Muslim Library

تفسير الطبري - سورة النساء - الآية 94

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) (النساء) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا فَعِنْد اللَّه مَغَانِم كَثِيرَة كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْل فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَصَدَّقُوا رَسُوله , فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ ; { إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه } يَقُول : إِذَا سِرْتُمْ مَسِيرًا لِلَّهِ فِي جِهَاد أَعْدَائِكُمْ { فَتَبَيَّنُوا } يَقُول : فَتَأَنَّوْا فِي قَتْل مَنْ أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ أَمْره , فَلَمْ تَعْلَمُوا حَقِيقَة إِسْلَامه وَلَا كُفْره , وَلَا تَعْجَلُوا فَتَقْتُلُوا مَنْ اِلْتَبَسَ عَلَيْكُمْ أَمْره , وَلَا تَتَقَدَّمُوا عَلَى قَتْل أَحَد إِلَّا عَلَى قَتْل مَنْ عَلِمْتُمُوهُ يَقِينًا حَرْبًا لَكُمْ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام } يَقُول : وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ اِسْتَسْلَمَ لَكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلكُمْ , مُظْهِرًا لَكُمْ أَنَّهُ مِنْ أَهْل مِلَّتكُمْ وَدَعْوَتكُمْ , { لَسْت مُؤْمِنًا } فَتَقْتُلُوهُ اِبْتِغَاء عَرَض الْحَيَاة الدُّنْيَا , يَقُول : طَلَب مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , فَإِنَّ عِنْد اللَّه مَغَانِم كَثِيرَة مِنْ رِزْقه وَفَوَاضِل نِعَمه , فَهِيَ خَيْر لَكُمْ إِنْ أَطَعْتُمْ اللَّه فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ فَأَثَابَكُمْ بِهَا عَلَى طَاعَتكُمْ إِيَّاهُ , فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْده { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْل } يَقُول : كَمَا كَانَ هَذَا الَّذِي أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام فَقُلْت لَهُ لَسْت مُؤْمِنًا فَقَتَلْتُمُوهُ , كَذَلِكَ أَنْتُمْ مِنْ قَبْل , يَعْنِي : مِنْ قَبْل إِعْزَاز اللَّه دِينه بِتُبَّاعِهِ وَأَنْصَاره , تَسْتَخْفُونَ بِدِينِكُمْ كَمَا اِسْتَخْفَى هَذَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ , وَأَخَذْتُمْ مَاله بِدِينِهِ مِنْ قَوْمه أَنْ يُظْهِرهُ لَهُمْ حَذَرًا عَلَى نَفْسه مِنْهُمْ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْله : { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْل } كُنْتُمْ كُفَّارًا مِثْلهمْ. { فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ } يَقُول : فَتَفَضَّلَ اللَّه عَلَيْكُمْ بِإِعْزَازِ دِينه بِأَنْصَارِهِ وَكَثْرَة تُبَّاعه. وَقَدْ قِيلَ : فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ قَتْلكُمْ هَذَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ , وَأَخَذْتُمْ مَاله بَعْد مَا أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام . { فَتَبَيَّنُوا } يَقُول : فَلَا تَعْجَلُوا بِقَتْلِ مَنْ أَرَدْتُمْ قَتْله مِمَّنْ اِلْتَبَسَ عَلَيْكُمْ أَمْر إِسْلَامه , فَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يَكُون قَدْ مَنَّ عَلَيْهِ مِنْ الْإِسْلَام بِمِثْلِ الَّذِي مَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ , وَهَدَاهُ لِمِثْلِ الَّذِي هَدَاكُمْ لَهُ مِنْ الْإِيمَان . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي سَبَب قَتِيل قَتَلَتْهُ سَرِيَّة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد مَا قَالَ : إِنِّي مُسْلِم , أَوْ بَعْد مَا شَهِدَ شَهَادَة الْحَقّ , أَوْ بَعْد مَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ , لِغَنِيمَةٍ كَانَتْ مَعَهُ أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ مِلْكه , فَأَخَذُوهُ مِنْهُ . ذِكْر الرِّوَايَة وَالْآثَار بِذَلِكَ : 8075 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ نَافِع , أَنَّ اِبْن عُمَر , قَالَ : بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَلِّم بْن جَثَّامَة مَبْعَثًا , فَلَقِيَهُمْ عَامِر بْن الْأَضْبَط , فَحَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَام , وَكَانَتْ بَيْنهمْ إِحْنَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَرَمَاهُ مُحَلِّم بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ. فَجَاءَ الْخَبَر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَكَلَّمَ فِيهِ عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع , فَقَالَ الْأَقْرَع : يَا رَسُول اللَّه سُنَّ الْيَوْم وَغَيِّرْ غَدًا ! فَقَالَ عُيَيْنَة : لَا وَاَللَّه حَتَّى تَذُوق نِسَاؤُهُ مِنْ الثُّكْل مَا ذَاقَ نِسَائِي ! فَجَاءَ مُحَلِّم فِي بُرْدَيْنِ , فَجَلَسَ بَيْن يَدَيْ رَسُول اللَّه لِيَسْتَغْفِر لَهُ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا غَفَرَ اللَّه لَك " فَقَامَ وَهُوَ يَتَلَقَّى دُمُوعه بِبُرْدَيْهِ , فَمَا مَضَتْ بِهِ سَابِعَة حَتَّى مَاتَ وَدَفَنُوهُ , فَلَفَظَتْهُ الْأَرْض. فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ : " إِنَّ الْأَرْض تَقْبَل مَنْ هُوَ شَرّ مِنْ صَاحِبكُمْ , وَلَكِنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ أَرَادَ أَنْ يَعِظكُمْ " . ثُمَّ طَرَحُوهُ بَيْن صَدَفَيْ جَبَل , وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مِنْ الْحِجَارَة , وَنَزَلَتْ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه فَتَبَيَّنُوا } . .. الْآيَة . 8076 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط , عَنْ الْقَعْقَاع بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ , عَنْ أَبِيهِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي حَدْرَد , قَالَ : بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِضَم , فَخَرَجْت فِي نَفَر مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَة الْحَارِث بْن رِبْعِيّ وَمُحَلِّم بْن جَثَّامَة بْن قَيْس اللَّيْثِيّ. فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَطْنِ إِضَم , مَرَّ بِنَا عَامِر بْن الْأَضْبَط الْأَشْجَعِيّ عَلَى قَعُود لَهُ مَعَهُ مُتَيِّع لَهُ وَوَطْب مِنْ لَبَن . فَلَمَّا مَرَّ بِنَا سَلَّمَ عَلَيْنَا بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَام , فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ , وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّم بْن جَثَّامَة اللَّيْثِيّ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنه وَبَيْنه , فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ بَعِيره وَمُتَيِّعَهُ , فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَنَاهُ الْخَبَر , نَزَلَ فِينَا الْقُرْآن : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام لَسْت مُؤْمِنًا } . .. الْآيَة. * - حَدَّثَنِي هَارُون بْن إِدْرِيس الْأَصَمّ , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط , عَنْ أَبِي حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ , عَنْ أَبِيهِ بِنَحْوِهِ . 8077 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَحِقَ نَاس مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا فِي غَنِيمَة لَهُ , فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ ! فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغَنِيمَة , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا } تِلْكَ الْغَنِيمَة. * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عَطَاء , عَنْ اِبْن عَبَّاس , بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنِي سَعِيد بْن الرَّبِيع , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَمْرو سَمِعَ عَطَاء , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَحِقَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله. 8078 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَرَّ رَجُل مِنْ بَنِي سُلَيْم عَلَى نَفَر مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه وَهُوَ فِي غَنَم لَهُ , فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ , فَقَالُوا : مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا لِيَتَعَوَّذ مِنْكُمْ ! فَعَمَدُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غَنَمه , فَأَتَوْا بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه فَتَبَيَّنُوا } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . 8079 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ الرَّجُل يَتَكَلَّم بِالْإِسْلَامِ وَيُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالرَّسُول , وَيَكُون فِي قَوْمه , فَإِذَا جَاءَتْ سَرِيَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِهَا حَيّه - يَعْنِي قَوْمه - فَفَرُّوا , وَأَقَامَ الرَّجُل لَا يَخَاف الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَجْل أَنَّهُ عَلَى دِينهمْ حَتَّى يَلْقَاهُمْ , فَيُلْقِي إِلَيْهِمْ السَّلَام , فَيَقُول الْمُؤْمِنُونَ : لَسْت مُؤْمِنًا ! وَقَدْ أَلْقَى السَّلَام , فَيَقْتُلُونَهُ , فَقَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه فَتَبَيَّنُوا }. .. . إِلَى : { تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَعْنِي : تَقْتُلُونَهُ إِرَادَة أَنْ يَحِلّ لَكُمْ مَاله الَّذِي وَجَدْتُمْ مَعَهُ , وَذَلِكَ عَرَضُ الْحَيَاة الدُّنْيَا , فَإِنَّ عِنْدِي مَغَانِم كَثِيرَة , فَالْتَمِسُوا مِنْ فَضْل اللَّه . وَهُوَ رَجُل اِسْمه مِرْدَاس جَلَّا قَوْمه هَارِبِينَ مِنْ خَيْل بَعَثَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا رَجُل مِنْ بَنِي لَيْث اِسْمه قُلَيْب , وَلَمْ يُجَامِعهُمْ إِذَا لَقِيَهُمْ مِرْدَاس , فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُ , فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِهِ بِدِيَتِهِ وَرَدَّ إِلَيْهِمْ مَاله وَنَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مِثْل ذَلِكَ . 8080 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه فَتَبَيَّنُوا } . .. الْآيَة , قَالَ : هَذَا الْحَدِيث فِي شَأْن مِرْدَاس رَجُل مِنْ غَطَفَان ; ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا عَلَيْهِمْ غَالِب اللَّيْثِيّ إِلَى أَهْل فَدَك , وَبِهِ نَاس مِنْ غَطَفَان وَكَانَ مِرْدَاس مِنْهُمْ , فَفَرَّ أَصْحَابه , فَقَالَ مِرْدَاس : إِنِّي مُؤْمِن وَإِنِّي غَيْر مُتَّبِعكُمْ ! فَصَبَّحَتْهُ الْخَيْل غَدْوَة , فَلَمَّا لَقُوهُ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ مِرْدَاس , فَتَلَقَّوْهُ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلُوهُ , وَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ مَتَاع , فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ فِي شَأْنه : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام لَسْت مُؤْمِنًا } لِأَنَّ تَحِيَّة الْمُسْلِمِينَ السَّلَام , بِهَا يَتَعَارَفُونَ , وَبِهَا يُحَيِّي بَعْضهمْ بَعْضًا . 8081 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا } . .. الْآيَة . قَالَ : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة عَلَيْهَا أُسَامَة بْن زَيْد إِلَى بَنِي ضَمْرَة , فَلَقُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُدْعَى مِرْدَاس بْن نَهِيك مَعَهُ غَنِيمَة لَهُ وَجَمَل أَحْمَر , فَلَمَّا رَآهُمْ أَوَى إِلَى كَهْف جَبَل , وَاتَّبَعَهُ أُسَامَة , فَلَمَّا بَلَغَ مِرْدَاس الْكَهْف وَضَعَ فِيهِ غَنَمه , ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ , أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه ! فَشَدَّ عَلَيْهِ أُسَامَة فَقَتَلَهُ مِنْ أَجْل جَمَله وَغَنِيمَته. وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أُسَامَة أَحَبَّ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا , وَيَسْأَل عَنْهُ أَصْحَابه , فَلَمَّا رَجَعُوا لَمْ يَسْأَلهُمْ عَنْهُ , فَجَعَلَ الْقَوْم يُحَدِّثُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُونَ : يَا رَسُول اللَّه لَوْ رَأَيْت أُسَامَة وَلَقِيَهُ رَجُل فَقَالَ الرَّجُل : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه , فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ! وَهُوَ مُعْرِض عَنْهُمْ . فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ , رَفَعَ رَأْسه إِلَى أُسَامَة فَقَالَ : " كَيْفَ أَنْتَ وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه " ؟ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا , تَعَوَّذَ بِهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلَّا شَقَقْت عَنْ قَلْبه فَنَظَرْت إِلَيْهِ ؟ " قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا قَلْبه بَضْعَة مِنْ جَسَده . فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَبَر هَذَا , وَأَخْبَرَهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ مِنْ أَجْل جَمَله وَغَنَمه , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { يَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا } فَلَمَّا بَلَغَ : { فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ } يَقُول : فَتَابَ اللَّه عَلَيْكُمْ , فَحَلَفَ أُسَامَة أَنْ لَا يُقَاتِل رَجُلًا يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه بَعْد ذَلِكَ الرَّجُل وَمَا لَقِيَ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ . 8082 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام لَسْت مُؤْمِنًا } قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَغَارَ عَلَى رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَحَمَلَ عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِك : إِنِّي مُسْلِم , أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ! فَقَتَلَهُ الْمُسْلِم بَعْد أَنْ قَالَهَا , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لِلَّذِي قَتَلَهُ : " أَقَتَلْته وَقَدْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ؟ " فَقَالَ وَهُوَ يَعْتَذِر : يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَهَلَّا شَقَقْت عَنْ قَلْبه ؟ " ثُمَّ مَاتَ قَاتِل الرَّجُل فَقُبِرَ , فَلَفَظَتْهُ الْأَرْض , فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْبُرُوهُ , ثُمَّ لَفَظَتْهُ الْأَرْض , حَتَّى فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْأَرْض أَبَتْ أَنْ تَقْبَلهُ فَأَلْقُوهُ فِي غَار مِنْ الْغِيرَان ". قَالَ مَعْمَر : وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ الْأَرْض تَقْبَل مَنْ هُوَ شَرّ مِنْهُ , وَلَكِنَّ اللَّه جَعَلَهُ لَكُمْ عِبْرَة . 8083 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ مَسْرُوق : أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَقُوا رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي غُنَيْمَة لَهُ , فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ إِنِّي مُؤْمِن ! فَظَنُّوا أَنَّهُ يَتَعَوَّذ بِذَلِكَ , فَقَتَلُوهُ , وَأَخَذُوا غُنَيْمَته . قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا } تِلْكَ الْغُنَيْمَة ; { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْل فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا } . 8084 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي عَمْرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه فَتَبَيَّنُوا } قَالَ : خَرَجَ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد فِي سَرِيَّة بَعَثَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : فَمَرُّوا بِرَجُلٍ فِي غُنَيْمَة لَهُ , فَقَالَ : إِنِّي مُسْلِم ! فَقَتَلَهُ الْمِقْدَاد . فَلَمَّا قَدِمُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا } قَالَ : الْغُنَيْمَة. 8085 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : نَزَلَ ذَلِكَ فِي رَجُل قَتَلَهُ أَبُو الدَّرْدَاء - فَذَكَرَ مِنْ قِصَّة أَبِي الدَّرْدَاء نَحْو الْقِصَّة الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد , وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأ } , ثُمَّ قَالَ فِي الْخَبَر - : وَنَزَلَ الْفُرْقَان : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأ } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا } غَنَمه الَّتِي كَانَتْ عَرَض الْحَيَاة الدُّنْيَا , { فَعِنْد اللَّه مَغَانِم كَثِيرَة } خَيْر مِنْ تِلْكَ الْغَنَم , إِلَى قَوْله : { إِنَّ اللَّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } . 8086 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام لَسْت مُؤْمِنًا } قَالَ : رَاعِي غَنَم , لَقِيَهُ نَفَر مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَا مَعَهُ , وَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ : وَالسَّلَام عَلَيْكُمْ , فَإِنِّي مُؤْمِن " . 8087 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام لَسْت مُؤْمِنًا } قَالَ : حَرَّمَ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه لَسْت مُؤْمِنًا , كَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْمَيْتَة , فَهُوَ آمِن عَلَى مَاله وَدَمه , وَلَا تَرُدُّوا عَلَيْهِ قَوْله . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { فَتَبَيَّنُوا } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَكِّيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : { فَتَبَيَّنُوا } بِالْبَاءِ وَالنُّون مِنْ التَّبَيُّن , بِمَعْنَى : التَّأَنِّي وَالنَّظَر وَالْكَشْف عَنْهُ حَتَّى يَتَّضِح . وَقَرَأَ ذَلِكَ عُظْم قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " فَتَثَبَّتُوا " بِمَعْنَى التَّثَبُّت الَّذِي هُوَ خِلَاف الْعَجَلَة . وَالْقَوْل عِنْدنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْمُسْلِمِينَ بِمَعْنًى وَاحِد وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ بِهِمَا الْأَلْفَاظ , لِأَنَّ الْمُتَثَبِّت مُتَبَيِّن , وَالْمُتَبَيِّن مُتَثَبِّت , فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب صَوَاب الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَكِّيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ " السَّلَم " بِغَيْرِ أَلِف , بِمَعْنَى الِاسْتِسْلَام , وَقَرَأَهُ بَعْض الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : { السَّلَام } بِأَلِفٍ , بِمَعْنَى التَّحِيَّة . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا : " لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَم " بِمَعْنَى : مَنْ اِسْتَسْلَمَ لَكُمْ مُذْعِنًا لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ مُقِرًّا لَكُمْ بِمِلَّتِكُمْ. وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَة فِي ذَلِكَ , فَمِنْ رَاوٍ رَوَى أَنَّهُ اِسْتَسْلَمَ بِأَنْ شَهِدَ شَهَادَة الْحَقّ وَقَالَ : إِنِّي مُسْلِم ; وَمِنْ رَاوٍ رَوَى أَنَّهُ قَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ , فَحَيَّاهُمْ تَحِيَّة الْإِسْلَام , وَمِنْ رَاوٍ رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامٍ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ قَبْل قَتْلهمْ إِيَّاهُ . وَكُلّ هَذِهِ الْمَعَانِي يَجْمَعهَا السَّلَم , لِأَنَّ الْمُسْلِم مُسْتَسْلِم , وَالْمُحَيِّي بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَام مُسْتَسْلِم , وَالْمُتَشَهِّد شَهَادَة الْحَقّ مُسْتَسْلِم لِأَهْلِ الْإِسْلَام , فَمَعْنَى السَّلَم جَامِع جَمِيع الْمَعَانِي الَّتِي رُوِيَتْ فِي أَمْر الْمَقْتُول الَّذِي نَزَلَتْ فِي شَأْنه هَذِهِ الْآيَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي السَّلَام , لِأَنَّ السَّلَام لَا وَجْه لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَّا التَّحِيَّة , فَلِذَلِكَ وَصَفْنَا السَّلَم بِالصَّوَابِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْل } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : كَمَا كَانَ هَذَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَعْد مَا أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام مُسْتَخْفِيًا فِي قَوْمه بِدِينِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْهُمْ , كُنْتُمْ أَنْتُمْ مُسْتَخْفِينَ بِأَدْيَانِكُمْ مِنْ قَوْمكُمْ حَذَرًا عَلَى أَنْفُسكُمْ مِنْهُمْ , فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8088 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله : { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْل } تَسْتَخْفُونَ بِإِيمَانِكُمْ كَمَا اِسْتَخْفَى هَذَا الرَّاعِي بِإِيمَانِهِ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي عَمْرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْل } تَكْتُمُونَ إِيمَانكُمْ فِي الْمُشْرِكِينَ. قَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : كَمَا كَانَ هَذَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَعْد مَا أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَم كَافِرًا كُنْتُمْ كُفَّارًا , فَهَدَاهُ كَمَا هَدَاكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8089 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْل فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ } كُفَّارًا مِثْله , { فَتَبَيَّنُوا } . وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة الْقَوْل الْأَوَّل , وَهُوَ قَوْل مَنْ قَالَ : كَذَلِكَ كُنْتُمْ تُخْفُونَ إِيمَانكُمْ فِي قَوْمكُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْتُمْ مُقِيمِينَ بَيْن أَظْهُرهمْ , كَمَا كَانَ هَذَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ مُقِيمًا بَيْن أَظْهُر قَوْمه مِنْ الْمُشْرِكِينَ , مُسْتَخْفِيًا بِدِينِهِ مِنْهُمْ . وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا التَّأْوِيل أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره إِنَّمَا عَاتَبَ الَّذِينَ قَتَلُوهُ مِنْ أَهْل الْإِيمَان بَعْد إِلْقَائِهِ إِلَيْهِمْ السَّلَام , وَلَمْ يُقَدْ بِهِ قَاتِلُوهُ لِلَّبْسِ الَّذِي كَانَ دَخَلَ فِي أَمْره عَلَى قَاتِلِيهِ بِمُقَامِهِ بَيْن أَظْهُر قَوْمه مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَظَنّهمْ أَنَّهُ أَلْقَى السَّلَام إِلَى الْمُؤْمِنِينَ تَعَوُّذًا مِنْهُمْ , وَلَمْ يُعَاتِبهُمْ عَلَى قَتْلهمْ إِيَّاهُ مُشْرِكًا , فَيُقَال : كَمَا كَانَ كَافِرًا كُنْتُمْ كُفَّارًا ; بَلْ لَا وَجْه لِذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُعَاتِب أَحَدًا مِنْ خَلْقه عَلَى قَتْل مُحَارِب لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مِنْ أَهْل الشِّرْك بَعْد إِذْنه لَهُ بِقَتْلِهِ . وَاخْتَلَفَ أَيْضًا أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ بِإِظْهَارِ دِينه وَإِعْزَاز أَهْله , حَتَّى أَظْهَرُوا الْإِسْلَام بَعْد مَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنْ أَهْل الشِّرْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8090 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي عَمْرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ } فَأَظْهَرَ الْإِسْلَام . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ أَيّهَا الْقَاتِلُونَ الَّذِي أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَام طَلَبَ عَرَضِ الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالتَّوْبَةِ مِنْ قَتْلكُمْ إِيَّاهُ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8091 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ } يَقُول : تَابَ اللَّه عَلَيْكُمْ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْته عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْل } مَا وَصَفْنَا قَبْل , فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون عَقِيب ذَلِكَ : { فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ } فَرَفَعَ مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنْ الْخَوْف مِنْ أَعْدَائِكُمْ عَنْكُمْ بِإِظْهَارِ دِينه وَإِعْزَاز أَهْله , حَتَّى أَمْكَنَكُمْ إِظْهَار مَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ بِهِ , مِنْ تَوْحِيده وَعِبَادَته , حَذَرًا مِنْ أَهْل الشِّرْك .

{ إِنَّ اللَّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه كَانَ بِقَتْلِكُمْ مَنْ تَقْتُلُونَ وَكَفّكُمْ عَمَّنْ تَكُفُّونَ عَنْ قَتْله مِنْ أَعْدَاء اللَّه وَأَعْدَائِكُمْ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُوركُمْ وَأُمُور غَيْركُمْ { خَبِيرًا } يَعْنِي : ذَا خِبْرَة وَعِلْم بِهِ , يَحْفَظهُ عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ , حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعكُمْ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة جَزَاء الْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أسئلة وأجوبة حول عقيدة الولاء والبراء

    أسئلة وأجوبة حول عقيدة الولاء والبراء: مجموعة أسئلة حول عقيدة أهل السنة في الولاء والبراء، يجيب عليها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/44752

    التحميل:

  • الأصول الثلاثة الواجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها

    الأصول الثلاثة : رسالة مختصرة من الثلاثة الأصول وأدلتها للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وكتبها ليعلمها الصبيان والصغار. - هذه الرسالة تم نقلها من الجامع الفريد، ط 4 ( 1420هـ). - قال معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - في الوجه الأول من الشريط الأول لشرح متن الورقات: الشيخ - رحمه الله تعالى - له رسالة أخرى بعنوان الأصول الثلاثة، رسالة صغيرة أقل من هذه علمًا؛ ليعلمها الصبيان والصغار تلك يقال لها الأصول الثلاثة, وأما ثلاثة الأصول فهي هذه التي نقرأها، ويكثر الخلط بين التسميتين، ربما قيل لهذه ثلاثة الأصول، أو الأصول الثلاثة، لكن تسميتها المعروفة أنها ثلاثة الأصول وأدلتها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2397

    التحميل:

  • شذى الياسمين في فضائل أمهات المؤمنين

    شذى الياسمين في فضائل أمهات المؤمنين: تناول هذا البحث وقفات في عظم شأن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ثم فضائلهن رضي الله عنهن من القرآن الكريم والسنة المطهرة

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/60717

    التحميل:

  • فضائل الكلمات الأربع

    فضائل الكلمات الأربع: رسالةٌ في فضل الكلمات الأربع: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، مُستلَّةٌ من كتاب المؤلف - حفظه الله -: «فقه الأدعية والأذكار».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316776

    التحميل:

  • خطبة الجمعة في الكتاب والسنة

    خطبة الجمعة في الكتاب والسنة : هذا البحث يتكون من تمهيد وخمسة فصول وخاتمة وذلك على النحو التالي: - تمهيد: حول مكانة الجمعة في الإسلام. الفصل الأول: الخطبة في الإسلام ويشتمل على مبحثين: - الفصل الثاني: خطبة الجمعة في القرآن الكريم. الفصل الثالث: خطبة الجمعة في السنة الشريفة المطهرة ويشتمل على عدة مباحث: - الفصل الرابع. مسائل فقهية تتعلق بالخطبة. الفصل الخامس: همسات في أذن خطيب الجمعة وتنبيهات ومقترحات. هذا وقد تمت كتابة هذا البحث المتواضع بناء على تكليف من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للمشاركة في الملتقى الأول للأئمة والخطباء في المملكة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142655

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة