Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 47

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) (النساء) mp3
قَالَ اِبْن إِسْحَاق : كَلَّمَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤَسَاء مِنْ أَحْبَار يَهُود مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن صُورِيَّا الْأَعْوَر وَكَعْب بْن أَسَد فَقَالَ لَهُمْ : ( يَا مَعْشَر يَهُود اِتَّقُوا اللَّه وَأَسْلِمُوا فَوَاَللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ الْحَقّ ) قَالُوا : مَا نَعْرِف ذَلِكَ يَا مُحَمَّد . وَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا وَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْر ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ " يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا " إِلَى آخِر الْآيَة .



نَصْب عَلَى الْحَال .

الطَّمْس اِسْتِئْصَال أَثَر الشَّيْء ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " فَإِذَا النُّجُوم طُمِسَتْ " [ الْمُرْسَلَات : 8 ] . وَنَطْمِس وَنَطْمُس بِكَسْرِ الْمِيم وَضَمِّهَا فِي الْمُسْتَقْبَل لُغَتَانِ . وَيُقَال فِي الْكَلَام : طَسَمَ يَطْسِمُ وَيَطْسُمُ بِمَعْنَى طَمَسَ ; يُقَال : طَمَسَ الْأَثَر وَطَسَمَ أَيْ اِمَّحَى , كُلّه لُغَات ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " رَبّنَا اِطْمِسْ عَلَى أَمْوَالهمْ " [ يُونُس : 88 ] أَيْ أَهْلِكْهَا ; عَنْ اِبْن عَرَفَة . وَيُقَال : طَمَسْته فَطَمَسَ لَازِم وَمُتَعَدٍّ . وَطَمَسَ اللَّه بَصَرَهُ , وَهُوَ مَطْمُوس الْبَصَر إِذَا ذَهَبَ أَثَر الْعَيْن ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنهمْ " [ يس : 66 ] يَقُول أَعْمَيْنَاهُمْ .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَعْنَى الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة ; هَلْ هُوَ حَقِيقَة فَيُجْعَل الْوَجْه كَالْقَفَا فَيَذْهَب بِالْأَنْفِ وَالْفَم وَالْحَاجِب وَالْعَيْن . أَوْ ذَلِكَ عِبَارَة عَنْ الضَّلَال فِي قُلُوبهمْ وَسَلْبهمْ التَّوْفِيق ؟ قَوْلَانِ . رُوِيَ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ قَالَ : " مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس " مِنْ قَبْل أَنْ نُضِلَّكُمْ إِضْلَالًا لَا تَهْتَدُونَ بَعْده . يَذْهَب إِلَى أَنَّهُ تَمْثِيل وَأَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَعَلَ هَذَا بِهِمْ عُقُوبَة . وَقَالَ قَتَادَة : مَعْنَاهُ مِنْ قَبْل أَنْ نَجْعَل الْوُجُوه أَقْفَاء . أَيْ يَذْهَب بِالْأَنْفِ وَالشِّفَاه وَالْأَعْيُن وَالْحَوَاجِب ; هَذَا مَعْنَاهُ عِنْد أَهْل اللُّغَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَطِيَّة الْعَوْفِيّ : أَنَّ الطَّمْس أَنْ تُزَال الْعَيْنَانِ خَاصَّة وَتُرَدّ فِي الْقَفَا ; فَيَكُون ذَلِكَ رَدًّا عَلَى الدُّبُر وَيَمْشِي الْقَهْقَرَى . وَقَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه : كَانَ أَوَّل إِسْلَام كَعْب الْأَحْبَار أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ اللَّيْل وَهُوَ يَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب آمِنُوا " فَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى وَجْهه وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى إِلَى بَيْته فَأَسْلَمَ مَكَانه وَقَالَ : وَاَللَّه لَقَدْ خِفْت أَلَّا أَبْلُغَ بَيْتِي حَتَّى يُطْمَس وَجْهِي . وَكَذَلِكَ فَعَلَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام , لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة وَسَمِعَهَا أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ أَهْله وَأَسْلَمَ وَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , مَا كُنْت أَدْرَى أَنْ أَصِلَ إِلَيْك حَتَّى يُحَوَّل وَجْهِي فِي قَفَايَ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ جَازَ أَنْ يُهَدِّدَهُمْ بِطَمْسِ الْوُجُوه إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وَلَمْ يُفْعَل ذَلِكَ بِهِمْ ; فَقِيلَ : إِنَّهُ لَمَّا آمَنَ هَؤُلَاءِ وَمَنْ اِتَّبَعَهُمْ رُفِعَ الْوَعِيد عَنْ الْبَاقِينَ . وَقَالَ الْمُبَرِّد : الْوَعِيد بَاقٍ مُنْتَظَر . وَقَالَ : لَا بُدّ مِنْ طَمْس فِي الْيَهُود وَمَسْخ قَبْل يَوْم الْقِيَامَة .


أَيْ أَصْحَاب الْوُجُوه


أَيْ نَمْسَخَهُمْ قِرَدَة وَخَنَازِير ; عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَة . وَقِيلَ : هُوَ خُرُوج مِنْ الْخِطَاب إِلَى الْغَيْبَة



أَيْ كَائِنًا مَوْجُودًا . وَيُرَاد بِالْأَمْرِ الْمَأْمُور فَهُوَ مَصْدَر وَقَعَ مَوْقِع الْمَفْعُول ; فَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَتَى أَرَادَهُ أَوْجَدَهُ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ كُلّ أَمْر أَخْبَرَ بِكَوْنِهِ فَهُوَ كَائِن عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • عيسى الحقيقي وعيسى المزيف في العهد الجديد

    عيسى الحقيقي وعيسى المزيف في العهد الجديد: كتاب جديد ومهم يتناول صورة عيسى الحقيقية والمزيفة بالإنجيل من تأليف الشيخ صالح السبيل وهو متخصص بالمقارنة بين الأديان وقد أمضى أكثر من عشرين سنة في دراسة الأنجيل و الأديان الأخرى وقد تم تأليف الكتاب باللغة الإنجليزية مباشرة ثم ترجم إلى العربية.

    الناشر: موقع التصور الصحيح للمسيح http://www.jesusdepictions.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385680

    التحميل:

  • أحكام الحج والأضحية

    أحكام الحج والأضحية: رسالة مختصرة في أحكام الحج، وبيان الواجبات والمستحبات والمكروهات والمحرمات في هذه الشعيرة، مع التنبيه على بعض الأخطاء التي تقع من بعض المسلمين.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341902

    التحميل:

  • الملخص الفقهي

    الملخص الفقهي: ملخص في الفقه, مقرون بأدلته من الكتاب والسنة مع بعض التنبيهات. الكتاب نسخة مصورة طبعت تحت إشراف رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2089

    التحميل:

  • في بيتنا خادمة

    في بيتنا خادمة: تحتوي هذه الرسالة على العناصر التالية: هل نحن بحاجة إلى خادمة؟ اختيار الخادمة، ما هو المطلوب من الخادمة؟ إيجابيات الخادمات، معاملة الخدم، معاملة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع خادمه، فتاوى الاختلاط مع الخادمات، فتوى في حكم استقدام الخادمة من الخارج بدون محرم، هل نستطيع أن نتخلص من الخادمة؟ فضل القيام على إعانة الزوجة وخدمة الأهل.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228673

    التحميل:

  • كمال الأمة في صلاح عقيدتها

    كمال الأمة في صلاح عقيدتها : شرح آية: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172271

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة