Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النساء - الآية 19

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) (النساء) mp3
هَذَا مُتَّصِل بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْره مِنْ الزَّوْجَات . وَالْمَقْصُود نَفْي الظُّلْم عَنْهُنَّ وَإِضْرَارهنَّ ; وَالْخِطَاب لِلْأَوْلِيَاءِ . و " أَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع بِ " يَحِلُّ " ; أَيْ لَا يَحِلّ لَكُمْ وِرَاثَة النِّسَاء . و " كَرْهًا " مَصْدَر ف ِي مَوْضِع الْحَال . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات وَأَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ فِي سَبَب نُزُولهَا ; فَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ " قَالَ : كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُل كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ , إِنْ شَاءَ بَعْضهمْ تَزَوَّجَهَا , وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا , وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا , فَهُمْ أَحَقّ بِهَا مِنْ أَهْلهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي ذَلِكَ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ . وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَأَبُو مِجْلَزٍ : كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ إِذَا مَاتَ الرَّجُل يُلْقِي اِبْنُهُ مِنْ غَيْرهَا أَوْ أَقْرَبُ عَصَبَتْهُ ثَوْبَهُ عَلَى الْمَرْأَة فَيَصِير أَحَقَّ بِهَا مِنْ نَفْسهَا وَمِنْ أَوْلِيَائِهَا ; فَإِنْ شَاءَ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاق إِلَّا الصَّدَاق الَّذِي أَصْدَقَهَا الْمَيِّت , وَإِنْ شَاءَ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْره وَأَخَذَ صَدَاقَهَا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا ; وَإِنْ شَاءَ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِي مِنْهُ بِمَا وَرِثَتْهُ مِنْ الْمَيِّت أَوْ تَمُوت فَيَرِثُهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا " . فَيَكُون الْمَعْنَى : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرْثُوهُنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ فَتَكُونُوا أَزْوَاجًا لَهُنَّ . وَقِيلَ : كَانَ الْوَارِث إِنْ سَبَقَ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا فَهُوَ أَحَقّ بِهَا , وَإِنْ سَبَقَتْهُ فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلهَا كَانَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا ; قَالَهُ السُّدِّيّ . وَقِيلَ : كَانَ يَكُون عِنْد الرَّجُل عَجُوز وَنَفْسه تَتُوق إِلَى الشَّابَّة فَيَكْرَهُ فِرَاقَ الْعَجُوز لِمَالِهَا فَيُمْسِكُهَا وَلَا يَقْرَبهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَالِهَا أَوْ تَمُوت فَيَرِث مَالَهَا . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَأَمَرَ الزَّوْج أَنْ يُطَلِّقَهَا إِنْ كَرِهَ صُحْبَتَهَا وَلَا يُمْسِكُهَا كَرْهًا ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا " . وَالْمَقْصُود مِنْ الْآيَة إِذْهَاب مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتهمْ , وَأَلَّا تُجْعَل النِّسَاء كَالْمَالِ يُورَثْنَ عَنْ الرِّجَال كَمَا يُورَث الْمَال . " وَكُرْهًا " بِضَمِّ الْكَاف قِرَاءَة حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ , الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ , وَهُمَا لُغَتَانِ . وَقَالَ الْقُتَبِيّ : الْكَرْه ( بِالْفَتْحِ ) بِمَعْنَى الْإِكْرَاه , وَالْكُرْه ( بِالضَّمِّ ) الْمَشَقَّة . يُقَال : لِتَفْعَلْ ذَلِكَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا , يَعْنِي طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا . وَالْخِطَاب لِلْأَوْلِيَاءِ . وَقِيلَ : لِأَزْوَاجِ النِّسَاء إِذَا حَبَسُوهُنَّ مَعَ سُوء الْعِشْرَة طَمَاعِيَةَ إِرْثهَا , أَوْ يَفْتَدِينَ بِبَعْضِ مُهُورِهِنَّ , وَهَذَا أَصَحّ . وَاخْتَارَهُ اِبْن عَطِيَّة قَالَ : وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ) وَإِذَا أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ حَبْسُهَا حَتَّى يَذْهَب بِمَالِهَا إِجْمَاعًا مِنْ الْأُمَّة , وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلزَّوْجِ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْمَسْأَلَة بَعْد هَذَا .


قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْعَضْل وَأَنَّهُ الْمَنْع فِي " الْبَقَرَة " . وَقَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ : كَانَ الرَّجُل إِذَا أَصَابَتْ اِمْرَأَتُهُ فَاحِشَة أَخَذَ مِنْهَا مَا سَاقَ إِلَيْهَا وَأَخْرَجَهَا , فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالْحُدُودِ .

وَإِذَا تَنَزَّلْنَا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْخِطَابِ فِي الْعَضْل الْأَوْلِيَاء فَفِقْهُهُ أَنَّهُ مَتَى صَحَّ فِي وَلِيّ أَنَّهُ عَاضِل نَظَرَ الْقَاضِي فِي أَمْر الْمَرْأَة وَزَوْجهَا . إِلَّا الْأَب فِي بَنَاته ; فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي عَضْلِهِ صَلَاحٌ فَلَا يُعْتَرَض , قَوْلًا وَاحِدًا , وَذَلِكَ بِالْخَاطِبِ وَالْخَاطِبِينَ وَإِنْ صَحَّ عَضْله فَفِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَب مَالِك : أَنَّهُ كَسَائِرِ الْأَوْلِيَاء , يُزَوِّج الْقَاضِي مَنْ شَاءَ التَّزْوِيج مِنْ بَنَاته وَطَلَبَهُ . وَالْقَوْل الْآخَر - لَا يَعْرِض لَهُ :

يَجُوز أَنْ يَكُون " تَعْضُلُوهُنَّ " جَزْمًا عَلَى النَّهْيِ , فَتَكُونُ الْوَاوُ عَاطِفَةَ جُمْلَةِ كَلَامٍ مَقْطُوعَةً مِنْ الْأُولَى , وَيَجُوز أَنْ يَكُون نَصْبًا عَطْفًا عَلَى " أَنْ تَرِثُوا " فَتَكُون الْوَاو مُشْتَرَكَة عَطَفَتْ فِعْلًا عَلَى فِعْل . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود " وَلَا أَنْ تَعْضُلُوهُنَّ " فَهَذِهِ الْقِرَاءَة تُقَوِّي اِحْتِمَال النَّصْب , وَأَنَّ الْعَضْل مِمَّا لَا يَجُوز بِالنَّصِّ .

اِخْتَلَفَ النَّاس فِي مَعْنَى الْفَاحِشَة ; فَقَالَ الْحَسَن : هُوَ الزِّنَا , وَإِذَا زَنَتْ الْبِكْر فَإِنَّهَا تُجْلَد مِائَة وَتُنْفَى سَنَة , وَتَرُدّ إِلَى زَوْجهَا مَا أَخَذَتْ مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ ; إِذَا زَنَتْ اِمْرَأَة الرَّجُل فَلَا بَأْس أَنْ يُضَارَّهَا وَيَشُقَّ عَلَيْهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ . وَقَالَ السُّدِّيّ : إِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَخُذُوا مُهُورَهُنَّ . وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ وَأَبُو قِلَابَةَ : لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا فِدْيَةً إِلَّا أَنْ يَجِد عَلَى بَطْنِهَا رَجُلًا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ " . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة : الْفَاحِشَة الْمُبَيِّنَة فِي هَذِهِ الْآيَة الْبُغْض وَالنُّشُوز , قَالُوا : فَإِذَا نَشَزَتْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مَالهَا ; وَهَذَا هُوَ مَذْهَب مَالِك . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : إِلَّا أَنِّي لَا أَحْفَظ لَهُ نَصًّا فِي الْفَاحِشَة فِي الْآيَة . وَقَالَ قَوْم : الْفَاحِشَة الْبَذَاء بِاللِّسَانِ وَسُوء الْعِشْرَة قَوْلًا وَفِعْلًا ; وَهَذَا فِي مَعْنَى النُّشُوز . وَمِنْ أَهْل الْعِلْم مَنْ يُجِيز أَخْذ الْمَال مِنْ النَّاشِز عَلَى جِهَة الْخُلْع ; إِلَّا أَنَّهُ يَرَى أَلَّا يَتَجَاوَز مَا أَعْطَاهَا رُكُونًا إِلَى قَوْله تَعَالَى : " لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ " . وَقَالَ مَالِك وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم : لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذ مِنْ النَّاشِز جَمِيع مَا تَمْلِك . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالزِّنَا أَصْعَب عَلَى الزَّوْج مِنْ النُّشُوز وَالْأَذَى , وَكُلّ ذَلِكَ فَاحِشَة تُحِلُّ أَخْذ الْمَال . قَالَ أَبُو عُمَر : قَوْل اِبْن سِيرِينَ وَأَبِي قِلَابَةَ عِنْدِي لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الْفَاحِشَة قَدْ تَكُون الْبَذَاء وَالْأَذَى ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَذِيءِ : فَاحِش وَمُتَفَحِّش , وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ اِطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى الْفَاحِشَة كَانَ لَهُ لِعَانُهَا , وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ; وَأَمَّا أَنْ يُضَارّهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَالِهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ , وَلَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَ : لَهُ أَنْ يُضَارّهَا وَيُسِيء إِلَيْهَا حَتَّى تَخْتَلِع مِنْهُ إِذَا وَجَدَهَا تَزْنِي غَيْر أَبِي قِلَابَةَ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه " [ الْبَقَرَة : 229 ] يَعْنِي فِي حُسْن الْعِشْرَة وَالْقِيَام بِحَقِّ الزَّوْج وَقِيَامه بِحَقِّهَا " فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ " [ الْبَقَرَة : 229 ] وَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْء مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " [ النِّسَاء : 4 ] فَهَذِهِ الْآيَات أَصْل هَذَا الْبَاب . وَقَوْلٌ رَابِعٌ " إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة " إِلَّا أَنْ يَزْنِينَ فَيُحْبَسْنَ فِي الْبُيُوت , فَيَكُون هَذَا قَبْل النَّسْخ , وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْل عَطَاء , وَهُوَ ضَعِيف .

" مُبَيِّنَة " بِكَسْرِ الْيَاء قِرَاءَة نَافِع وَأَبِي عَمْرو , وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْيَاء . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس " مُبِينَة " بِكَسْرِ الْبَاء وَسُكُون الْيَاء , مِنْ أَبَانَ الشَّيْء , يُقَال : أَبَانَ الْأَمْرُ بِنَفْسِهِ , وَأَبَنْته وَبَيَّنَ وَبَيَّنْته , وَهَذِهِ الْقِرَاءَات كُلّهَا لُغَات فَصِيحَة .

أَيْ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ مِنْ حُسْن الْمُعَاشَرَة . وَالْخِطَاب لِلْجَمِيعِ , إِذْ لِكُلِّ أَحَد عِشْرَة , زَوْجًا كَانَ أَوْ وَلِيًّا ; وَلَكِنَّ الْمُرَاد بِهَذَا الْأَمْر فِي الْأَغْلَب الْأَزْوَاج , وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى : " فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ " [ الْبَقَرَة : 229 ] . وَذَلِكَ تَوْفِيَة حَقّهَا مِنْ الْمَهْر وَالنَّفَقَة , وَأَلَّا يَعْبَسَ فِي وَجْهِهَا بِغَيْرِ ذَنْب , وَأَنْ يَكُون مُنْطَلِقًا فِي الْقَوْل لَا فَظًّا وَلَا غَلِيظًا وَلَا مُظْهِرًا مَيْلًا إِلَى غَيْرهَا . وَالْعِشْرَة : الْمُخَالَطَة وَالْمُمَازَجَة . وَمِنْهُ قَوْل طَرَفَة : فَلَئِنْ شَطَّتْ نَوَاهَا مَرَّةً لَعَلَى عَهْدِ حَبِيبٍ مُعْتَشِرْ جَعَلَ الْحَبِيب . جَمْعًا كَالْخَلِيطِ وَالْغَرِيق . وَعَاشَرَهُ مُعَاشَرَة , وَتَعَاشَرَ الْقَوْم وَاعْتَشَرُوا . فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانَهُ بِحُسْنِ صُحْبَة النِّسَاء إِذَا عَقَدُوا عَلَيْهِنَّ لِتَكُونَ أَدَمَة مَا بَيْنَهُمْ وَصُحْبَتهمْ عَلَى الْكَمَال , فَإِنَّهُ أَهْدَأ لِلنَّفْسِ وَأَهْنَأ لِلْعَيْشِ . وَهَذَا وَاجِب عَلَى الزَّوْج وَلَا يَلْزَمهُ فِي الْقَضَاء . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَنْ يَتَصَنَّع لَهَا كَمَا تَتَصَنَّعُ لَهُ . وَقَالَ يَحْيَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْحَنْظَلِيّ : أَتَيْت مُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة فَخَرَجَ إِلَيَّ فِي مِلْحَفَة حَمْرَاء وَلِحْيَتُهُ تَقْطُر مِنْ الْغَالِيَة , فَقُلْت : مَا هَذَا ؟ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْمِلْحَفَة أَلْقَتْهَا عَلَيَّ اِمْرَأَتِي وَدَهَنَتْنِي بِالطِّيبِ , وَإِنَّهُنَّ يَشْتَهِينَ مِنَّا مَا نَشْتَهِيهِ مِنْهُنَّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّن لِامْرَأَتِي كَمَا أُحِبّ أَنْ تَتَزَيَّن الْمَرْأَة لِي . وَهَذَا دَاخِل فِيمَا ذَكَرْنَاهُ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَإِلَى مَعْنَى الْآيَة يُنْظَر قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَاسْتَمْتِعْ بِهَا وَفِيهَا عِوَج ) أَيْ لَا يَكُنْ مِنْك سُوء عِشْرَة مَعَ اِعْوِجَاجهَا ; فَعَنْهَا تَنْشَأ الْمُخَالَفَة وَبِهَا يَقَع الشِّقَاق , وَهُوَ سَبَب الْخُلْع .

وَاسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا كَانَتْ لَا يَكْفِيهَا خَادِم وَاحِد أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدُمَهَا قَدْر كِفَايَتهَا , كَابْنَةِ الْخَلِيفَة وَالْمَلِكِ وَشَبَهِهِمَا مِمَّنْ لَا يَكْفِيهَا خَادِم وَاحِد , وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُعَاشَرَة بِالْمَعْرُوفِ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : لَا يَلْزَمهُ إِلَّا خَادِم وَاحِد - وَذَلِكَ يَكْفِيهَا خِدْمَةَ نَفْسِهَا , وَلَيْسَ فِي الْعَالَم اِمْرَأَة إِلَّا وَخَادِم وَاحِد يَكْفِيهَا ; وَهَذَا كَالْمُقَاتِلِ تَكُون لَهُ أَفْرَاس عِدَّة فَلَا يُسْهَم لَهُ إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِد ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقِتَال إِلَّا عَلَى فَرَس وَاحِد . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذَا غَلَطٌ ; لِأَنَّ مِثْل بَنَات الْمُلُوك اللَّاتِي لَهُنَّ خِدْمَة كَثِيرَة لَا يَكْفِيهَا خَادِم وَاحِد ; لِأَنَّهَا تَحْتَاج مِنْ غَسْل ثِيَابهَا لِإِصْلَاحِ مَضْجَعهَا وَغَيْر ذَلِكَ إِلَى مَا لَا يَقُوم بِهِ الْوَاحِد , وَهَذَا بَيِّن . وَاَللَّه أَعْلَم .

" فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ " أَيْ لِدَمَامَةٍ أَوْ سُوء خُلُق مِنْ غَيْر اِرْتِكَاب فَاحِشَة أَوْ نُشُوز ; فَهَذَا يُنْدَب فِيهِ إِلَى الِاحْتِمَال , فَعَسَى أَنْ يَئُول الْأَمْر إِلَى أَنْ يَرْزُق اللَّه مِنْهَا أَوْلَادًا صَالِحِينَ . و " أَنْ " رَفْع بِ " عَسَى " وَأَنْ وَالْفِعْل مَصْدَر .

قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا وَرَدَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَر ) أَوْ قَالَ ( غَيْره ) . الْمَعْنَى : أَيْ لَا يُبْغِضْهَا بُغْضًا كُلِّيًّا يَحْمِلُهُ عَلَى فِرَاقهَا . أَيْ لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَغْفِرُ سَيِّئَتَهَا لِحَسَنَتِهَا وَيَتَغَاضَى عَمَّا يَكْرَه لِمَا يُحِبُّ . وَقَالَ مَكْحُول : سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُول : إِنَّ الرَّجُل لَيَسْتَخِير اللَّه تَعَالَى فَيُخَارُ لَهُ , فَيَسْخَطُ عَلَى رَبّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَلْبَث أَنْ يَنْظُر فِي الْعَاقِبَة فَإِذَا هُوَ قَدْ خِيرَ لَهُ . وَذَكَرَ اِبْن الْعَرَبِيّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِم بْن حَبِيب بِالْمَهْدِيَّةِ , عَنْ أَبِي الْقَاسِم السُّيُورِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن حَيْثُ قَالَ : كَانَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي زَيْد مِنْ الْعِلْم وَالدِّين فِي الْمَنْزِلَة وَالْمَعْرِفَة . وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَة سَيِّئَة الْعِشْرَة وَكَانَتْ تُقَصِّر فِي حُقُوقه وَتُؤْذِيهِ بِلِسَانِهَا ; فَيُقَال لَهُ فِي أَمْرِهَا وَيُعْذَلُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا , فَكَانَ يَقُول : أَنَا رَجُل قَدْ أَكْمَلَ اللَّه عَلَيَّ النِّعْمَة فِي صِحَّة بَدَنِي وَمَعْرِفَتِي وَمَا مَلَكَتْ يَمِينِي , فَلَعَلَّهَا بُعِثَتْ عُقُوبَة عَلَى ذَنْبِي فَأَخَاف إِنْ فَارَقْتهَا أَنْ تَنْزِل بِي عُقُوبَة هِيَ أَشَدّ مِنْهَا . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى كَرَاهَة الطَّلَاق مَعَ الْإِبَاحَة . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه لَا يَكْرَه شَيْئًا أَبَاحَهُ إِلَّا الطَّلَاق وَالْأَكْل وَإِنَّ اللَّه لَيُبْغِضُ الْمِعَى إِذَا اِمْتَلَأَ ) .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • القاموس المحيط

    القاموس المحيط: في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى الكلمة من كتاب القاموس المحيط، وهو المعجم الذي طار صيته في كل مكان، وشاع ذكره على كل لسان، حتى كادت كلمة "القاموس" تحل محل "المعجم" إذ حسب كثير من الناس أنهما لفظان مترادفان، ذلك لكثرة تداوله، وسعة انتشاره، فقد طبّقت شهرته الآفاق، وهو صبير بذلك، لأنه جمع من المزايا ما بوّأه منزلة الإمامة بين المعاجم، فأصبح المعوّل عليه، والمرجوع إليه، ومن خصائصه ومزاياه: 1- غزارة مواده وسعة استقصائه، فقد جمع بين دفتيه ما تفرق من شوارد اللغة، وضم فيها ما تبعثر من نوادرها، كما استقاها من "المحكم" و"العباب" مع زيادات أخرى من معاجم مختلفة يبلغ مجموعها ألفي مصنف من الكتب الفاخرة، فجاء في ستين ألف مادة، وقد أشار باختيار اسم معجمه هذا إلى أنه محيط بلغة العرب إحاطة البحر للمعمور من الأرض. 2- حسن اختصاره، وتمام إيجازه، فخرج من هذا الحجم اللطيف، مع أنه خلاصة ستين سفراً ضخماً هي مصنفه المحيط المسمى "اللامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب" مع زيادات ليست فيهما. وقد ساعد هذا الإيجاز على الانتظام في ترتيب صيغ المادة الواحدة فجاءت منتظمة مرتبة، يفصل معاني كل صيغة عن زميلتها في الاشتقاق، مع تقديم الصيغ المجردة عن المزيدة، وتأخير الأعلام في الغالب. 3- طريقته الفذّة، ومنهجه المحكم في ضبط الألفاظ. 4- إيرادة أسماء الأعلام والبلدان والبقاع وضبطها بالموازين الدقيقة السابقة، وبذلك يعد معجماً للبلدان، وموضحاً للمشتبه من الأعلام، يضاهي في ذلك كتب المشتبه في أسماء الرجال. 5- عنايته بذكر أسماء الأشجار والنبات والعقاقير الطبية مع توضيح فائدتها وتبيان خصائصها، وذكر كثير من أسماء الأمراض، وأسماء متنوعة أخرى كأسماء السيوف والأفراس والوحوش والأطيار والأيام والغزوات، فكأنه أراد أن يجعل من معجمه دائرة معارف، تحفل بأنواع العلوم واللطائف.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141373

    التحميل:

  • الدعوة إلى وجوب التمسك بتعاليم الإسلام

    الدعوة إلى وجوب التمسُّك بتعاليم الإسلام: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «ومن نعمِ الله تعالى عليَّ التي لا تُحصَى أن شرحَ صدري لتأليفِ كتابٍ أُضمِّنُه الحديثَ عن وجوبِ التمسُّك بتعاليم الإسلام، فصنَّفتُ هذا الكتاب، وسمَّيتُه: «الدعوة إلى وجوب التمسُّك بتعاليم الإسلام».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384385

    التحميل:

  • الطب النبوي

    الطب النبوي: كتاب يتضمن فصول نافعة في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الطب الذي تطبب به، ووصفه لغيره حيث يبين الكاتب فيه الحكمة التي تعجز عقول أكبر الأطباء عن الوصول إليها.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/370718

    التحميل:

  • الإسلام أصوله ومبادئه

    الإسلام أصوله ومبادئه: قال المؤلف - أثابه الله -: «.. قد حاولت - قدر المستطاع - أن أعرض الإسلام في هذا الكتاب عرضًا موجزًا من خلال التعريف بأركان الإسلام ومبادئه العظام، وما يتطلبه البيان من ذكر بعض المسائل والقضايا التي لا بد من التعريف بها عند الدعوة إلى الإسلام».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1916

    التحميل:

  • أهمية القراءة وفوائدها

    أهمية القراءة وفوائدها : اشتملت هذه الرسالة على وصف الكتب المفيدة وأنها نعم الرفيق ونعم الأنيس في حالة الوحدة والغربة. والحث على اقتناء الكتب القديمة السلفية وفي مقدمتها كتب التفسير والحديث والفقه والتاريخ والأدب. كما اشتملت هذه الرسالة على شيء من أسباب تحصيل العلم وقواعد المذاكرة السليمة وملاحظات مهمة، وبيان المكتبة المختارة للشباب المسلم من كتب التفسير والتوحيد والعقائد والحديث والفقه والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وذكر أسماء كتب ثقافية معاصرة، وأسماء مؤلفين ينصح باقتناء مؤلفاتهم والاستفادة منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209002

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة