Muslim Library

تفسير الطبري - سورة النساء - الآية 171

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) (النساء) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَهْل الْكِتَاب لَا تَغْلُوا فِي دِينكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا أَهْل الْكِتَاب } : يَا أَهْل الْإِنْجِيل مِنْ النَّصَارَى , { لَا تَغْلُوا فِي دِينكُمْ } يَقُول : لَا تُجَاوِزُوا الْحَقّ فِي دِينكُمْ فَتُفَرِّطُوا فِيهِ , وَلَا تَقُولُوا فِي عِيسَى غَيْر الْحَقّ , فَإِنَّ قِيلكُمْ فِي عِيسَى إِنَّهُ اِبْن اللَّه قَوْل مِنْكُمْ عَلَى اللَّه غَيْر الْحَقّ , لِأَنَّ اللَّه لَمْ يَتَّخِذ وَلَدًا , فَيَكُون عِيسَى أَوْ غَيْره مِنْ خَلْقه لَهُ اِبْنًا . { وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ } وَأَصْل الْغُلُوّ فِي كُلّ شَيْء : مُجَاوَزَة حَدّه الَّذِي هُوَ حَدّه , يُقَال مِنْهُ فِي الدِّين قَدْ غَلَا فَهُوَ يَغْلُو غُلُوًّا , وَغَلَا بِالْجَارِيَةِ عَظْمهَا وَلَحْمهَا : إِذَا أَسْرَعَتْ الشَّبَاب , فَجَاوَزَتْ لِدَاتِهَا , يَغْلُو بِهَا غُلُوًّا وَغَلَاء ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الْحَارِث بْن خَالِد الْمَخْزُومِيّ : خَمْصَانَة قَلِق مُوَشَّحهَا رُؤْد الشَّبَاب غَلَا بِهَا عَظْم 8531 - وَقَدْ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : صَارُوا فَرِيقَيْنِ : فَرِيق غَلَوْا فِي الدِّين , فَكَانَ غُلُوّهُمْ فِيهِ : الشَّكّ فِيهِ وَالرَّغْبَة عَنْهُ . وَفَرِيق مِنْهُمْ قَصَرُوا عَنْهُ فَفَسَقُوا عَنْ أَمْر رَبّهمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم رَسُول اللَّه } يَعْنِي ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم } : مَا الْمَسِيح أَيّهَا الْغَالُونَ فِي دِينهمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب بِابْنِ اللَّه كَمَا تَزْعُمُونَ , وَلَكِنَّهُ عِيسَى اِبْن مَرْيَم دُون غَيْرهَا مِنْ الْخَلْق , لَا نَسَب لَهُ غَيْر ذَلِكَ . ثُمَّ نَعَتَهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِنَعْتِهِ وَوَصَفَهُ بِصِفَتِهِ , فَقَالَ : هُوَ رَسُول اللَّه , أَرْسَلَهُ اللَّه بِالْحَقِّ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقه . وَأَصْل الْمَسِيح : الْمَمْسُوح , صُرِفَ مِنْ مَفْعُول إِلَى فَعِيل , وَسَمَّاهُ اللَّه بِذَلِكَ لِتَطْهِيرِهِ إِيَّاهُ مِنْ الذُّنُوب ; وَقِيلَ : مُسِحَ مِنْ الذُّنُوب وَالْأَدْنَاس الَّتِي تَكُون فِي الْآدَمِيِّينَ , كَمَا يُمْسَح الشَّيْء مِنْ الْأَذَى الَّذِي يَكُون فِيهِ فَيَطْهُر مِنْهُ , وَلِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَمَنْ قَالَ مِثْل قَوْله : الْمَسِيح : الصِّدِّيق. وَقَدْ زَعَمَ بَعْض النَّاس أَنَّ أَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة عِبْرَانِيَّة أَوْ سُرْيَانِيَّة " مَشِيحَا " فَعُرِّبَتْ , فَقِيلَ الْمَسِيح , كَمَا عُرِّبَ سَائِر أَسْمَاء الْأَنْبِيَاء الَّتِي فِي الْقُرْآن مِثْل إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَمُوسَى وَعِيسَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلَيْسَ مَا مُثِّلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَسِيحِ بِنَظِيرٍ ; وَذَلِكَ أَنَّ إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , أَسْمَاء لَا صِفَات , وَالْمَسِيح صِفَة , وَغَيْر جَائِز أَنْ تُخَاطَب الْعَرَب وَغَيْرهَا مِنْ أَجْنَاس الْخَلْق فِي صِفَة شَيْء إِلَّا بِمِثْلِ مَا يُفْهَم عَمَّنْ خَاطَبَهَا , وَلَوْ كَانَ الْمَسِيح مِنْ غَيْر كَلَام الْعَرَب وَلَمْ تَكُنْ الْعَرَب تَعْقِل مَعْنَاهُ مَا خُوطِبَتْ بِهِ . وَقَدْ أَتَيْنَا مِنْ الْبَيَان عَنْ نَظَائِر ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة عَنْ إِعَادَته. وَأَمَّا الْمَسِيح الدَّجَّال , فَإِنَّهُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَمْسُوح الْعَيْن , صُرِفَ مِنْ مَفْعُول إِلَى فَعِيل , فَمَعْنَى الْمَسِيح فِي عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَمْسُوح الْبَدَن مِنْ الْأَدْنَاس وَالْآثَام , وَمَعْنَى الْمَسِيح فِي الدَّجَّال : الْمَمْسُوح الْعَيْن الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى كَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ .

وَأَمَّا قَوْله : { وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْكَلِمَةِ : الرِّسَالَة الَّتِي أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَته أَنْ تَأْتِيَ مَرْيَم بِهَا , بِشَارَة مِنْ اللَّه لَهَا الَّتِي ذَكَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْله : { إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِنَّ اللَّه يُبَشِّرك بِكَلِمَةٍ مِنْهُ } يَعْنِي : بِرِسَالَةٍ مِنْهُ , وَبِشَارَة مِنْ عِنْده وَقَدْ قَالَ قَتَادَة فِي ذَلِكَ , مَا : 8532 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة : { وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم } قَالَ : هُوَ قَوْله : كُنْ فَكَانَ. وَقَدْ بَيَّنَّا اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع. وَقَوْله : { أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم } يَعْنِي : أَعْلَمَهَا بِهَا وَأَخْبَرَهَا , كَمَا يُقَال : أَلْقَيْت إِلَيْك كَلِمَة حَسَنَة , بِمَعْنَى أَخْبَرْتُك بِهَا , وَكَلَّمْتُك بِهَا .

وَأَمَّا قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } فَإِنَّ أَهْل الْعِلْم اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } : وَنَفْخَة مِنْهُ , لِأَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ نَفْخَة جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي دِرْع مَرْيَم بِأَمْرِ اللَّه إِيَّاهُ بِذَلِكَ , فَنُسِبَ إِلَى أَنَّهُ رُوح مِنْ اللَّه , لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ كَانَ , قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ النَّفْخ رُوحًا لِأَنَّهَا رِيح تَخْرُج مِنْ الرُّوح , وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّة فِي صِفَة نَار نَعَتَهَا : فَلَمَّا بَدَتْ كَفَّنْتهَا وَهْيَ طِفْلَة بِطَلْسَاء لَمْ تَكْمُل ذِرَاعًا وَلَا شِبْرًا وَقُلْت لَهُ اِرْفَعْهَا إِلَيْك وَأَحْيِهَا بِرُوحِك وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَة قَدْرَا وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ بَائِس الشَّخْت وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَا الصَّبَا وَاجْعَلْ يَدَيْك لَهَا سِتْرَا فَلَمَّا جَرَتْ لِلْجَزْلِ جَرْيًا كَأَنَّهُ سَنَا الْبَرْق أَحْدَثْنَا لِخَالِقِهَا شُكْرَا وَقَالُوا : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : أَحْيِهَا بِرُوحِك : أَيْ أَحْيِهَا بِنَفْخِك . وَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَرُوح مِنْهُ } : أَنَّهُ كَانَ إِنْسَانًا بِإِحْيَاءِ اللَّه لَهُ بِقَوْلِهِ : " كُنْ " , قَالُوا : وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } : وَحَيَاة مِنْهُ , بِمَعْنَى : إِحْيَاء اللَّه إِيَّاهُ بِتَكْوِينِهِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } وَرَحْمَة مِنْهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِع آخَر : { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } 58 22 . قَالَ : وَمَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع : وَرَحْمَة مِنْهُ . قَالَ : فَجَعَلَ اللَّه عِيسَى رَحْمَة مِنْهُ عَلَى مَنْ اِتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ , لِأَنَّهُ هَدَاهُمْ إِلَى سَبِيل الرَّشَاد . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَرُوح مِنْ اللَّه خَلَقَهَا فَصَوَّرَهَا , ثُمَّ أَرْسَلَهَا إِلَى مَرْيَم , فَدَخَلَتْ فِي فِيهَا , فَصَيَّرَهَا اللَّه تَعَالَى رُوح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8533 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن سَعْد , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب فِي قَوْله : { وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتهمْ } 7 172 قَالَ : أَخَذَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا , ثُمَّ صَوَّرَهُمْ , ثُمَّ اِسْتَنْطَقَهُمْ , فَكَانَ رُوح عِيسَى مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاح الَّتِي أَخَذَ عَلَيْهَا الْعَهْد وَالْمِيثَاق , فَأَرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوح إِلَى مَرْيَم , فَدَخَلَ فِي فِيهَا فَحَمَلَتْ الَّذِي خَاطَبَهَا , وَهُوَ رُوح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الرُّوح هَهُنَا : جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَام : وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم , وَأَلْقَاهَا أَيْضًا إِلَيْهَا رُوح مِنْ اللَّه , ثُمَّ مِنْ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَلِكُلِّ هَذِهِ الْأَقْوَال وَجْه وَمَذْهَب غَيْر بَعِيد مِنْ الصَّوَاب .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله } فَصَدِّقُوا يَا أَهْل الْكِتَاب بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه وَرُبُوبِيَّته , وَأَنَّهُ لَا وَلَد لَهُ , وَصَدِّقُوا رُسُله فِيمَا جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَفِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ أَنَّ اللَّه وَاحِد لَا شَرِيك لَهُ , وَلَا صَاحِبَة لَهُ , وَلَا وَلَد لَهُ.

{ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَة } يَعْنِي : وَلَا تَقُولُوا الْأَرْبَاب ثَلَاثَة . وَرُفِعَتْ الثَّلَاثَة بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِر , وَهُوَ " هُمْ " . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَلَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَة. وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْل حِكَايَة , وَالْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ فِي الْحِكَايَة , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه : { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَة رَابِعهمْ كَلْبهمْ } وَكَذَلِكَ كُلّ مَا وَرَدَ مِنْ مَرْفُوع بَعْد الْقَوْل لَا رَافِع مَعَهُ , فَفِيهِ إِضْمَار اِسْم رَافِع لِذَلِكَ الِاسْم .

ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُتَوَعِّدًا لَهُمْ فِي قَوْلهمْ الْعَظِيم الَّذِي قَالُوهُ فِي اللَّه : اِنْتَهُوا أَيّهَا الْقَائِلُونَ اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة عَمَّا تَقُولُونَ مِنْ الزُّور وَالشَّكّ بِاَللَّهِ , فَإِنَّ الِانْتِهَاء عَنْ ذَلِكَ خَيْر لَكُمْ مِنْ قِيله , لِمَا لَكُمْ عِنْد اللَّه مِنْ الْعِقَاب الْعَاجِل لَكُمْ عَلَى قِيلكُمْ ذَلِكَ , إِنْ أَقَمْتُمْ عَلَيْهِ وَلَمْ تُنِيبُوا إِلَى الْحَقّ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَالْآجِل فِي مَعَادكُمْ.

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا اللَّه إِلَه وَاحِد } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا اللَّه إِلَه وَاحِد } : مَا اللَّه أَيّهَا الْقَائِلُونَ : اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة كَمَا تَقُولُونَ , لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وَلَد فَلَيْسَ بِإِلَهٍ , وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ صَاحِبَة فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون إِلَهًا مَعْبُودًا , وَلَكِنَّ اللَّه الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَة وَالْعِبَادَة , إِلَه وَاحِد مَعْبُود , لَا وَلَد لَهُ , وَلَا وَالِد , وَلَا صَاحِبَة , وَلَا شَرِيك .

ثُمَّ نَزَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَفْسه وَعَظَّمَهَا وَرَفَعَهَا عَمَّا قَالَ فِيهِ أَعْدَاؤُهُ الْكَفَرَة بِهِ , فَقَالَ : { سُبْحَانه أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد } يَقُول : عَلَا اللَّه وَجَلَّ وَعَزَّ وَتَعَظَّمَ وَتَنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد أَوْ صَاحِبَة .

ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده أَنَّ عِيسَى وَأُمّه , وَمَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض , عَبِيده , وَمُلْكه , وَخَلْقه , وَأَنَّهُ رَازِقهمْ وَخَالِقهمْ , وَأَنَّهُمْ أَهْل حَاجَة وَفَاقَة إِلَيْهِ , اِحْتِجَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّ الْمَسِيح اِبْنه , وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ اِبْنه كَمَا قَالُوا لَمْ يَكُنْ ذَا حَاجَة إِلَيْهِ , وَلَا كَانَ لَهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا , فَقَالَ : { لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض } يَعْنِي : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ الْأَشْيَاء كُلّهَا , مُلْكًا وَخَلْقًا , وَهُوَ يَرْزُقهُمْ وَيَقُوتهُمْ وَيُدَبِّرهُمْ , فَكَيْفَ يَكُون الْمَسِيح اِبْنًا لِلَّهِ وَهُوَ فِي الْأَرْض أَوْ فِي السَّمَوَات غَيْر خَارِج مِنْ أَنْ يَكُون فِي بَعْض هَذِهِ الْأَمَاكِن !

وَقَوْله : { وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا } يَقُول : وَحَسْب مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض بِاَللَّهِ قَيِّمًا وَمُدَبِّرًا وَرَازِقًا , مِنْ الْحَاجَة مَعَهُ إِلَى غَيْره .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الحجاب لماذا؟

    الحجاب لماذا؟: فقد لقيت المرأة المسلمة من التشريع الإسلامي عناية فائقة كفيلة بأن تصون عفتها, وتجعلها عزيزة الجانب, سامية المكانة, وإن القيود التي فُرضت عليها في ملبسها وزينتها لم تكن إلا لسد ذريعة الفساد الذي ينتج عن التبرج بالزينة, فما صنعه الإسلام ليس تقيدًا لحرية المرأة, بل هو وقاية لها أن تسقط في دَرَكِ المهانة, وَوَحْل الابتذال, أو تكون مَسْرحًا لأعين الناظرين؛ وفي هذه الرسالة بيان لبعض فضائل الحجاب للترغيب فيه؛ والتبشير بحسن عاقبته, وقبائح التبرج للترهيب منه؛ والتحذير من سوء عاقبته في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339993

    التحميل:

  • في رحاب الإسلام

    في رحاب الإسلام: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذه مجموعةٌ من الموضوعات الإسلامية تتعلَّق بالدعوة إلى إصلاحِ الفردِ المُسلمِ، رأيتُ أن أُقدِّمها لإخواني المُسلمين؛ رجاء تحقيقِ الهدفين التاليين: أولاً: رجاء أن ينتفِع بها المُسلِمون .. ثانيًا: رجاء أن ينفعني الله تعالى بذلك يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384413

    التحميل:

  • آثار الفتن

    آثار الفتن: إن الذي لا يعرف الفتن ولا آثارها وعواقبها ربما دخل في شيء منها وأضرَّت بحياته; ثم يلحقه الندم بعد ذلك; ومعرفة هذه الآثار نافعٌ ومفيدٌ للعبد; لأنه من باب النظر في العواقب ومآلات الأمور.; وفي هذه الرسالة ذكر الشيخ آثار وعواقب الفتن; وذكر الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316772

    التحميل:

  • خير القرون

    خير القرون: رسالة جمعت الأناشيد التي أخرجتها المبرَّة في إصدار سابق عن خير البرية - عليه الصلاة والسلام -، وفضائل آل البيت وبعض الصحابة - رضي الله عنهم -، مع شرحٍ مختصرٍ لهذه الأناشيد.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339676

    التحميل:

  • شرح الفتوى الحموية الكبرى [ صالح آل الشيخ ]

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322206

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة