Muslim Library

تفسير الطبري - سورة النساء - الآية 171

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) (النساء) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَهْل الْكِتَاب لَا تَغْلُوا فِي دِينكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا أَهْل الْكِتَاب } : يَا أَهْل الْإِنْجِيل مِنْ النَّصَارَى , { لَا تَغْلُوا فِي دِينكُمْ } يَقُول : لَا تُجَاوِزُوا الْحَقّ فِي دِينكُمْ فَتُفَرِّطُوا فِيهِ , وَلَا تَقُولُوا فِي عِيسَى غَيْر الْحَقّ , فَإِنَّ قِيلكُمْ فِي عِيسَى إِنَّهُ اِبْن اللَّه قَوْل مِنْكُمْ عَلَى اللَّه غَيْر الْحَقّ , لِأَنَّ اللَّه لَمْ يَتَّخِذ وَلَدًا , فَيَكُون عِيسَى أَوْ غَيْره مِنْ خَلْقه لَهُ اِبْنًا . { وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ } وَأَصْل الْغُلُوّ فِي كُلّ شَيْء : مُجَاوَزَة حَدّه الَّذِي هُوَ حَدّه , يُقَال مِنْهُ فِي الدِّين قَدْ غَلَا فَهُوَ يَغْلُو غُلُوًّا , وَغَلَا بِالْجَارِيَةِ عَظْمهَا وَلَحْمهَا : إِذَا أَسْرَعَتْ الشَّبَاب , فَجَاوَزَتْ لِدَاتِهَا , يَغْلُو بِهَا غُلُوًّا وَغَلَاء ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الْحَارِث بْن خَالِد الْمَخْزُومِيّ : خَمْصَانَة قَلِق مُوَشَّحهَا رُؤْد الشَّبَاب غَلَا بِهَا عَظْم 8531 - وَقَدْ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : صَارُوا فَرِيقَيْنِ : فَرِيق غَلَوْا فِي الدِّين , فَكَانَ غُلُوّهُمْ فِيهِ : الشَّكّ فِيهِ وَالرَّغْبَة عَنْهُ . وَفَرِيق مِنْهُمْ قَصَرُوا عَنْهُ فَفَسَقُوا عَنْ أَمْر رَبّهمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم رَسُول اللَّه } يَعْنِي ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم } : مَا الْمَسِيح أَيّهَا الْغَالُونَ فِي دِينهمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب بِابْنِ اللَّه كَمَا تَزْعُمُونَ , وَلَكِنَّهُ عِيسَى اِبْن مَرْيَم دُون غَيْرهَا مِنْ الْخَلْق , لَا نَسَب لَهُ غَيْر ذَلِكَ . ثُمَّ نَعَتَهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِنَعْتِهِ وَوَصَفَهُ بِصِفَتِهِ , فَقَالَ : هُوَ رَسُول اللَّه , أَرْسَلَهُ اللَّه بِالْحَقِّ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقه . وَأَصْل الْمَسِيح : الْمَمْسُوح , صُرِفَ مِنْ مَفْعُول إِلَى فَعِيل , وَسَمَّاهُ اللَّه بِذَلِكَ لِتَطْهِيرِهِ إِيَّاهُ مِنْ الذُّنُوب ; وَقِيلَ : مُسِحَ مِنْ الذُّنُوب وَالْأَدْنَاس الَّتِي تَكُون فِي الْآدَمِيِّينَ , كَمَا يُمْسَح الشَّيْء مِنْ الْأَذَى الَّذِي يَكُون فِيهِ فَيَطْهُر مِنْهُ , وَلِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَمَنْ قَالَ مِثْل قَوْله : الْمَسِيح : الصِّدِّيق. وَقَدْ زَعَمَ بَعْض النَّاس أَنَّ أَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة عِبْرَانِيَّة أَوْ سُرْيَانِيَّة " مَشِيحَا " فَعُرِّبَتْ , فَقِيلَ الْمَسِيح , كَمَا عُرِّبَ سَائِر أَسْمَاء الْأَنْبِيَاء الَّتِي فِي الْقُرْآن مِثْل إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَمُوسَى وَعِيسَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلَيْسَ مَا مُثِّلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَسِيحِ بِنَظِيرٍ ; وَذَلِكَ أَنَّ إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , أَسْمَاء لَا صِفَات , وَالْمَسِيح صِفَة , وَغَيْر جَائِز أَنْ تُخَاطَب الْعَرَب وَغَيْرهَا مِنْ أَجْنَاس الْخَلْق فِي صِفَة شَيْء إِلَّا بِمِثْلِ مَا يُفْهَم عَمَّنْ خَاطَبَهَا , وَلَوْ كَانَ الْمَسِيح مِنْ غَيْر كَلَام الْعَرَب وَلَمْ تَكُنْ الْعَرَب تَعْقِل مَعْنَاهُ مَا خُوطِبَتْ بِهِ . وَقَدْ أَتَيْنَا مِنْ الْبَيَان عَنْ نَظَائِر ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة عَنْ إِعَادَته. وَأَمَّا الْمَسِيح الدَّجَّال , فَإِنَّهُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَمْسُوح الْعَيْن , صُرِفَ مِنْ مَفْعُول إِلَى فَعِيل , فَمَعْنَى الْمَسِيح فِي عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَمْسُوح الْبَدَن مِنْ الْأَدْنَاس وَالْآثَام , وَمَعْنَى الْمَسِيح فِي الدَّجَّال : الْمَمْسُوح الْعَيْن الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى كَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ .

وَأَمَّا قَوْله : { وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْكَلِمَةِ : الرِّسَالَة الَّتِي أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَته أَنْ تَأْتِيَ مَرْيَم بِهَا , بِشَارَة مِنْ اللَّه لَهَا الَّتِي ذَكَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْله : { إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِنَّ اللَّه يُبَشِّرك بِكَلِمَةٍ مِنْهُ } يَعْنِي : بِرِسَالَةٍ مِنْهُ , وَبِشَارَة مِنْ عِنْده وَقَدْ قَالَ قَتَادَة فِي ذَلِكَ , مَا : 8532 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة : { وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم } قَالَ : هُوَ قَوْله : كُنْ فَكَانَ. وَقَدْ بَيَّنَّا اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع. وَقَوْله : { أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم } يَعْنِي : أَعْلَمَهَا بِهَا وَأَخْبَرَهَا , كَمَا يُقَال : أَلْقَيْت إِلَيْك كَلِمَة حَسَنَة , بِمَعْنَى أَخْبَرْتُك بِهَا , وَكَلَّمْتُك بِهَا .

وَأَمَّا قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } فَإِنَّ أَهْل الْعِلْم اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } : وَنَفْخَة مِنْهُ , لِأَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ نَفْخَة جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي دِرْع مَرْيَم بِأَمْرِ اللَّه إِيَّاهُ بِذَلِكَ , فَنُسِبَ إِلَى أَنَّهُ رُوح مِنْ اللَّه , لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ كَانَ , قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ النَّفْخ رُوحًا لِأَنَّهَا رِيح تَخْرُج مِنْ الرُّوح , وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّة فِي صِفَة نَار نَعَتَهَا : فَلَمَّا بَدَتْ كَفَّنْتهَا وَهْيَ طِفْلَة بِطَلْسَاء لَمْ تَكْمُل ذِرَاعًا وَلَا شِبْرًا وَقُلْت لَهُ اِرْفَعْهَا إِلَيْك وَأَحْيِهَا بِرُوحِك وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَة قَدْرَا وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ بَائِس الشَّخْت وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَا الصَّبَا وَاجْعَلْ يَدَيْك لَهَا سِتْرَا فَلَمَّا جَرَتْ لِلْجَزْلِ جَرْيًا كَأَنَّهُ سَنَا الْبَرْق أَحْدَثْنَا لِخَالِقِهَا شُكْرَا وَقَالُوا : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : أَحْيِهَا بِرُوحِك : أَيْ أَحْيِهَا بِنَفْخِك . وَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَرُوح مِنْهُ } : أَنَّهُ كَانَ إِنْسَانًا بِإِحْيَاءِ اللَّه لَهُ بِقَوْلِهِ : " كُنْ " , قَالُوا : وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } : وَحَيَاة مِنْهُ , بِمَعْنَى : إِحْيَاء اللَّه إِيَّاهُ بِتَكْوِينِهِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } وَرَحْمَة مِنْهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِع آخَر : { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } 58 22 . قَالَ : وَمَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع : وَرَحْمَة مِنْهُ . قَالَ : فَجَعَلَ اللَّه عِيسَى رَحْمَة مِنْهُ عَلَى مَنْ اِتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ , لِأَنَّهُ هَدَاهُمْ إِلَى سَبِيل الرَّشَاد . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَرُوح مِنْ اللَّه خَلَقَهَا فَصَوَّرَهَا , ثُمَّ أَرْسَلَهَا إِلَى مَرْيَم , فَدَخَلَتْ فِي فِيهَا , فَصَيَّرَهَا اللَّه تَعَالَى رُوح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8533 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن سَعْد , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب فِي قَوْله : { وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتهمْ } 7 172 قَالَ : أَخَذَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا , ثُمَّ صَوَّرَهُمْ , ثُمَّ اِسْتَنْطَقَهُمْ , فَكَانَ رُوح عِيسَى مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاح الَّتِي أَخَذَ عَلَيْهَا الْعَهْد وَالْمِيثَاق , فَأَرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوح إِلَى مَرْيَم , فَدَخَلَ فِي فِيهَا فَحَمَلَتْ الَّذِي خَاطَبَهَا , وَهُوَ رُوح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الرُّوح هَهُنَا : جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَام : وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم , وَأَلْقَاهَا أَيْضًا إِلَيْهَا رُوح مِنْ اللَّه , ثُمَّ مِنْ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَلِكُلِّ هَذِهِ الْأَقْوَال وَجْه وَمَذْهَب غَيْر بَعِيد مِنْ الصَّوَاب .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله } فَصَدِّقُوا يَا أَهْل الْكِتَاب بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه وَرُبُوبِيَّته , وَأَنَّهُ لَا وَلَد لَهُ , وَصَدِّقُوا رُسُله فِيمَا جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَفِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ أَنَّ اللَّه وَاحِد لَا شَرِيك لَهُ , وَلَا صَاحِبَة لَهُ , وَلَا وَلَد لَهُ.

{ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَة } يَعْنِي : وَلَا تَقُولُوا الْأَرْبَاب ثَلَاثَة . وَرُفِعَتْ الثَّلَاثَة بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِر , وَهُوَ " هُمْ " . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَلَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَة. وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْل حِكَايَة , وَالْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ فِي الْحِكَايَة , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه : { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَة رَابِعهمْ كَلْبهمْ } وَكَذَلِكَ كُلّ مَا وَرَدَ مِنْ مَرْفُوع بَعْد الْقَوْل لَا رَافِع مَعَهُ , فَفِيهِ إِضْمَار اِسْم رَافِع لِذَلِكَ الِاسْم .

ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُتَوَعِّدًا لَهُمْ فِي قَوْلهمْ الْعَظِيم الَّذِي قَالُوهُ فِي اللَّه : اِنْتَهُوا أَيّهَا الْقَائِلُونَ اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة عَمَّا تَقُولُونَ مِنْ الزُّور وَالشَّكّ بِاَللَّهِ , فَإِنَّ الِانْتِهَاء عَنْ ذَلِكَ خَيْر لَكُمْ مِنْ قِيله , لِمَا لَكُمْ عِنْد اللَّه مِنْ الْعِقَاب الْعَاجِل لَكُمْ عَلَى قِيلكُمْ ذَلِكَ , إِنْ أَقَمْتُمْ عَلَيْهِ وَلَمْ تُنِيبُوا إِلَى الْحَقّ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَالْآجِل فِي مَعَادكُمْ.

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا اللَّه إِلَه وَاحِد } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا اللَّه إِلَه وَاحِد } : مَا اللَّه أَيّهَا الْقَائِلُونَ : اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة كَمَا تَقُولُونَ , لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وَلَد فَلَيْسَ بِإِلَهٍ , وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ صَاحِبَة فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون إِلَهًا مَعْبُودًا , وَلَكِنَّ اللَّه الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَة وَالْعِبَادَة , إِلَه وَاحِد مَعْبُود , لَا وَلَد لَهُ , وَلَا وَالِد , وَلَا صَاحِبَة , وَلَا شَرِيك .

ثُمَّ نَزَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَفْسه وَعَظَّمَهَا وَرَفَعَهَا عَمَّا قَالَ فِيهِ أَعْدَاؤُهُ الْكَفَرَة بِهِ , فَقَالَ : { سُبْحَانه أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد } يَقُول : عَلَا اللَّه وَجَلَّ وَعَزَّ وَتَعَظَّمَ وَتَنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد أَوْ صَاحِبَة .

ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده أَنَّ عِيسَى وَأُمّه , وَمَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض , عَبِيده , وَمُلْكه , وَخَلْقه , وَأَنَّهُ رَازِقهمْ وَخَالِقهمْ , وَأَنَّهُمْ أَهْل حَاجَة وَفَاقَة إِلَيْهِ , اِحْتِجَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّ الْمَسِيح اِبْنه , وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ اِبْنه كَمَا قَالُوا لَمْ يَكُنْ ذَا حَاجَة إِلَيْهِ , وَلَا كَانَ لَهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا , فَقَالَ : { لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض } يَعْنِي : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ الْأَشْيَاء كُلّهَا , مُلْكًا وَخَلْقًا , وَهُوَ يَرْزُقهُمْ وَيَقُوتهُمْ وَيُدَبِّرهُمْ , فَكَيْفَ يَكُون الْمَسِيح اِبْنًا لِلَّهِ وَهُوَ فِي الْأَرْض أَوْ فِي السَّمَوَات غَيْر خَارِج مِنْ أَنْ يَكُون فِي بَعْض هَذِهِ الْأَمَاكِن !

وَقَوْله : { وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا } يَقُول : وَحَسْب مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض بِاَللَّهِ قَيِّمًا وَمُدَبِّرًا وَرَازِقًا , مِنْ الْحَاجَة مَعَهُ إِلَى غَيْره .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإمام جعفر بن أبي طالب وآله رضي الله عنهم

    الإمام جعفر بن أبي طالب وآله رضي الله عنهم: في هذا البحث تعرَّض المؤلف لسيرة الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب وسيرة آل بيته الأطهار - رضي الله عنهم -، وذكر مواقفه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهجرته، وما إلى ذلك؛ مُعتمدًا على ما صحَّ منها، مُبيِّنًا صحيحَ ما رُوي فيها من ضعفه، مُحقِّقًا في بعضها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380432

    التحميل:

  • اترك أثرًا قبل الرحيل

    اترك أثرًا قبل الرحيل: قال المؤلف - حفظه الله -: «فإن من أعظم الأعمال أجرًا، وأكثرها مرضاةً لله - عز وجل -، تلك التي يتعدَّى نفعُها إلى الآخرين؛ وذلك لأن نفعها وأجرها وثوابها لا يقتصر على العامل وحده؛ بل يمتد إلى غيره من الناس، حتى الحيوان، فيكون النفع عامًّا للجميع. ومن أعظم الأعمال الصالحة نفعًا؛ تلك التي يأتيك أجرها وأنت في قبرك وحيدًا فريدًا، ولذا يجدر بالمسلم أن يسعى جاهدًا لترك أثرٍ قبل رحيله من هذه الدنيا ينتفع به الناس من بعده، وينتفع به هو في قبره وآخرته. وقد حرصتُ على تناول جوانب من هذا الموضوع الهام».

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com - موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341881

    التحميل:

  • الجهاد في سبيل الله في ضوء الكتاب والسنة

    الجهاد في سبيل الله في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه كلمات مختصرات في «الجهاد في سبيل الله تعالى»، بَيَّنْتُ فيها: مفهوم الجهاد، وحكمه، ومراتبه، وضوابطه، وأنواع الجهاد في سبيل الله، وأهدافه، والحكمة من مشروعيته، وفضله، والترهيب مِن ترك الجهاد في سبيل الله، وبيان شهداء غير المعركة، وأسباب وعوامل النصر على الأعداء».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1921

    التحميل:

  • إيضاح الدلالة في وجوب الحذر من دعاة الضلالة

    إيضاح الدلالة في وجوب الحذر من دعاة الضلالة: لأن دعاة الضلالة يحسنون ضلالهم، ويجعلون عليه علامات ولوحات إغراء؛ لذلك وجب التحذير منهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2500

    التحميل:

  • تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى الـمبطلين

    تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى الـمبطلين : تحتوي هذه الرسالة على عدة مسائل منها: - منهج المبطلين في إثارة الأباطيل عن القرآن. - الجمع الكتابي للقرآن الكريم. - هل القرآن الكريم من إنشاء محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ - المصادر المزعومة للقرآن الكريم. - هل تغير النص القرآني في عصر الصحابة الكرام؟ - الأباطيل المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله. - الأباطيل المتعلقة بما في القرآن عن أنبياء الله تعالى. - الأباطيل المتعلقة بشخص النبي - صلى الله عليه وسلم -. - القرآن والمسيحية. - الأخطاء المزعومة في القرآن الكريم. - الأخطاء اللغوية المزعومة في القرآن الكريم. - التناقضات المزعومة في القرآن الكريم. - المرأة في القرآن.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228829

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة