Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 46

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) (النساء) mp3
قَالَ الزَّجَّاج : إِنْ جُعِلَتْ " مِنْ " مُتَعَلِّقَة بِمَا قَبْل فَلَا يُوقَف عَلَى قَوْله " نَصِيرًا " , وَإِنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَة فَيَجُوز الْوَقْف عَلَى " نَصِيرًا " وَالتَّقْدِير مِنْ الَّذِينَ هَادُوا قَوْم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ; ثُمَّ حُذِفَ . وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهِ , وَأَنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ : لَوْ قُلْت مَا فِي قَوْمِهَا لَمْ تِيثَمِ يَفْضُلُهَا فِي حَسَب وَمِيسَم قَالُوا : الْمَعْنَى لَوْ قُلْت مَا فِي قَوْمهَا أَحَد يَفْضُلهَا ; ثُمَّ حُذِفَ . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمَحْذُوف " مِنْ " الْمَعْنَى : مِنْ الَّذِينَ هَادُوا مَنْ يُحَرِّفُونَ . وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَام مَعْلُوم " [ الصَّافَّات : 164 ] أَيْ مَنْ لَهُ . وَقَالَ ذُو الرُّمَّة : فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ وَآخَر يُذْرِي عَبْرَةَ الْعَيْن بِالْهَمْلِ يُرِيد وَمِنْهُمْ مَنْ دَمْعه , فَحَذَفَ الْمَوْصُول . وَأَنْكَرَهُ الْمُبَرِّد وَالزَّجَّاج ; لِأَنَّ حَذْف الْمَوْصُول كَحَذْفِ بَعْض الْكَلِمَة .



يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْر تَأْوِيله . وَذَمَّهُمْ اللَّه تَعَالَى بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ مُتَعَمِّدِينَ . وَقَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ " الْكَلَام " . قَالَ النَّحَّاس : و " الْكَلِم " فِي هَذَا أَوْلَى ; لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُحَرِّفُونَ كَلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ مَا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَلَيْسَ يُحَرِّفُونَ جَمِيع الْكَلَام ,



يَعْنِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .



أَيْ سَمِعْنَا قَوْلَك وَعَصَيْنَا أَمْرك .



قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانُوا يَقُولُونَ للنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِسْمَعْ لَا سَمِعْتَ , هَذَا مُرَادهمْ - لَعَنَهُمْ اللَّه - وَهُمْ يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ اِسْمَعْ غَيْر مُسْمَع مَكْرُوهًا وَلَا أَذًى . وَقَالَ الْحَسَن وَمُجَاهِد . مَعْنَاهُ غَيْر مُسْمَع مِنْك , أَيْ مَقْبُول وَلَا مُجَاب إِلَى مَا تَقُول . قَالَ النَّحَّاس : وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ غَيْر مَسْمُوع مِنْك .


ذَكَرَ شَيْئًا آخَر مِنْ جَهَالَات الْيَهُود وَالْمَقْصُود نَهْي الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثْل ذَلِكَ . وَحَقِيقَة " رَاعِنَا " فِي اللُّغَة اِرْعَنَا وَلْنَرْعَك ; لِأَنَّ الْمُفَاعَلَة مِنْ اِثْنَيْنِ ; فَتَكُون مِنْ رَعَاك اللَّه , أَيْ اِحْفَظْنَا وَلْنَحْفَظْك , وَارْقُبْنَا وَلْنَرْقُبْك . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ أَرْعِنَا سَمْعَك ; أَيْ فَرِّغْ سَمْعَك لِكَلَامِنَا . وَفِي الْمُخَاطَبَة بِهَذَا جَفَاء ; فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَخَيَّرُوا مِنْ الْأَلْفَاظ أَحْسَنَهَا وَمِنْ الْمَعَانِي أَرَقَّهَا . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَاعِنَا . عَلَى جِهَة الطَّلَب وَالرَّغْبَة - مِنْ الْمُرَاعَاة - أَيْ اِلْتَفِتْ إِلَيْنَا ; وَكَانَ هَذَا بِلِسَانِ الْيَهُود سَبًّا , أَيْ اِسْمَعْ لَا سَمِعْت ; فَاغْتَنَمُوهَا وَقَالُوا : كُنَّا نَسُبُّهُ سِرًّا فَالْآن نَسُبُّهُ جَهْرًا ; فَكَانُوا يُخَاطِبُونَ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَضْحَكُونَ فِيمَا بَيْنهمْ ; فَسَمِعَهَا سَعْد بْن مُعَاذ وَكَانَ يَعْرِف لُغَتَهُمْ ; فَقَالَ لِلْيَهُودِ : عَلَيْكُمْ لَعْنَةُ اللَّه ! لَئِنْ سَمِعْتهَا مِنْ رَجُل مِنْكُمْ يَقُولهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقه ; فَقَالُوا : أَوَلَسْتُمْ تَقُولُونَهَا ؟ فَنَزَلَتْ الْآيَة , وَنُهُوا عَنْهَا لِئَلَّا تَقْتَدِيَ بِهَا الْيَهُود فِي اللَّفْظ وَتَقْصِد الْمَعْنَى الْفَاسِد فِيهِ .

فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيلَانِ :

أَحَدهمَا : عَلَى تَجَنُّب الْأَلْفَاظ الْمُحْتَمَلَة الَّتِي فِيهَا التَّعْرِيض لِلتَّنْقِيصِ وَالْغَضّ , وَيَخْرُج مِنْ هَذَا فَهْم الْقَذْف بِالتَّعْرِيضِ , وَذَلِكَ يُوجِب الْحَدّ عِنْدنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمَا حِينَ قَالُوا : التَّعْرِيض مُحْتَمِل لِلْقَذْفِ وَغَيْره , وَالْحَدّ مِمَّا يَسْقُط بِالشُّبْهَةِ . وَسَيَأْتِي فِي " النُّور " بَيَان هَذَا , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

الدَّلِيل الثَّانِي : التَّمَسُّك بِسَدِّ الذَّرَائِع وَحِمَايَتهَا وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَأَصْحَابه وَأَحْمَد بْن حَنْبَل فِي رِوَايَة عَنْهُ ; وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْل الْكِتَاب وَالسُّنَّة . وَالذَّرِيعَة عِبَارَة عَنْ أَمْر غَيْر مَمْنُوع لِنَفْسِهِ يَخَاف مِنْ اِرْتِكَابه الْوُقُوع فِي مَمْنُوع . أَمَّا الْكِتَاب فَهَذِهِ الْآيَة , وَوَجْه التَّمَسُّك بِهَا أَنَّ الْيَهُود كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ وَهِيَ سَبّ بِلُغَتِهِمْ ; فَلَمَّا عَلِمَ اللَّه ذَلِكَ مِنْهُمْ مَنَعَ مِنْ إِطْلَاق ذَلِكَ اللَّفْظ ; لِأَنَّهُ ذَرِيعَة لِلسَّبِّ , وَقَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم " [ الْأَنْعَام : 108 ] فَمَنَعَ مِنْ سَبّ آلِهَتهمْ مَخَافَة مُقَابَلَتهمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ , وَقَوْله تَعَالَى : " وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر " [ الْأَعْرَاف : 163 ] الْآيَة ; فَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الصَّيْد فِي يَوْم السَّبْت ; فَكَانَتْ الْحِيتَان تَأْتِيهِمْ يَوْم السَّبْت شُرَّعًا , أَيْ ظَاهِرَة , فَسَدُّوا عَلَيْهَا يَوْم السَّبْت وَأَخَذُوهَا يَوْم الْأَحَد , وَكَانَ السَّدّ ذَرِيعَة لِلِاصْطِيَادِ ; فَمَسَخَهُمْ اللَّه قِرَدَة وَخَنَازِير ; وَذَكَرَ اللَّه لَنَا ذَلِكَ مَعْنَى التَّحْذِير عَنْ ذَلِكَ ; وَقَوْله تَعَالَى لِآدَم وَحَوَّاء : " وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة " [ الْبَقَرَة : 35 ] وَفْد تَقَدَّمَ . وَأَمَّا السُّنَّة فَأَحَادِيثُ كَثِيرَة ثَابِتَة صَحِيحَة , مِنْهَا حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ أُمّ حَبِيبَة وَأُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُنَّ ذَكَرَتَا كَنِيسَة رَأَيَاهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِير [ فَذَكَرَتَا ذَلِكَ ] لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُل الصَّالِح فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْره مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَر أُولَئِكِ شِرَار الْخَلْق عِنْد اللَّه ) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَفَعَلَ ذَلِكَ أَوَائِلُهُمْ لِيَتَأَنَّسُوا بِرُؤْيَةِ تِلْكَ الصُّوَر وَيَتَذَكَّرُوا أَحْوَالهمْ الصَّالِحَة فَيَجْتَهِدُونَ كَاجْتِهَادِهِمْ وَيَعْبُدُونَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عِنْد قُبُورهمْ , فَمَضَتْ لَهُمْ بِذَلِكَ أَزْمَان , ثُمَّ أَنَّهُمْ خَلَفَ مِنْ بَعْدهمْ خُلُوف جَهِلُوا أَغْرَاضَهُمْ , وَوَسْوَسَ لَهُمْ الشَّيْطَان أَنَّ آبَاءَكُمْ وَأَجْدَادكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ هَذِهِ الصُّورَة فَعَبَدُوهَا ; فَحَذَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مِثْل ذَلِكَ , وَشَدَّدَ النَّكِير وَالْوَعِيد عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ , وَسَدَّ الذَّرَائِعَ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى ذَلِكَ فَقَالَ : ( اِشْتَدَّ غَضَب اللَّه عَلَى قَوْم اِتَّخَذُوا قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِد ) وَقَالَ : ( اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَد ) . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( الْحَلَال بَيِّنٌ وَالْحَرَام بَيِّنٌ وَبَيْنهمَا أُمُور مُتَشَابِهَات فَمَنْ اِتَّقَى الشُّبُهَات اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضه وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَات وَقَعَ فِي الْحَرَام كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِك أَنْ يَقَع فِيهِ ) الْحَدِيث , فَمَنَعَ مِنْ الْإِقْدَام عَلَى الشُّبُهَات مَخَافَة الْوُقُوع فِي الْمُحَرَّمَات ; وَذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَبْلُغُ الْعَبْد أَنْ يَكُون مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ الْبَأْس ) . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ الْكَبَائِر شَتْمَ الرَّجُل وَالِدَيْهِ ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَلْ يَشْتُم الرَّجُل وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ يَسُبّ أَبَا الرَّجُل فَيَسُبّ أَبَاهُ وَيَسُبّ أُمَّهُ فَيَسُبّ أُمَّهُ ) . فَجَعَلَ التَّعَرُّض لِسَبِّ الْآبَاء كَسَبِّ الْآبَاء . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَاب الْبَقَر وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَاد سَلَّطَ اللَّه عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ مِنْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينكُمْ ) . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْهَرَوِيّ : الْعِينَة هُوَ أَنْ يَبِيع الرَّجُل مِنْ رَجُل سِلْعَة بِثَمَنٍ مَعْلُوم إِلَى أَجَل مُسَمًّى , ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَن الَّذِي بَاعَهَا بِهِ . قَالَ : فَإِنْ اِشْتَرَى بِحَضْرَةِ طَالِب الْعِينَة سِلْعَة مِنْ آخَر بِثَمَنٍ مَعْلُوم وَقَبَضَهَا ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ طَالِب الْعِينَة بِثَمَنٍ أَكْثَر مِمَّا اِشْتَرَاهُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِع الْأَوَّل بِالنَّقْدِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَن فَهَذِهِ أَيْضًا عِينَة ; وَهِيَ أَهْوَن مِنْ الْأُولَى , وَهُوَ جَائِز عِنْد بَعْضهمْ . وَسُمِّيَتْ عِينَة لِحُصُولِ النَّقْد لِصَاحِبِ الْعِينَة ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَيْن هُوَ الْمَال الْحَاضِر وَالْمُشْتَرِي إِنَّمَا يَشْتَرِيهَا لِيَبِيعَهَا بِعَيْنِ حَاضِر يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْره . وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَنَّ أُمّ وَلَد لِزَيْدِ بْن الْأَرْقَم ذَكَرَتْ لِعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا بَاعَتْ مِنْ زَيْد عَبْدًا بِثَمَانِمِائَةٍ إِلَى الْعَطَاء ثُمَّ اِبْتَاعَتْهُ مِنْهُ بِسِتِّمِائَةٍ نَقْدًا ; فَقَالَتْ عَائِشَة : بِئْسَ مَا شَرَيْت , وَبِئْسَ مَا اِشْتَرَيْت ! بَلِّغِي زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ لَمْ يَتُبْ . وَمِثْل هَذَا لَا يُقَال بِالرَّأْيِ ; لِأَنَّ إِبْطَال الْأَعْمَال لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى مَعْرِفَتهَا إِلَّا بِالْوَحْيِ ; فَثَبَتَ أَنَّهُ مَرْفُوع إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : دَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَة . وَنَهَى اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ بَيْنهمَا حَرِيزَةٌ .

قُلْت : فَهَذِهِ هِيَ الْأَدِلَّة الَّتِي لَنَا عَلَى سَدّ الذَّرَائِع , وَعَلَيْهِ بَنَى الْمَالِكِيَّة كِتَاب الْآجَال وَغَيْره مِنْ الْمَسَائِل فِي الْبُيُوع وَغَيْرهَا . وَلَيْسَ عِنْد الشَّافِعِيَّة كِتَاب الْآجَال . لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدهمْ عُقُود مُخْتَلِفَة مُسْتَقِلَّة ; قَالُوا : وَأَصْل الْأَشْيَاء عَلَى الظَّوَاهِر لَا عَلَى الظُّنُون . وَالْمَالِكِيَّة جَعَلُوا السِّلْعَة مُحَلَّلَة لِيُتَوَصَّل بِهَا إِلَى دَرَاهِم بِأَكْثَر مِنْهَا , وَهَذَا هُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ ; فَاعْلَمْهُ .

" لَا تَقُولُوا رَاعِنَا " نَهْي يَقْتَضِي التَّحْرِيم , عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقَرَأَ الْحَسَن " رَاعِنًا " مَنُونَةً . وَقَالَ : أَيْ هُجْرًا مِنْ الْقَوْل , وَهُوَ مَصْدَر وَنَصْبه بِالْقَوْلِ ; أَيْ لَا تَقُولُوا رُعُونَةً . وَقَرَأَ زِرّ بْن حُبَيْش وَالْأَعْمَش " رَاعُونَا " ; يُقَال لِمَا نَتَأَ مِنْ الْجَبَل : رَعْن ; وَالْجَبَل أَرْعَن . وَجَيْش أَرْعَن أَيْ مُتَفَرِّق . وَكَذَا رَجُل أَرْعَن ; أَيْ مُتَفَرِّق الْحُجَج وَلَيْسَ عَقْلُهُ مُجْتَمِعًا ; عَنْ النَّحَّاس . وَقَالَ اِبْن فَارِس : رَعِنَ الرَّجُل يَرْعَن رَعَنًا فَهُوَ أَرْعَن ; أَيْ أَهْوَج . وَالْمَرْأَة رَعْنَاء . وَسُمِّيَتْ الْبَصْرَة رَعْنَاء لِأَنَّهَا تُشَبَّهُ بِرَعْنِ الْجَبَل ; قَالَ اِبْن دُرَيْد ذَلِكَ , وَأَنْشَدَ لِلْفَرَزْدَقِ : لَوْلَا اِبْن عُتْبَة عَمْرٌو وَالرَّجَاءُ لَهُ مَا كَانَتْ الْبَصْرَةُ الرَّعْنَاءُ لِي وَطَنَا


أَيْ يَلْوُونَ أَلْسِنَتهمْ عَنْ الْحَقّ أَيْ يُمِيلُونَهَا إِلَى مَا فِي قُلُوبهمْ . وَأَصْل اللَّيّ الْفَتْل , وَهُوَ نَصْب عَلَى الْمَصْدَر , وَإِنْ شِئْت كَانَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْله . وَأَصْله لَوْيًا ثُمَّ أُدْغِمَتْ الْوَاو فِي الْيَاء .



مَعْطُوف عَلَيْهِ أَيْ يَطْعَنُونَ فِي الدِّين , أَيْ يَقُولُونَ لِأَصْحَابِهِمْ لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَدَرَى أَنَّنَا نَسُبُّهُ , فَأَظْهَرَ اللَّه تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَكَانَ مِنْ عَلَامَات نُبُوَّتِهِ , وَنَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الْقَوْل .



" أَقْوَم " أَصْوَب لَهُمْ فِي الرَّأْي .



" فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا " أَيْ إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا لَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ اِسْم الْإِيمَان . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ; وَهَذَا بَعِيد لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَعَنَهُمْ بِكُفْرِهِمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • موضوعات خطبة الجمعة

    موضوعات خطبة الجمعة : هذا البحث يتكون من مبحثين وخاتمة: المبحث الأول عنوانه: سياق الخطبة وأجزاؤها وفيه تسعة مطالب. المبحث الثاني وعنوانه: ضوابط وقواعد لموضوعات خطبة الجمعة، وفيه عشرة مطالب.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142652

    التحميل:

  • السراج المُنير في الثقافة الإسلامية

    السراج المُنير في الثقافة الإسلامية: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذه موضوعاتٌ مُتنوِّعة علميَّة من الفِكر الإسلامي، صِغتُها في صورةِ سُؤالٍ وجوابٍ؛ رجاءَ أن يكون في هذا الأسلوبِ من التصنيفِ ترغيبٌ إلى النفوس، وتحبيبٌ إلى القلوب، وتيسيرٌ على القُرَّاء».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384395

    التحميل:

  • السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

    السياسة الشرعية : رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية والآيات النبوية، لا يستغني عنها الراعي والرعية، كتبها - رحمه الله - في ليلة لما سأله الإمام أن يعلق له شيئا من أحكام الرعايا، وما ينبغي للمتولي.

    المدقق/المراجع: علي بن محمد العمران

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com - مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية - دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/104626

    التحميل:

  • المختصر الميسر لأركان الإسلام والإيمان

    في هذا الكتاب شرح ميسر مختصر لأركان الإسلام والإيمان.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/372696

    التحميل:

  • تذكير البشر بفضل التواضع وذم الكبر

    في هذه الرسالة بيان فضل التواضع، وأسباب الكبر – مظاهره – عاقبته - علاجه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209180

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة