Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 33

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33) (النساء) mp3
بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَان وَرَثَةً وَمَوَالِيَ ; فَلْيَنْتَفِعْ كُلّ وَاحِد بِمَا قَسَمَ اللَّه لَهُ مِنْ الْمِيرَاث , وَلَا يَتَمَنَّ مَال غَيْر . وَرَوَى الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْفَرَائِض مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس : " وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ " قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَة يَرِث الْأَنْصَارِيّ الْمُهَاجِرِيَّ دُون ذَوِي رَحِمِهِ ; لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ , فَلَمَّا نَزَلَتْ " وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ " قَالَ : نَسَخَتْهَا " وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ " . قَالَ أَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال : وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ " وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ " قَالَ : نَسَخَتْهَا " وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ " . وَالصَّوَاب أَنَّ الْآيَة النَّاسِخَة " وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ " وَالْمَنْسُوخَة " وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ " , وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ فِي رِوَايَته . وَرُوِيَ , عَنْ جُمْهُور السَّلَف أَنَّ الْآيَة النَّاسِخَة لِقَوْلِهِ : " وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ " قَوْله تَعَالَى فِي " الْأَنْفَال " : " وَأُولُوا الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ " [ الْأَنْفَال : 75 ] . رُوِيَ هَذَا عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ ; وَهُوَ الَّذِي أَثْبَتَهُ أَبُو عُبَيْد فِي كِتَاب " النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ " لَهُ . وَفِيهَا قَوْل آخَر رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الَّذِينَ تَبَنَّوْا غَيْر أَبْنَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَوَرِثُوا فِي الْإِسْلَام أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّة وَرَدّ الْمِيرَاث إِلَى ذَوِي الرَّحِم وَالْعَصَبَة . وَقَالَتْ طَائِفَة : قَوْله تَعَالَى : " وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ " مُحْكَم وَلَيْسَ بِمَنْسُوخٍ ; وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُعْطُوا الْحُلَفَاء أَنْصِبَاءَهُمْ مِنْ النُّصْرَة وَالنَّصِيحَة وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . " وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ " مِنْ النُّصْرَة وَالنَّصِيحَة وَالرِّفَادَة وَيُوصِي لَهُمْ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاث ; وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ .

قُلْت : وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس ; وَرَوَاهُ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , وَلَا يَصِحّ النَّسْخ ; فَإِنَّ الْجَمْع مُمْكِنٌ كَمَا بَيَّنَهُ اِبْن عَبَّاس فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ , وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ فِي كِتَاب التَّفْسِير . وَسَيَأْتِي مِيرَاث " ذَوِي الْأَرْحَام " فِي " الْأَنْفَالِ " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

" كُلّ " فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَاهَا الْإِحَاطَة وَالْعُمُوم . فَإِذَا جَاءَتْ مُفْرَدَة فَلَا بُدّ أَنْ يَكُون فِي الْكَلَام حَذْف عِنْد جَمِيع النَّحْوِيِّينَ ; حَتَّى إِنَّ بَعْضهمْ أَجَازَ مَرَرْت بِكُلٍّ , مِثْل قَبْل وَبَعْد . وَتَقْدِير الْحَذْف : وَلِكُلِّ أَحَد جَعَلْنَا مَوَالِيَ , يَعْنِي وَرَثَة . " وَاَلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ " يَعْنِي بِالْحَلِفِ ; عَنْ قَتَادَة . وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُل كَانَ يُعَاقِد الرَّجُل فَيَقُول : دَمِي دَمُك , وَهَدْمِي هَدْمُك , وَثَأْرِي ثَأْرك , وَحَرْبِي حَرْبك , وَسِلْمِي سِلْمُك , وَتَرِثُنِي وَأَرِثُك , وَتَطْلُب بِي وَأَطْلُب بِك , وَتَعْقِل عَنِّي وَأَعْقِل عَنْك ; فَيَكُون لِلْحَلِيفِ السُّدُس مِنْ مِيرَاث الْحَلِيف ثُمَّ نُسِخَ .

قَوْله تَعَالَى : " مَوَالِيَ " أَعْلَم أَنَّ الْمَوْلَى لَفْظ مُشْتَرَك يُطْلَق عَلَى وُجُوه ; فَيُسَمَّى الْمُعْتَق مَوْلًى وَالْمُعْتِق مَوْلًى . وَيُقَال : الْمَوْلَى الْأَسْفَل وَالْأَعْلَى أَيْضًا . وَيُسَمَّى النَّاصِر الْمَوْلَى ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ " [ مُحَمَّد : 11 ] . وَيُسَمَّى اِبْن الْعَمّ مَوْلَى وَالْجَار مَوْلَى . فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : " وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ " يُرِيد عَصَبَة ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَا أَبْقَتْ السِّهَام فَلِأَوْلَى عَصَبَة ذَكَرٍ ) . وَمِنْ الْعَصَبَات الْمَوْلَى الْأَعْلَى لَا الْأَسْفَل , عَلَى قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء ; لِأَنَّ الْمَفْهُوم فِي حَقّ الْمُعْتِق أَنَّهُ الْمُنْعِم عَلَى الْمُعْتَق , كَالْمُوجِدِ لَهُ ; فَاسْتَحَقَّ مِيرَاثه لِهَذَا الْمَعْنَى . وَحَكَى الطَّحَاوِيّ عَنْ الْحَسَن بْن زِيَاد أَنَّ الْمَوْلَى الْأَسْفَل يَرِث مِنْ الْأَعْلَى ; وَاحْتَجَّ فِيهِ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ فَمَاتَ الْمُعْتِق وَلَمْ يَتْرُك إِلَّا الْمُعْتَق فَجَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثه لِلْغُلَامِ الْمُعْتَق . قَالَ الطَّحَاوِيّ : وَلَا مُعَارِض لِهَذَا الْحَدِيث , فَوَجَبَ الْقَوْل بِهِ ; وَلِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ إِثْبَات الْمِيرَاث لِلْمُعْتِقِ عَلَى تَقْدِير أَنَّهُ كَانَ كَالْمُوجِدِ لَهُ , فَهُوَ شَبِيه بِالْأَبِ ; وَالْمَوْلَى الْأَسْفَل شَبِيه بِالِابْنِ ; وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَة بَيْنهمَا فِي الْمِيرَاث , وَالْأَصْل أَنَّ الِاتِّصَال يَعُمُّ . وَفِي الْخَبَر ( مَوْلَى الْقَوْم مِنْهُمْ ) . وَاَلَّذِينَ خَالَفُوا هَذَا وَهُمْ الْجُمْهُور قَالُوا : الْمِيرَاث . يَسْتَدْعِي الْقَرَابَة وَلَا قَرَابَة , غَيْر أَنَّا أَثْبَتْنَا لِلْمُعْتِقِ الْمِيرَاث بِحُكْمِ الْإِنْعَام عَلَى الْمُعْتَق ; فَيَقْتَضِي مُقَابَلَة الْإِنْعَام بِالْمُجَازَاةِ , وَذَلِكَ لَا يَنْعَكِس فِي الْمَوْلَى الْأَسْفَل . وَأَمَّا الِابْن فَهُوَ أَوْلَى النَّاس بِأَنْ يَكُون خَلِيفَة أَبِيهِ وَقَائِمًا مَقَامَهُ , وَلَيْسَ الْمُعْتَق صَالِحًا لِأَنْ يَقُوم مَقَام مُعْتِقِهِ , وَإِنَّمَا الْمُعْتِق قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ فَقَابَلَهُ الشَّرْع بِأَنْ جَعَلَهُ أَحَقَّ بِمَوْلَاهُ الْمُعْتَق , وَلَا يُوجَد هَذَا فِي الْمَوْلَى الْأَسْفَل ; فَظَهَرَ الْفَرْق بَيْنهمَا وَاَللَّه أَعْلَم .


رَوَى عَلِيّ بْن كَبْشَة عَنْ حَمْزَة " عَقَّدَتْ " بِتَشْدِيدِ الْقَاف عَلَى التَّكْثِير . وَالْمَشْهُور عَنْ حَمْزَة " عَقَدَتْ أَيْمَانكُمْ " مُخَفَّفَة الْقَاف , وَهِيَ قِرَاءَة عَاصِم وَالْكِسَائِيّ , وَهِيَ قِرَاءَة بَعِيدَة ; لِأَنَّ الْمُعَاقَدَة لَا تَكُون إِلَّا مِنْ اِثْنَيْنِ فَصَاعِدًا , فَبَابُهَا فَاعَلَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَقِرَاءَة حَمْزَة تَجُوز عَلَى غُمُوض فِي الْعَرَبِيَّة , يَكُون التَّقْدِير فِيهَا وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْهُمْ أَيْمَانُكُمْ الْحِلْف , وَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; وَتَقْدِيره : عَقَدَتْ لَهُمْ أَيْمَانكُمْ الْحِلْف , ثُمَّ حُذِفَتْ اللَّام مِثْل قَوْله تَعَالَى : " وَإِذَا كَالُوهُمْ " [ الْمُطَفِّفِينَ : 3 ] أَيْ كَالُوا لَهُمْ . وَحُذِفَ الْمَفْعُول الثَّانِي , كَمَا يُقَال : كِلْتُك أَيْ كِلْت لَك بُرًّا . وَحُذِفَ الْمَفْعُول الْأَوَّل لِأَنَّهُ مُتَّصِل فِي الصِّلَة .



أَيْ قَدْ شَهِدَ مُعَاقَدَتَكُمْ إِيَّاهُمْ , وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْوَفَاء .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تكريم الإسلام للمرأة

    تكريم الإسلام للمرأة: من كمال الدين الإسلامي وجماله: تكريمه للمرأة المسلمة، وصيانته لها، وعنايته بحقوقها، ومنعه من ظلمها والاعتداء عليها، أو استغلال ضعفها، أو نحو ذلك، وجعل لها في نفسها ولمن تعيش معهم من الضوابط العظيمة، والتوجيهات الحكيمة، والإرشادات القويمة ما يُحقِّق لها حياةً هنيَّة، ومعيشة سويَّة، وأُنسًا وسعادة في الدنيا والآخرة. وفي هذه الرسالة بيان كيف كرَّم الإسلام المرأة وأوجه هذا التكريم.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208990

    التحميل:

  • نصيحة جامعة لعموم أهل الإسلام والإيمان

    نصيحة جامعة لعموم أهل الإسلام والإيمان: يحتوي الكتاب على بعض الأبواب منها وجوب المحافظة على الصلاة وبعض آدابها، خُلُق المسلم، اجتناب الفَواحِش، آفات اللسِان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2579

    التحميل:

  • روح وريحان

    قالت المؤلفة: من خلال اطلاعي على كتب التفسير المختلفة، وأساليب حفظ القرآن الكريم المتنوعة، أدركت أهمية المعنى وترابط الأفكار في السور في تسهيل وتيسير الحفظ ، حيث أن الإنسان يبقى في ذهنه التصور العام للآيات مهما تمادى به الزمن وإن لم يراجعها بإذن الله تعالى، فعكفت على جمع الموضوعات الأساسية لكل سورة على حدة مستعينة بكتب التفاسير القيّمة ، وقمت بصياغتها بشكل متسلسل مترابط على شكل نقاط متتابعة وأفكار متكاملة، تيسيرا على المسلم الباحث عن وسيلة مبسّطة تعينه على الإلمام بجوّ السورة العام في وقت مقتضب، وكذلك لمساعدة طلاب حلقات القرآن الكريم على تثبيت حفظهم للسور بمراجعتهم لأهم موضوعاتها ومعانيها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371330

    التحميل:

  • الواجبات المتحتمات المعرفة على كل مسلم ومسلمة

    الواجبات المتحتمات المعرفة على كل مسلم ومسلمة: رسالة مختصرة ونفيسة تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، مع بيان شروط لا إله إلا الله، ثم بيان نواقض الإسلام، ثم بيان أقسام التوحيد مع ذكر ضده وهو الشرك، مع بيان أقسامه.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332950

    التحميل:

  • كشف الكربة في وصف أهل الغربة

    هذه الرسالة تحتوي على وصف أهل الغربة، الذين قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - { بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء }.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116946

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة