنْسَان نَفْسه , وَإِنَّمَا الْعِبْرَة بِتَزْكِيَةِ اللَّه لَهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء قَالَ : سَمَّيْت اِبْنَتِي بَرَّة ; فَقَالَتْ لِي زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْم , وَسَمَّيْت بَرَّة ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُزَكُّوا أَنْفُسكُمْ اللَّه أَعْلَم بِأَهْلِ الْبِرّ مِنْكُمْ ) فَقَالُوا : بِمَ نُسَمِّيهَا ؟ فَقَالَ : ( سَمُّوهَا زَيْنَب ) . فَقَدْ دَلَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة عَلَى الْمَنْع مِنْ تَزْكِيَة الْإِنْسَان نَفْسه , وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مَا قَدْ كَثُرَ فِي هَذِهِ الدِّيَار الْمِصْرِيَّة مِنْ نَعْتهمْ أَنْفُسَهُمْ بِالنُّعُوتِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّزْكِيَة ; كَزَكِيِّ الدِّين وَمُحْيِي الدِّين وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , لَكِنْ لَمَّا كَثُرَتْ قَبَائِح الْمُسَمَّيْنَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاء ظَهَرَ تَخَلُّف هَذِهِ النُّعُوت عَنْ أَصْلهَا فَصَارَتْ لَا تُفِيدُ شَيْئًا .

الثَّالِثَة : فَأَمَّا تَزْكِيَة الْغَيْر وَمَدْحُهُ لَهُ ; فَفِي الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُل خَيْرًا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْحَك قَطَعْت عُنُقَ صَاحِبك - يَقُولهُ مِرَارًا - إِنْ كَانَ أَحَدكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَة فَلْيَقُلْ أَحْسَب كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّه وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّه أَحَدًا ) فَنَهَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْرَط فِي مَدْح الرَّجُل بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَيَدْخُلهُ فِي ذَلِكَ الْإِعْجَاب وَالْكِبْر , وَيَظُنّ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة بِتِلْك الْمَنْزِلَة فَيَحْمِلهُ ذَلِكَ عَلَى تَضْيِيع الْعَمَل وَتَرْك الِازْدِيَاد مِنْ الْفَضْل ; وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْحَك قَطَعْت عُنُق صَاحِبك ) . وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( قَطَعْتُمْ ظَهْر الرَّجُل ) حِين وَصَفُوهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ . وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ الْعُلَمَاء قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( احْثُوا التُّرَاب فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ ) إِنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَدَّاحُونَ فِي وُجُوههمْ بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فِيهِمْ , حَتَّى يَجْعَلُوا ذَلِكَ بِضَاعَة يُسْتَأْكَلُونَ بِهِ الْمَمْدُوح وَيَفْتِنُونَهُ ; فَأَمَّا مَدْح الرَّجُل بِمَا فِيهِ مِنْ الْفِعْل الْحَسَن وَالْأَمْر الْمَحْمُود لِيَكُونَ مِنْهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي أَمْثَاله وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَشْبَاهه فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ , وَإِنْ كَانَ قَدْ صَارَ مَادِحًا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ جَمِيل الْقَوْل فِيهِ . وَهَذَا رَاجِع إِلَى النِّيَّات " وَاَللَّه يَعْلَم الْمُفْسِد مِنْ الْمُصْلِح " . وَقَدْ مُدِحَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْر وَالْخُطَب وَالْمُخَاطَبَة وَلَمْ يَحْثُ فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب , وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ . كَقَوْلِ أَبِي طَالِب : وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثُمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَكَمَدْحِ الْعَبَّاس وَحَسَّان لَهُ فِي شِعْرِهِمَا , وَمَدَحَهُ كَعْب بْن زُهَيْر , وَمَدَحَ هُوَ أَيْضًا أَصْحَابه فَقَالَ : ( إِنَّكُمْ لَتَقِلُّونَ عِنْد الطَّمَع وَتَكْثُرُونَ عِنْد الْفَزَع ) . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح الْحَدِيث : ( لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَقُولُوا : عَبْد اللَّه وَرَسُوله ) فَمَعْنَاهُ لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ مِنْ الصِّفَات تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي , كَمَا وَصَفَتْ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ , فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ اِبْن اللَّه فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ اِمْرَأً فَوْق حَدّه وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَمُعْتَدٍ آثِم ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ فِي أَحَد لَكَانَ أَوْلَى الْخَلْق بِذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسهمْ " هَذَا اللَّفْظ عَامّ فِي ظَاهِره وَلَمْ يَخْتَلِف أَحَد مِنْ الْمُتَأَوِّلِينَ فِي أَنَّ الْمُرَاد الْيَهُود . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أَنْفُسهمْ ; فَقَالَ قَتَادَة وَالْحَسَن : ذَلِكَ قَوْلهمْ : " نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ " , وَقَوْلهمْ : " لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى " وَقَالَ الضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ : قَوْلهمْ لَا ذُنُوب لَنَا وَمَا فَعَلْنَاهُ نَهَارًا غُفِرَ لَنَا لَيْلًا وَمَا فَعَلْنَاهُ لَيْلًا غُفِرَ لَنَا نَهَارًا , وَنَحْنُ كَالْأَطْفَالِ فِي عَدَم الذُّنُوب . وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو مَالِك وَعِكْرِمَة : تَقْدِيمُهُمْ الصِّغَار لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُمْ لَا ذُنُوب عَلَيْهِمْ . وَهَذَا يَبْعُد مِنْ مَقْصِد الْآيَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ذَلِكَ قَوْلهمْ آبَاؤُنَا الَّذِينَ مَاتُوا يَشْفَعُونَ لَنَا وَيُزَكُّونَنَا . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : ذَلِكَ ثَنَاء بَعْضهمْ عَلَى بَعْض . وَهَذَا أَحْسَن مَا قِيلَ ; فَإِنَّهُ الظَّاهِر مِنْ مَعْنَى الْآيَة , وَالتَّزْكِيَة : التَّطْهِير وَالتَّبْرِيَة مِنْ الذُّنُوب .

الثَّانِيَة : هَذِهِ الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى : " فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ " [ النَّجْم : 32 ] يَقْتَضِي الْغَضّ مِنْ الْمُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسَانِهِ , وَالْإِعْلَام بِأَنَّ الزَّاكِيَ الْمُزَكَّى مَنْ حَسُنَتْ أَفْعَاله وَزَكَّاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَا عِبْرَة بِتَزْكِيَةِ الْإِنْسَان نَفْسه , وَإِنَّمَا الْعِبْرَة بِتَزْكِيَةِ اللَّه لَهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء قَالَ : سَمَّيْت اِبْنَتِي بَرَّة ; فَقَالَتْ لِي زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْم , وَسَمَّيْت بَرَّة ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُزَكُّوا أَنْفُسكُمْ اللَّه أَعْلَم بِأَهْلِ الْبِرّ مِنْكُمْ ) فَقَالُوا : بِمَ نُسَمِّيهَا ؟ فَقَالَ : ( سَمُّوهَا زَيْنَب ) . فَقَدْ دَلَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة عَلَى الْمَنْع مِنْ تَزْكِيَة الْإِنْسَان نَفْسه , وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مَا قَدْ كَثُرَ فِي هَذِهِ الدِّيَار الْمِصْرِيَّة مِنْ نَعْتهمْ أَنْفُسَهُمْ بِالنُّعُوتِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّزْكِيَة ; كَزَكِيِّ الدِّين وَمُحْيِي الدِّين وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , لَكِنْ لَمَّا كَثُرَتْ قَبَائِح الْمُسَمَّيْنَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاء ظَهَرَ تَخَلُّف هَذِهِ النُّعُوت عَنْ أَصْلهَا فَصَارَتْ لَا تُفِيدُ شَيْئًا .

الثَّالِثَة : فَأَمَّا تَزْكِيَة الْغَيْر وَمَدْحُهُ لَهُ ; فَفِي الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُل خَيْرًا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْحَك قَطَعْت عُنُقَ صَاحِبك - يَقُولهُ مِرَارًا - إِنْ كَانَ أَحَدكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَة فَلْيَقُلْ أَحْسَب كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّه وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّه أَحَدًا ) فَنَهَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْرَط فِي مَدْح الرَّجُل بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَيَدْخُلهُ فِي ذَلِكَ الْإِعْجَاب وَالْكِبْر , وَيَظُنّ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة بِتِلْك الْمَنْزِلَة فَيَحْمِلهُ ذَلِكَ عَلَى تَضْيِيع الْعَمَل وَتَرْك الِازْدِيَاد مِنْ الْفَضْل ; وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْحَك قَطَعْت عُنُق صَاحِبك ) . وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( قَطَعْتُمْ ظَهْر الرَّجُل ) حِين وَصَفُوهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ . وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ الْعُلَمَاء قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( احْثُوا التُّرَاب فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ ) إِنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَدَّاحُونَ فِي وُجُوههمْ بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فِيهِمْ , حَتَّى يَجْعَلُوا ذَلِكَ بِضَاعَة يُسْتَأْكَلُونَ بِهِ الْمَمْدُوح وَيَفْتِنُونَهُ ; فَأَمَّا مَدْح الرَّجُل بِمَا فِيهِ مِنْ الْفِعْل الْحَسَن وَالْأَمْر الْمَحْمُود لِيَكُونَ مِنْهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي أَمْثَاله وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَشْبَاهه فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ , وَإِنْ كَانَ قَدْ صَارَ مَادِحًا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ جَمِيل الْقَوْل فِيهِ . وَهَذَا رَاجِع إِلَى النِّيَّات " وَاَللَّه يَعْلَم الْمُفْسِد مِنْ الْمُصْلِح " . وَقَدْ مُدِحَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْر وَالْخُطَب وَالْمُخَاطَبَة وَلَمْ يَحْثُ فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب , وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ . كَقَوْلِ أَبِي طَالِب : وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثُمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَكَمَدْحِ الْعَبَّاس وَحَسَّان لَهُ فِي شِعْرِهِمَا , وَمَدَحَهُ كَعْب بْن زُهَيْر , وَمَدَحَ هُوَ أَيْضًا أَصْحَابه فَقَالَ : ( إِنَّكُمْ لَتَقِلُّونَ عِنْد الطَّمَع وَتَكْثُرُونَ عِنْد الْفَزَع ) . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح الْحَدِيث : ( لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَقُولُوا : عَبْد اللَّه وَرَسُوله ) فَمَعْنَاهُ لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ مِنْ الصِّفَات تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي , كَمَا وَصَفَتْ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ , فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ اِبْن اللَّه فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ اِمْرَأً فَوْق حَدّه وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَمُعْتَدٍ آثِم ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ فِي أَحَد لَكَانَ أَوْلَى الْخَلْق بِذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .


الضَّمِير فِي " يُظْلَمُونَ " عَائِد عَلَى الْمَذْكُورَيْنِ مِمَّنْ زَكَّى نَفْسه وَمِمَّنْ يُزَكِّيه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَغَيْر هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عَلِمَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَظْلِمُهُ مِنْ غَيْر هَذِهِ الْآيَة . وَالْفَتِيل الْخَيْط الَّذِي فِي شِقّ نَوَاة التَّمْرَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجَاهِد . وَقِيلَ : الْقِشْرَة الَّتِي حَوْل النَّوَاة بَيْنهَا وَبَيْنَ الْبُسْرَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَأَبُو مَالِك وَالسُّدِّيّ : هُوَ مَا يَخْرُج بَيْنَ أُصْبُعَيْك أَوْ كَفَّيْك مِنْ الْوَسَخ إِذَا فَتَلْتهمَا ; فَهُوَ فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُول . وَهَذَا كُلّه يَرْجِع إِلَى كِنَايَة عَنْ تَحْقِير الشَّيْء وَتَصْغِيره , وَأَنَّ اللَّه لَا يَظْلِمهُ شَيْئًا . وَمِثْل هَذَا فِي التَّحْقِير قَوْله تَعَالَى : " وَلَا يَظْلِمُونَ نَقِيرًا " [ النِّسَاء : 124 ] وَهُوَ النُّكْتَة الَّتِي فِي ظَهْر النَّوَاة , وَمِنْهُ تَنْبُت النَّخْلَة , وَسَيَأْتِي . قَالَ الشَّاعِر يَذُمُّ بَعْض الْمُلُوك : تَجْمَعُ الْجَيْشَ ذَا الْأُلُوف وَتَغْزُو ثُمَّ لَا تَرْزَأُ الْعَدُوَّ فَتِيلًا
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فتح رب البرية بتلخيص الحموية

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322215

    التحميل:

  • أنواع الصبر ومجالاته في ضوء الكتاب والسنة

    أنواع الصبر ومجالاته في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «أنواع الصبر ومجالاته»، اختصرتُه من كتابي: «مقومات الداعية الناجح» بيَّنت فيه: مفهوم الصبر، وأهميته، ومكانته في الدعوة إلى الله تعالى، ومجالاته، وأحكام الصبر، وأنواعه، وأوضحت صورًا من مواقف تطبيق الصبر والشجاعة، وبيّنت طرق تحصيل الصبر التي من عمل بها رُزق الصبر والاحتساب، والثواب ووفِّي أجره بغير حساب».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193648

    التحميل:

  • الفوز العظيم والخسران المبين في ضوء الكتاب والسنة

    الفوز العظيم والخسران المبين في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في بيان الفوز العظيم والخسران المبين، وهي مقارنة بين نعيم الجنة الذي من حصل عليه فقد فاز فوزًا عظيمًا، وعذاب النار الذي من عُذِّبَ به فقد خَسِرَ خسرانًا مبينًا. ذكرت فيها بإيجاز خمسة وعشرين مبحثًا للترغيب في دار السلام ونعيمها، والطريق الموصل إليها، جعلنا الله من أهلها، والترهيب والتخويف والإنذار من دار البوار وعذابها والطرق الموصلة إليها نعوذ بالله منها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193647

    التحميل:

  • الكذب والكاذبون

    الكذب آفة تفتك بالمجتمع، تتسلل إلى نقلة الأخبار، وحملة الأفكار، فتؤدي إلى إشكالات كثيرة؛ فالكذب يبدي الفضائح، ويكتم المحاسن، ويشيع قالة السوء في كل مكان عن صاحبه، ويدل على طريق الشيطان. من أجل ذلك ذمه الله - عز وجل - في كتابه الكريم، وذمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة المطهرة، وذمه سلفنا الصالح، وفي هذا الكتاب توضيح لهذا الأمر.

    الناشر: دار الصحابة للتراث بطنطا

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/76421

    التحميل:

  • طريق التعلم وأسباب فهم الدروس

    طريق التعلم وأسباب فهم الدروس : لما كان العلم بهذه المرتبة العالية وكان له أبواب يدخل إليها منها ومفاتيح تفتح بها أبواب وأسباب تعين عليه أحببت أن أذكر إخواني المسلمين من المدرسين والمدرسات والطلبة والطالبات بما تيسر من تلك الأسباب لعلهم أن يستفيدوا منها ولعلها أن تعينهم على طلب العلم وتعلمه وتعليمه إذا قرءوها وعملوا بها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209003

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة