Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 22

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) (النساء) mp3
يُقَال : كَانَ النَّاس يَتَزَوَّجُونَ اِمْرَأَة الْأَب بِرِضَاهَا بَعْد نُزُول قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا " [ النِّسَاء : 19 ] حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ " فَصَارَ حَرَامًا فِي الْأَحْوَال كُلّهَا ; لِأَنَّ النِّكَاح يَقَع عَلَى الْجِمَاع وَالتَّزَوُّج , فَإِنْ كَانَ الْأَب تَزَوَّجَ اِمْرَأَة أَوْ وَطِئَهَا بِغَيْرِ نِكَاح حَرُمَتْ عَلَى اِبْنِهِ ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

" مَا نَكَحَ " قِيلَ : الْمُرَاد بِهَا النِّسَاء . وَقِيلَ : الْعَقْد , أَيْ نِكَاح آبَاؤُكُمْ الْفَاسِد الْمُخَالِف لِدِينِ اللَّه ; إِذْ اللَّه قَدْ أَحْكَمَ وَجْه النِّكَاح وَفَصَّلَ شُرُوطه . وَهُوَ اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ . فَ " مِنْ " مُتَعَلِّقَة بِ " تَنْكِحُوا " و " مَا نَكَحَ " مَصْدَر . قَالَ : وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ وَلَا تَنْكِحُوا النِّسَاء اللَّاتِي نَكَحَ آبَاؤُكُمْ لَوَجَبَ أَنْ يَكُون مَوْضِع " مَا " " مَنْ " . فَالنَّهْي عَلَى هَذَا إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى أَلَّا يَنْكِحُوا مِثْل نِكَاح آبَائِهِمْ الْفَاسِد . وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَتَكُون " مَا " بِمَعْنَى " الَّذِي " و " مَنْ " . وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّ الصَّحَابَة تَلَقَّتْ الْآيَة عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ; وَمِنْهُ اِسْتَدَلَّتْ عَلَى مَنْع نِكَاح الْأَبْنَاء حَلَائِل الْآبَاء . وَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَب قَبَائِل قَدْ أَعْتَادَتْ أَنْ يَخْلُف اِبْن الرَّجُل عَلَى اِمْرَأَة أَبِيهِ , وَكَانَتْ هَذِهِ السِّيرَة فِي الْأَنْصَار لَازِمَة , وَكَانَتْ فِي قُرَيْش مُبَاحَة مَعَ التَّرَاضِي . أَلَا تَرَى أَنَّ عَمْرو بْن أُمَيَّة خَلَفَ عَلَى اِمْرَأَة أَبِيهِ بَعْد مَوْته فَوَلَدَتْ لَهُ مُسَافِرًا وَأَبَا مُعَيْط , وَكَانَ لَهَا مِنْ أُمَيَّة أَبُو الْعِيص وَغَيْره ; فَكَانَ بَنُو أُمَيَّة إِخْوَة مُسَافِر وَأَبِي مُعَيْط وَأَعْمَامَهُمَا . وَمِنْ ذَلِكَ صَفْوَان بْن أُمَيَّة بْن خَلَف تَزَوَّجَ بَعْد أَبِيهِ اِمْرَأَتَهُ فَاخِتَة بِنْت الْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب بْن أَسَد , وَكَانَ أُمَيَّة قُتِلَ عَنْهَا . وَمِنْ ذَلِكَ مَنْظُور بْن زَبَّان خَلَف عَلَى مُلَيْكَة بِنْت خَارِجَة , وَكَانَتْ تَحْت أَبِيهِ زَبَّان بْن سَيَّار . وَمِنْ ذَلِكَ حِصْن بْن أَبِي قَيْس تَزَوَّجَ اِمْرَأَة أَبِيهِ كُبَيْشَة بِنْت مَعْن . وَالْأَسْوَد بْن خَلَف تَزَوَّجَ اِمْرَأَة أَبِيهِ . وَقَالَ الْأَشْعَث بْن سِوَار : تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَار فَخَطَبَ اِبْنه قَيْس اِمْرَأَة أَبِيهِ فَقَالَتْ : إِنِّي أَعُدُّك وَلَدًا , وَلَكِنِّي آتِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَأْمِرُهُ ; فَأَتَتْهُ فَأَخْبَرَتْهُ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . وَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَب مَنْ تَزَوَّجَ اِبْنَتَهُ , وَهُوَ حَاجِب بْن زُرَارَة تَمَجَّسَ وَفَعَلَ هَذِهِ الْفَعْلَة ; ذَكَرَ ذَلِكَ النَّضْر بْن شُمَيْل فِي كِتَاب الْمَثَالِب . فَنَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ مِنْ هَذِهِ السِّيرَة .


أَيْ تَقَدَّمَ وَمَضَى . وَالسَّلَف ; مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ آبَائِك وَذَوِي قَرَابَتك . وَهَذَا اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع , أَيْ لَكِنَّ مَا قَدْ سَلَفَ فَاجْتَنِبُوهُ وَدَعُوهُ . وَقِيلَ : " إِلَّا " بِمَعْنَى بَعْد , أَيْ بَعْد مَا سَلَفَ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى " [ الدُّخَان : 56 ] أَيْ بَعْد الْمَوْتَة الْأُولَى . وَقِيلَ : " إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " أَيْ وَلَا مَا سَلَفَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً " [ النِّسَاء : 92 ] يَعْنِي وَلَا خَطَأً . وَقِيلَ : فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير , مَعْنَاهُ : وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ . وَقِيلَ : فِي الْآيَة إِضْمَار لِقَوْلِهِ " وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء " فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ تُعَاقَبُونَ وَتُؤَاخَذُونَ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ .



عَقَّبَ بِالذَّمِّ الْبَالِغ الْمُتَتَابِع , وَذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ فِعْل اِنْتَهَى مِنْ الْقُبْح إِلَى الْغَايَة . قَالَ أَبُو الْعَبَّاس : سَأَلْت اِبْن الْأَعْرَابِيّ عَنْ نِكَاح الْمَقْت فَقَالَ : هُوَ أَنْ يَتَزَوَّج الرَّجُل اِمْرَأَة أَبِيهِ إِذَا طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا ; وَيُقَال لِهَذَا الرَّجُل : الضَّيْزَن . وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : كَانَتْ الْعَرَب إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُل اِمْرَأَة أَبِيهِ فَأَوْلَدَهَا قِيلَ لِلْوَلَدِ : الْمَقْتِيّ . وَأَصْل الْمَقْت الْبُغْض ; مِنْ مَقَتَهُ يَمْقُتُهُ مَقْتًا فَهُوَ مَمْقُوت وَمَقِيت . فَكَانَتْ الْعَرَب تَقُول لِلرَّجُلِ مِنْ اِمْرَأَة أَبِيهِ : مَقِيت ; فَسَمَّى تَعَالَى هَذَا النِّكَاح " مَقْتًا " إِذْ هُوَ ذَا مَقْت يَلْحَق فَاعِلَهُ . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْآيَةِ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَطَأ الرَّجُل اِمْرَأَة وَطِئَهَا الْآبَاء , إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ الْآبَاء فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ الزِّنَى بِالنِّسَاءِ لَا عَلَى وَجْه الْمُنَاكَحَة فَإِنَّهُ جَائِز لَكُمْ زَوَاجُهُنَّ . وَأَنْ تَطَئُوا بِعَقْدِ النِّكَاح مَا وَطِئَهُ آبَاؤُكُمْ مِنْ الزِّنَى ; قَالَ اِبْن زَيْد : وَعَلَيْهِ فَيَكُون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا , وَيَكُون أَصْلًا فِي أَنَّ الزِّنَى لَا يُحَرِّمُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحها العديد من أهل العلم، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان - رحمه الله -، وذلك في صورة سؤال وجواب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2563

    التحميل:

  • أروع القيم الحضارية في سيرة خير البرية

    أروع القيم الحضارية في سيرة خير البرية: مناسبة كتابة هذا البحث هي تنامي ظاهرة الإساءة إلى الإسلام، وتتابع حملات الطعن في مقدسات المسلمين، والسخرية من شعائرهم وشرائعهم، في حملات مسعورة يقودها ساسة ورجال دين، تُساندهم وسائل إعلام متنوعة، إلى أن وصلت هذه الحملات للتعرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإساءة إلى شخصه الكريم، وتناول زوجاته الطاهرات، والتشويه لجهاده في سبيل الله. - والكتاب من تأليف: انجوغو امبكي صمب.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346602

    التحميل:

  • صلاة الخوف في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة الخوف في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مهمة في بيان مفهوم صلاة الخوف، وبيان سماحة الإسلام ويسر الشريعة ومحاسنها مع الكمال ورفع الحرج ... إلخ.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1949

    التحميل:

  • خير نساء العالمين

    خير نساء العالمين : في هذا الكتاب مقتطفات من سيرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدمها المصنف إلى كل مسلمة تبحث عن القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة من بنات جنسها.

    الناشر: دار الصحابة للتراث بطنطا

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/76437

    التحميل:

  • حديث: «مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم» دراسة حديثية دعوية

    حديث: «مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم» دراسة حديثية دعوية: في هذه الرسالة دراسة لهذا الحديث فهمًا، واستنباطًا للأحكام القيمة، والدروس النافعة بقدر المستطاع، ليكون دليلاً وهاديًا لكل مسلم، وبالأخص لكل داعيةٍ يريد سلوك صراط الله تعالى على فهمٍ وبصيرةٍ.

    الناشر: شبكة السنة النبوية وعلومها www.alssunnah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330178

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة