Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 2

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) (النساء) mp3
وَأَرَادَ بِالْيَتَامَى الَّذِينَ كَانُوا أَيْتَامًا ; كَقَوْلِهِ : " وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ " [ الْأَعْرَاف : 120 ] وَلَا سِحْر مَعَ السُّجُود , فَكَذَلِكَ لَا يُتْم مَعَ الْبُلُوغ . وَكَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَتِيم أَبِي طَالِب " اِسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ . " وَآتُوا " أَيْ أَعْطُوا . وَالْإِيتَاء الْإِعْطَاء . وَلِفُلَانٍ أَتْوٌ , أَيْ عَطَاء . أَبُو زَيْد : أَتَوْت الرَّجُل آتُوهُ إِتَاوَة , وَهِيَ الرِّشْوَة . وَالْيَتِيم مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى . وَهَذِهِ الْآيَة خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاء . نَزَلَتْ - فِي قَوْل مُقَاتِل وَالْكَلْبِيّ - فِي رَجُل مِنْ غَطَفَان كَانَ مَعَهُ مَال كَثِير لِابْنِ أَخٍ لَهُ يَتِيم , فَلَمَّا بَلَغَ الْيَتِيم طَلَبَ الْمَالَ فَمَنَعَهُ عَمُّهُ ; فَنَزَلَتْ , فَقَالَ الْعَمّ : نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْحُوب الْكَبِير ! وَرَدَّ الْمَال . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَرَجَعَ بِهِ هَكَذَا فَإِنَّهُ يُحِلّ دَارَهُ ) يَعْنِي جَنَّتَهُ . فَلَمَّا قَبَضَ الْفَتَى الْمَالَ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيل اللَّه , فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( ثَبَتَ الْأَجْرُ وَبَقِيَ الْوِزْرُ ) . فَقِيلَ : كَيْفَ يَا رَسُول اللَّه ؟ فَقَالَ : ( ثَبَتَ الْأَجْرُ لِلْغُلَامِ وَبَقِيَ الْوِزْر عَلَى وَالِده ) لِأَنَّهُ كَانَ مُشْرِكًا .

وَإِيتَاء الْيَتَامَى أَمْوَالهمْ يَكُون بِوَجْهَيْنِ :

أَحَدهمَا - إِجْرَاء الطَّعَام وَالْكِسْوَة مَا دَامَتْ الْوِلَايَة ; إِذْ لَا يُمْكِنُ إِلَّا ذَلِكَ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقّ الْأَخْذ الْكُلِّيّ وَالِاسْتِبْدَاد كَالصَّغِيرِ وَالسَّفِيه الْكَبِير .

الثَّانِي - الْإِيتَاء بِالتَّمَكُّنِ وَإِسْلَامِ الْمَالِ إِلَيْهِ , وَذَلِكَ عِنْد الِابْتِلَاء وَالْإِرْشَاد , وَتَكُون تَسْمِيَتُهُ مَجَازًا , الْمَعْنَى : الَّذِي كَانَ يَتِيمًا , وَهُوَ اِسْتِصْحَاب الِاسْم ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ " [ الْأَعْرَاف : 120 ] أَيْ الَّذِينَ كَانُوا سَحَرَةً . وَكَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَتِيم أَبِي طَالِب " . فَإِذَا تَحَقَّقَ الْوَلِيُّ رُشْدَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ إِمْسَاك مَاله عَنْهُ وَكَانَ عَاصِيًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَة أُعْطِيَ مَالَهُ كُلَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ , لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَدًّا .

قُلْت : لَمَّا لَمْ يَذْكُرْ اللَّه تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة إِينَاسَ الرُّشْد وَذَكَرَهُ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاح فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ " [ النِّسَاء : 6 ] . قَالَ أَبُو بَكْر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ فِي أَحْكَام الْقُرْآن : لَمَّا لَمْ يُقَيَّدْ الرُّشْدُ فِي مَوْضِعٍ وَقُيِّدَ فِي مَوْضِع وَجَبَ اِسْتِعْمَالهمَا , فَأَقُول : إِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَة وَهُوَ سَفِيهٌ لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْد , وَجَبَ دَفْع الْمَال إِلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَجِب , عَمَلًا بِالْآيَتَيْنِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَمَّا بَلَغَ رُشْدَهُ صَارَ يَصْلُح أَنْ يَكُون جَدًّا فَإِذَا صَارَ يَصْلُح أَنْ يَكُون جَدًّا فَكَيْفَ يَصِحّ إِعْطَاؤُهُ الْمَال بِعِلَّةِ الْيُتْم وَبِاسْمِ الْيَتِيم ؟ ! وَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا فِي غَايَة الْبُعْد ؟ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا بَاطِل لَا وَجْه لَهُ ; لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْله الَّذِي يَرَى الْمُقَدَّرَات لَا تَثْبُت قِيَاسًا وَإِنَّمَا تُؤْخَذ مِنْ جِهَة النَّصّ , وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة . وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْحَجْر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


أَيْ لَا تَتَبَدَّلُوا الشَّاةَ السَّمِينَةَ مِنْ مَال الْيَتِيم بِالْهَزِيلَةِ , وَلَا الدِّرْهَمَ الطَّيِّبَ بِالزَّيْفِ . وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لِعَدَمِ الدِّين لَا يَتَحَرَّجُونَ عَنْ أَمْوَال الْيَتَامَى , فَكَانُوا يَأْخُذُونَ الطَّيِّب وَالْجَيِّد مِنْ أَمْوَال الْيَتَامَى وَيُبَدِّلُونَهُ بِالرَّدِيءِ مِنْ أَمْوَالهمْ ; وَيَقُولُونَ : اِسْمٌ بِاسْمٍ وَرَأْسٌ بِرَأْسٍ ; فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ . هَذَا قَوْل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالزُّهْرِيّ وَالسُّدِّيّ وَالضَّحَّاك وَهُوَ ظَاهِر الْآيَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ خَبِيثَةٌ وَتَدَعُوا الطَّيِّبَ وَهُوَ مَالُكُمْ . وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو صَالِح وَبَاذَان : لَا تَتَعَجَّلُوا أَكْل الْخَبِيث مِنْ أَمْوَالهمْ وَتَدَعُوا اِنْتِظَارَ الرِّزْق الْحَلَال مِنْ عِنْد اللَّه . وَقَالَ اِبْن زَيْد : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَيَأْخُذُ الْأَكْبَرُ الْمِيرَاثَ . عَطَاء : لَا تَرْبَحْ عَلَى يَتِيمِك الَّذِي عِنْدَك وَهُوَ غِرٌّ صَغِيرٌ . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ خَارِجَانِ عَنْ ظَاهِر الْآيَة ; فَإِنَّهُ يُقَال : تَبَدَّلَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ أَيْ أَخَذَهُ مَكَانَهُ . وَمِنْهُ الْبَدَل .



قَالَ مُجَاهِد : وَهَذِهِ الْآيَة نَاهِيَة عَنْ الْخَلْط فِي الْإِنْفَاق ; فَإِنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَخْلِط نَفَقَتَهَا بِنَفَقَةِ أَيْتَامهَا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ , ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ " وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ " [ الْبَقَرَة : 220 ] . وَقَالَ اِبْن فُورَك عَنْ الْحَسَن : تَأَوَّلَ النَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة النَّهْي عَنْ الْخَلْط فَاجْتَنَبُوهُ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ , فَخُفِّفَ عَنْهُمْ فِي آيَة الْبَقَرَة . وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ : إِنَّ " إِلَى " بِمَعْنَى مَعَ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه " [ الصَّفّ : 14 ] . وَأَنْشَدَ الْقُتَبِيّ : يَسُدُّونَ أَبْوَابَ الْقِبَابِ بِضُمَّرٍ إِلَى عُنُنٍ مُسْتَوْثِقَاتِ الْأَوَاصِرِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ . وَقَالَ الْحُذَّاق : " إِلَى " عَلَى بَابهَا وَهِيَ تَتَضَمَّنُ الْإِضَافَةَ , أَيْ لَا تُضِيفُوا أَمْوَالَهُمْ وَتَضُمُّوهَا إِلَى أَمْوَالكُمْ فِي الْأَكْل . فَنُهُوا أَنْ يَعْتَقِدُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى كَأَمْوَالِهِمْ فَيَتَسَلَّطُوا عَلَيْهَا بِالْأَكْلِ وَالِانْتِفَاع .



" إِنَّهُ " أَيْ الْأَكْل " كَانَ حُوبًا كَبِيرًا " أَيْ إِثْمًا كَبِيرًا ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَغَيْرهمَا . يُقَال : حَابَ الرَّجُل يَحُوب حُوبًا إِذَا أَثِمَ . وَأَصْله الزَّجْر لِلْإِبِلِ ; فَسُمِّيَ الْإِثْم حُوبًا ; لِأَنَّهُ يُزْجَر عَنْهُ وَبِهِ . وَيُقَال فِي الدُّعَاء : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ حَوْبَتِي ; أَيْ إِثْمِي . وَالْحَوْبَة أَيْضًا الْحَاجَة . وَمِنْهُ فِي الدُّعَاء : إِلَيْك أَرْفَع حَوْبَتِي ; أَيْ حَاجَتِي . وَالْحَوْب الْوَحْشَة ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِأَبِي أَيُّوب : ( إِنَّ طَلَاق أُمّ أَيُّوب لَحَوْب ) . وَفِيهِ ثَلَاث لُغَات " حُوبًا " بِضَمِّ الْحَاء وَهِيَ قِرَاءَة الْعَامَّة وَلُغَة أَهْل الْحِجَاز . وَقَرَأَ الْحَسَن " حَوْبًا " بِفَتْحِ الْحَاء . وَقَالَ الْأَخْفَش : وَهِيَ لُغَة تَمِيم . مُقَاتِل : لَغْهُ الْحَبَش . وَالْحُوب الْمَصْدَر , وَكَذَلِكَ الْحِيَابَة . وَالْحُوب الِاسْم . وَقَرَأَ أُبَيّ بْن كَعْب " حَابًا " عَلَى الْمَصْدَر مِثْل الْقَال . وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِسْمًا مِثْل الزَّاد . وَالْحَوْأَب ( بِهَمْزَةٍ بَعْد الْوَاو ) . الْمَكَان الْوَاسِع . وَالْحَوْأَب مَاء أَيْضًا . وَيُقَال : أَلْحَقَ اللَّه بِهِ الْحَوْبَة أَيْ الْمَسْكَنَة وَالْحَاجَة ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : بَاتَ بِحَيْبَةِ سُوء . وَأَصْل الْيَاء الْوَاو . وَتَحَوَّبَ فُلَان أَيْ تَعَبَّدَ وَأَلْقَى الْحُوب عَنْ نَفْسه . وَالتَّحَوُّب أَيْضًا التَّحَزُّن . وَهُوَ أَيْضًا الصِّيَاح الشَّدِيد ; كَالزَّجْرِ , وَفُلَان يَتَحَوَّب مِنْ كَذَا أَيْ يَتَوَجَّع وَقَالَ طُفَيْل : فَذُوقُوا كَمَا ذُقْنَا غَدَاة مُحَجَّرٍ مِنْ الْغَيْظ فِي أَكْبَادِنَا وَالتَّحَوُّبِ
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • رسالة إلى السجناء

    في هذه الرسالة بعض النصائح والتوجيهات إلى السجناء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209007

    التحميل:

  • الإرشاد إلى طريق النجاة

    الإرشاد إلى طريق النجاة : تحتوي هذه الرسالة على بيان بعض نواقض الإسلام، مع كيفية التمسك بالكتاب والسنة، مع التحذير من بعض المحرمات المنتهكة وبيان أدلة تحريمها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265559

    التحميل:

  • الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع

    الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع : بحث في بيان مدى مشروعية ما يفعله كثير من الناس ، من الاجتماع في البيوت والمساجد في أوقات معينة ، أو مناسبات معينة ، أو بعد الصلوات المكتوبة لذكر الله تعالى بشكل جماعي ، أو يردد أحدهم ويرددون خلفه هذه الأذكار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/46840

    التحميل:

  • مفسدات القلوب [ الشهوة ]

    مفسدات القلوب [ الشهوة ]: قال المصنف - حفظه الله -: «فالحديث عن الشهوة وما يعتريها من أحوال مطلبٌ مُلِحّ لكل مسلم ومسلمة، لا سيما في هذا العصر الذي كثُرت فيه مُثيراتها، وغلب تأثيرها. فما الشهوة؟ ولماذا خُلقت؟ وما أسباب الوقوع في الشهوة المحرمة؟ وما علاج الشهوة المحرمة؟. هذا ما سنتطرَّق إليه في ثنايا هذا الكتاب».

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355752

    التحميل:

  • ربح أيام العمر في تدبر سورة العصر

    ربح أيام العمر في تدبر سورة العصر: كتابٌ ذكر فيه المؤلف طريق الربح والنجاة والسعادة من خلال تدبر سورة العصر، وسار فيه على النحو التالي: بيَّن معاني الآيات ومفرداتها وجملها، ثم أتبَعَ ذلك بذكر الفوائد والأحكام، ثم ختم الكلام على السورة بوقفة تأمُّلٍ.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314992

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة