Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 40

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) (النساء) mp3
يْ لَا يَبْخَسُهُمْ وَلَا يُنْقِصُهُمْ مِنْ ثَوَاب عَمَلِهِمْ وَزْن ذَرَّة بَلْ يُجَازِيهِمْ بِهَا وَيُثِيبُهُمْ عَلَيْهَا . وَالْمُرَاد مِنْ الْكَلَام أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَظْلِم قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم النَّاس شَيْئًا " [ يُونُس : 44 ] . وَالذَّرَّة : النَّمْلَة الْحَمْرَاء ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره , وَهِيَ أَصْغَر النَّمْل . وَعَنْهُ أَيْضًا رَأْس النَّمْلَة . وَقَالَ يَزِيد بْن هَارُون : زَعَمُوا أَنَّ الذَّرَّة لَيْسَ لَهَا وَزْن . وَيُحْكَى أَنَّ رَجُلًا وَضَعَ خُبْزًا حَتَّى عَلَاهُ الذَّرُّ مِقْدَار مَا يَسْتُرُهُ ثُمَّ وَزَنَهُ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى وَزْن الْخُبْز شَيْئًا .

قُلْت : وَالْقُرْآن وَالسُّنَّة يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ لِلذَّرَّةِ وَزْنًا ; كَمَا أَنَّ لِلدِّينَارِ وَنِصْفه وَزْنًا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : الذَّرَّة الْخَرْدَلَة ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " فَلَا تُظْلَم نَفْس شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا " [ الْأَنْبِيَاء : 47 ] . وَقِيلَ غَيْر هَذَا , وَهِيَ فِي الْجُمْلَة عِبَارَة عَنْ أَقَلّ الْأَشْيَاء وَأَصْغَرِهَا . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَنَس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مُؤْمِنًا حَسَنَة يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَة وَأَمَّا الْكَافِر فَيُطْعَم بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ لِلَّهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَة لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَة يُجْزَى بِهَا ) .


أَيْ يُكْثِر ثَوَابهَا . وَقَرَأَ أَهْل الْحِجَاز " حَسَنَةٌ " بِالرَّفْعِ , وَالْعَامَّة بِالنَّصْبِ ; فَعَلَى الْأَوَّل " تَكُ " بِمَعْنَى تَحْدُث , فَهِيَ تَامَّة . وَعَلَى الثَّانِي هِيَ النَّاقِصَة , أَيْ إِنْ تَكُ فِعْلَتُهُ حَسَنَة . وَقَرَأَ الْحَسَن " نُضَاعِفْهَا " بِنُونِ الْعَظَمَة . وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ , وَهِيَ أَصَحّ ; لِقَوْلِهِ " وَيُؤْتِ " . وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء " يُضَعِّفْهَا " , وَالْبَاقُونَ " يُضَاعِفْهَا " وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْنَاهُمَا التَّكْثِير . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : " يُضَاعِفهَا " مَعْنَاهُ يَجْعَلهُ أَضْعَافًا كَثِيرَة , " وَيُضَعِّفهَا " بِالتَّشْدِيدِ يَجْعَلهَا ضِعْفَيْنِ . " مِنْ لَدُنْه " مِنْ عِنْده . وَفِيهِ أَرْبَع لُغَات : لَدُنْ وَلُدْن وَلَدُ وَلَدَى ; فَإِذَا أَضَافُوهُ إِلَى أَنْفُسهمْ شَدَّدُوا النُّون , وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ " مِنْ " حَيْثُ كَانَتْ " مِنْ " الدَّاخِلَة لِابْتِدَاءِ الْغَايَة و " لَدُنْ " كَذَلِكَ , فَلَمَّا تَشَاكَلَا حَسُنَ دُخُول " مِنْ " عَلَيْهَا ; وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي لَدُنْ : إِنَّهُ الْمَوْضِع الَّذِي هُوَ أَوَّل الْغَايَة . " أَجْرًا عَظِيمًا " يَعْنِي الْجَنَّة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ الطَّوِيل - حَدِيث الشَّفَاعَة - وَفِيهِ : ( حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّار فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد بِأَشَدَّ مُنَاشَدَة لِلَّهِ فِي اِسْتِقْصَاء الْحَقّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْم الْقِيَامَة لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّار يَقُولُونَ رَبّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ فَيُقَال لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَتُحَرَّم صُوَرهمْ عَلَى النَّار فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّار إِلَى نِصْف سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَقُولُونَ رَبّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَد مِمَّنْ أَمَرْتنَا بِهِ فَيَقُول جَلَّ وَعَزَّ اِرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال دِينَار مِنْ خَيْر فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتنَا بِهِ ثُمَّ يَقُول اِرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال نِصْف دِينَار مِنْ خَيْر فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتنَا أَحَدًا ثُمَّ يَقُول اِرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ خَيْر فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا ) . وَكَانَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ يَقُول : إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيث فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَالَ ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا " وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُوقَف وَيُنَادِي مُنَادٍ عَلَى رُءُوس الْخَلَائِق هَذَا فُلَان بْن فُلَان مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقّه ثُمَّ يَقُول آتِ هَؤُلَاءِ حُقُوقهمْ فَيَقُول يَا رَبّ مِنْ أَيْنَ لِي وَقَدْ ذَهَبَتْ الدُّنْيَا عَنِّي فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ اُنْظُرُوا إِلَى أَعْمَاله الصَّالِحَة فَأَعْطُوهُمْ مِنْهَا فَإِنْ بَقِيَ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ حَسَنَة قَالَتْ الْمَلَائِكَة يَا رَبّ - وَهُوَ أَعْلَم بِذَلِكَ مِنْهُمْ - قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقّ حَقَّهُ وَبَقِيَ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ حَسَنَة فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ ضَعِّفُوهَا لِعَبْدِي وَأَدْخِلُوهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِي الْجَنَّة وَمِصْدَاقه " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفْهَا " - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَتْ الْمَلَائِكَة إِلَهَنَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَبَقِيَتْ سَيِّئَاتُهُ وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِير فَيَقُول تَعَالَى خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتهمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاته ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّار ) . فَالْآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي الْخُصُوم , وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة لِلْخَصْمِ عَلَى الْخَصْم يَأْخُذُ لَهُ مِنْهُ , وَلَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة تَبْقَى لَهُ بَلْ يُثِيبُهُ عَلَيْهَا وَيُضَعِّفهَا لَهُ ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفْهَا " . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ يُعْطِي عَبْده الْمُؤْمِن بِالْحَسَنَةِ الْوَاحِدَة أَلْفَيْ أَلْف حَسَنَة ) وَتَلَا " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا " . قَالَ عَبِيدَة : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : وَإِذَا قَالَ اللَّه " أَجْرًا عَظِيمًا " فَمَنْ الَّذِي يَقَدِّرُ قَدْرَهُ ! وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود : أَنَّ هَذِهِ الْآيَة إِحْدَى الْآيَات الَّتِي هِيَ خَيْر مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • قطوف من الشمائل المحمدية والأخلاق النبوية والآداب الإسلامية

    كتاب مختصر يحتوي على قطوف من الشمائل المحمدية، حيث بين المصنف بعض أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وآدابه، وتواضعه، وحلمه، وشجاعته، وكرمه ... إلخ من الأمور التي ينبغي أن يحرص كل مسلم أن يعرفها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد حرصنا على توفير نسخة مصورة من الكتاب؛ حتى يسهل طباعتها ونشرها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/57659

    التحميل:

  • التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل

    التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل: هو مستدرك قام فيه الشيخ - حفظه الله - بتخريج الأحاديث والآثار التي لم يحكم عليها العلامة الألباني - رحمه الله - في كتابه: «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل».

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314984

    التحميل:

  • درء تعارض العقل والنقل

    درء تعارض العقل والنقل : يعدُّ هذا الكتاب من أنفس كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، كما صرح بذلك معظم الذين ترجموا له. وموضوعه: كما يدل عنوانه هو دفع التعارض الذي أقامه المتكلمون والفلاسفة بين العقل والنقل، فيقرر الشيخ الأدلة السمعية، ويبرهن على إفادتها القطع واليقين، فيقول: أما كتابنا هذا فهو في بيان انتفاء المعارض العقلي وأبطال قول من زعيم تقديم الأدلة العقلية مطلقاً.

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272829

    التحميل:

  • حاشية الشيخ ابن باز على بلوغ المرام

    حاشية سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - على بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر - رحمه الله - وهو كتاب جمع فيه مؤلفه - باختصار - أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، وكان اعتماده بشكل رئيس على الكتب الستة، إضافة إلى مسند أحمد، وصحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم، وغير ذلك من المصنفات والمصادر الحديثية. وقد اشتهر هذا الكتاب شهرة واسعة، وحظي باهتمام الكثيرين من أهل العلم قديماً وحديثاً، حتى إنه غدا من أهم الكتب المقررة في كثير من المساجد والمعاهد الشرعية في العالم الإسلامي. وقد قام عدد كبير من أهل العلم بشرحه مثل الأمير الصنعاني، والعلامة ابن باز، والعلامة العثيمين، وغيرهم - رحمهم الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191807

    التحميل:

  • الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

    الطرق الحكمية في السياسة الشرعية : هذا الكتاب من أفضل الكتب التي وضعت في أصول القضاء الشرعي وتحقيق طرقه التي تلائم سياسة الأمم بالعدل وحالة العمران في كل زمان.

    المدقق/المراجع: نايف بن أحمد الحمد

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265612

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة