Muslim Library

تفسير الطبري - سورة النساء - الآية 170

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) (النساء) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُول بِالْحَقِّ مِنْ رَبّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَا أَيّهَا النَّاس } مُشْرِكِي الْعَرَب , وَسَائِر أَصْنَاف الْكُفْر . { قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُول } يَعْنِي : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَدْ جَاءَكُمْ { بِالْحَقِّ مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول : بِالْإِسْلَامِ الَّذِي اِرْتَضَاهُ اللَّه لِعِبَادِهِ دِينًا , يَقُول : مِنْ رَبّكُمْ : يَعْنِي مِنْ عِنْد رَبّكُمْ . { فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ } يَقُول : فَصَدِّقُوهُ وَصَدِّقُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّكُمْ مِنْ الدِّين , فَإِنَّ الْإِيمَان بِذَلِكَ خَيْر لَكُمْ مِنْ الْكُفْر بِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله نُصِبَ قَوْله : { خَيْرًا لَكُمْ } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : نَصَبَ خَيْرًا عَلَى الْخُرُوج مِمَّا قَبْله مِنْ الْكَلَام , لِأَنَّ مَا قَبْله مِنْ الْكَلَام قَدْ تَمَّ , وَذَلِكَ قَوْله : { فَآمِنُوا } , وَقَالَ : قَدْ سَمِعْت الْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ فِي كُلّ خَبَر كَانَ تَامًّا ثُمَّ اِتَّصَلَ بِهِ كَلَام بَعْد تَمَامه عَلَى نَحْو اِتِّصَال " خَيْر " بِمَا قَبْله , فَتَقُول : لَتَقُومَنَّ خَيْرًا لَك , وَلَوْ فَعَلْت ذَلِكَ خَيْرًا لَك , وَاتَّقِ اللَّه خَيْرًا لَك . قَالَ : وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَلَام نَاقِصًا , فَلَا يَكُون إِلَّا بِالرَّفْعِ كَقَوْلِك : إِنَّ تَتَّقِ اللَّه خَيْر لَك , و { وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْر لَكُمْ } 4 25 . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : جَاءَ النَّصْب فِي " خَيْر " , لِأَنَّ أَصْل الْكَلَام : فَآمِنُوا هُوَ خَيْر لَكُمْ , فَلَمَّا سَقَطَ " هُوَ " الَّذِي هُوَ مَصْدَر اِتَّصَلَ الْكَلَام بِمَا قَبْله , وَاَلَّذِي قَبْله مَعْرِفَة و " خَيْر " نَكِرَة , فَانْتُصِبَ لِاتِّصَالِهِ بِالْمَعْرِفَةِ , لِأَنَّ الْإِضْمَار مِنْ الْفِعْل : قُمْ فَالْقِيَام خَيْر لَك , وَلَا تَقُمْ فَتَرْك الْقِيَام خَيْر لَك ; فَلَمَّا سَقَطَ اِتَّصَلَ بِالْأَوَّلِ . وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّك تَرَى الْكِنَايَة عَنْ الْأَمْر تَصْلُح قَبْل الْخَبَر , فَتَقُول لِلرَّجُلِ : اِتَّقِ اللَّه هُوَ خَيْر لَك , أَيْ الِاتِّقَاء خَيْر لَك . وَقَالَ : لَيْسَ نَصْبه عَلَى إِضْمَار " يَكُنْ " , لِأَنَّ ذَلِكَ يَأْتِي بِقِيَاسٍ يُبْطِل هَذَا , أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : اِتَّقِ اللَّه تَكُنْ مُحْسِنًا , وَلَا يَجُوز أَنْ تَقُول : اِتَّقِ اللَّه مُحْسِنًا , وَأَنْتَ تُضْمِر " كَانَ " , وَلَا يَصْلُح أَنْ تَقُول : اُنْصُرْنَا أَخَانَا , وَأَنْتَ تُرِيد : تَكُنْ أَخَانَا . وَزَعَمَ قَائِل هَذَا الْقَوْل أَنَّهُ لَا يُجِيز ذَلِكَ إِلَّا فِي " أَفْعَل " خَاصَّة , فَتَقُول : اِفْعَلْ هَذَا خَيْرًا لَك , وَلَا تَفْعَل هَذَا خَيْرًا لَك وَأَفْضَل لَك ; وَلَا تَقُول : صَلَاحًا لَك . وَزَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ مَعَ " أَفْعَل " , لِأَنَّ " أَفْعَل " يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا أَصْلَح مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : نُصِبَ " خَيْرًا " لِأَنَّهُ حِين قَالَ لَهُمْ : آمِنُوا , أَمَرَهُمْ بِمَا هُوَ خَيْر لَهُمْ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : اِعْمَلُوا خَيْرًا لَكُمْ , وَكَذَلِكَ : اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ , قَالَ : وَهَذَا إِنَّمَا يَكُون فِي الْأَمْر وَالنَّهْي خَاصَّة , وَلَا يَكُون فِي الْخَبَر , لَا تَقُول : أَنْ أَنْتَهِي خَيْرًا لِي , وَلَكِنْ يُرْفَع عَلَى كَلَامَيْنِ لِأَنَّ الْأَمْر وَالنَّهْي يُضْمَر فِيهِمَا , فَكَأَنَّك أَخْرَجْته مِنْ شَيْء إِلَى شَيْء , لِأَنَّك حِين قُلْت لَهُ اِنْتَهِ , كَأَنَّك قُلْت لَهُ : اُخْرُجْ مِنْ ذَا , وَادْخُلْ فِي آخَر ; وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِر عُمَر بْن أَبِي رَبِيعَة : فَوَاعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مَالِكٍ أَوْ الرُّبَا بَيْنهمَا أَسْهَلَا كَمَا تَقُول : وَاعِدِيهِ خَيْرًا لَك . قَالَ : وَقَدْ سَمِعْت نَصْب هَذَا فِي الْخَبَر , تَقُول الْعَرَب : آتِي الْبَيْت خَيْرًا لِي وَأَتْرُكهُ خَيْرًا لِي , وَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرْت لَك فِي الْأَمْر وَالنَّهْي . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : نَصَبَ " خَيْرًا " بِفِعْلٍ مُضْمَر , وَاكْتَفَى مِنْ ذَلِكَ الْمُضْمَر بِقَوْلِهِ : لَا تَفْعَل هَذَا وَافْعَلْ الْخَيْر , وَأَجَازَهُ فِي غَيْر " أَفْعَل " , فَقَالَ : لَا تَفْعَل ذَاكَ صَلَاحًا لَك . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : نَصَبَ " خَيْرًا " عَلَى ضَمِير جَوَاب : يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ , وَقَالَ : كَذَلِكَ كُلّ أَمْر وَنَهْي .

{ وَإِنْ تَكْفُرُوا } يَقُول : وَإِنْ تَجْحَدُوا رِسَالَته , وَتُكَذِّبُوا بِهِ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّكُمْ , فَإِنَّ جُحُودكُمْ ذَلِكَ وَتَكْذِيبكُمْ بِهِ لَنْ يَضُرّ غَيْركُمْ , وَإِنَّمَا مَكْرُوه ذَلِكَ عَائِد عَلَيْكُمْ دُون اللَّه الَّذِي أَمَرَكُمْ بِاَلَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْكُمْ رَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ أَنَّ { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض } مُلْكًا وَخَلْقًا , لَا يَنْقُص كُفْركُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ بِهِ مِنْ أَمْره , وَعِصْيَانكُمْ إِيَّاهُ فِيمَا عَصَيْتُمُوهُ فِيهِ مِنْ مُلْكه وَسُلْطَانه شَيْئًا .

{ وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا حَكِيمًا } يَقُول : وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا بِمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَته فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ وَمَعْصِيَته فِي ذَلِكَ , وَعَلَى عِلْم مِنْهُ بِذَلِكَ مِنْكُمْ أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ . { حَكِيمًا } يَعْنِي : حَكِيمًا فِي أَمْره إِيَّاكُمْ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِي نَهْيه إِيَّاكُمْ عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ , وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيره فِيكُمْ وَفِي غَيْركُمْ مِنْ خَلْقه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • صلاة الجمعة في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة الجمعة في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة الجمعة بيَّنت فيها: مفهوم الجمعة، والأصل في وجوبها، وحكم صلاة الجمعة: من تجب عليه ومن لا تجب، وأنها فرض عين على من توفرت فيه ثمانية شروط، ومن حضرها ممن لا تجب عليه من المسلمين العقلاء أجزأته عن صلاة الظهر، وانعقدت به وصح أن يؤم فيها إلا المرأة فلا يصح أن تكون خطيباً، ولا إماماً، ثم بيّنت عقوبة تارك الجمعة، وأوضحت فضائل يوم الجمعة، وفضائل صلاة الجمعة، وآداب الجمعة: الواجبة والمستحبة، ثم ذكرت خصائصها بإيجاز، ثم شروط صحة الجمعة، ثم صفة صلاة الجمعة، وقد استفدت كثيراً من تقريرات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله تعالى، ورفع درجاته في جنات النعيم -».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/58442

    التحميل:

  • الواجبات المتحتمات المعرفة على كل مسلم ومسلمة

    الواجبات المتحتمات المعرفة على كل مسلم ومسلمة: رسالة مختصرة ونفيسة تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، مع بيان شروط لا إله إلا الله، ثم بيان نواقض الإسلام، ثم بيان أقسام التوحيد مع ذكر ضده وهو الشرك، مع بيان أقسامه.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332950

    التحميل:

  • خمسون وصية ووصية لتكون خطيبا ناجحا

    خمسون وصية ووصية لتكون خطيبا ناجحا : وقفة مع الخطيب وصفاته، نحاول التعرف على جوانب ثقافته ومصادر أفكاره وأهم المكونات التي تؤثر في إفرازه وإيجاده.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142666

    التحميل:

  • الطريق إلى الإمتياز

    الطريق إلى الإمتياز : فإن الطريق إلى الامتياز في النجاح الدراسي هو منهج له أسس وقواعد قاسمها المشترك دائمًا هو الجد والاجتهاد والطموح والمثابرة. وبقليل من التنظيم الحازم، وكثير من الجد المتواصل يستطيع الطالب – أي طالب – أن ينال مراده ويظفر بمبتغاه. فما هو الطريق إلى نيل الامتياز؟ ....

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265569

    التحميل:

  • الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة

    الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة : كتاب مختصر نافع في رجال الكتب الستة: الصحيحين، والسنن الأربعة، مقتضب من كتاب تهذيب الكمال للشيخ الحافظ ابي الحجاج المزي، اقتصر فيه المؤلف على ذكر من له رواية في الكتب الستة، دون باقي التواليف التي في التهذيب أو من ذكر للتمييز، أو كرر للتنبيه.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141379

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة