Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الزمر - الآية 9

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) (الزمر) mp3
بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْمُؤْمِن لَيْسَ كَالْكَافِرِ الَّذِي مَضَى ذِكْره . وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَالْكِسَائِيّ " أَمَّنْ " بِالتَّشْدِيدِ . وَقَرَأَ نَافِع وَابْن كَثِير وَيَحْيَى اِبْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة : " أَمَنْ هُوَ " بِالتَّخْفِيفِ عَلَى مَعْنَى النِّدَاء ; كَأَنَّهُ قَالَ يَا مَنْ هُوَ قَانِت . قَالَ الْفَرَّاء : الْأَلِف بِمَنْزِلَةِ يَا , تَقُول يَا زَيْد أَقْبِلْ وَأَزَيْد أَقْبِلْ . وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وَجَمِيع النَّحْوِيِّينَ ; كَمَا قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْر : أَبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمُ بِيَدٍ إِلَّا يَدًا لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ وَقَالَ آخَر هُوَ ذُو الرُّمَّة : أَدَارًا بِحُزْوَى هِجْتِ لِلْعَيْنِ عَبْرَةً فَمَاءُ الْهَوَى يَرْفَضُّ أَوْ يَتَرَقْرَقُ فَالتَّقْدِير عَلَى هَذَا " قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِك قَلِيلًا إِنَّك مِنْ أَصْحَاب النَّار " يَا مَنْ هُوَ قَانِت إِنَّك مِنْ أَصْحَاب الْجَنَّة ; كَمَا يُقَال فِي الْكَلَام : فُلَان لَا يُصَلِّي وَلَا يَصُوم , فَيَا مَنْ يُصَلِّي وَيَصُوم أَبْشِرْ ; فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْأَلِف فِي " أَمَنْ " أَلِف اِسْتِفْهَام أَيْ " أَمَنْ هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل " أَفْضَلُ ؟ أَمْ مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا ؟ وَالتَّقْدِير الَّذِي هُوَ قَانِت خَيْر . وَمَنْ شَدَّدَ " أَمَّنْ " فَالْمَعْنَى الْعَاصُونَ الْمُتَقَدِّم ذِكْرُهُمْ خَيْر " أَمَّنْ هُوَ قَانِت " فَالْجُمْلَة الَّتِي عَادَلَتْ أَمْ مَحْذُوفَة , وَالْأَصْل أَمْ مَنْ فَأُدْغِمَتْ فِي الْمِيم . النَّحَّاس : وَأَمْ بِمَعْنَى بَلْ , وَمَنْ بِمَعْنَى الَّذِي ; وَالتَّقْدِير : أَمْ الَّذِي هُوَ قَانِت أَفْضَل مِمَّنْ ذُكِرَ . وَفِي قَانِت أَرْبَعَة أَوْجُه : أَحَدهَا أَنَّهُ الْمُطِيع ; قَالَهُ اِبْن مَسْعُود . الثَّانِي أَنَّهُ الْخَاشِع فِي صَلَاته ; قَالَهُ اِبْن شِهَاب . الثَّالِث أَنَّهُ الْقَائِم فِي صَلَاته ; قَالَهُ يَحْيَى بْن سَلَّام . الرَّابِع أَنَّهُ الدَّاعِي لِرَبِّهِ . وَقَوْل اِبْن مَسْعُود يَجْمَع ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( كُلّ قُنُوت فِي الْقُرْآن فَهُوَ طَاعَة لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) وَرُوِيَ عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ أَيّ الصَّلَاة أَفْضَل ؟ فَقَالَ : ( طُول الْقُنُوت ) وَتَأَوَّلَهُ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّهُ طُول الْقِيَام . وَرَوَى عَبْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر سُئِلَ عَنْ الْقُنُوت فَقَالَ : مَا أَعْرِف الْقُنُوت إِلَّا طُول الْقِيَام , وَقِرَاءَة الْقُرْآن . وَقَالَ مُجَاهِد : مِنْ الْقُنُوت طُول الرُّكُوع وَغَضّ الْبَصَر . وَكَانَ الْعُلَمَاء إِذَا وَقَفُوا فِي الصَّلَاة غَضُّوا أَبْصَارهمْ , وَخَضَعُوا وَلَمْ يَلْتَفِتُوا فِي صَلَاتهمْ , وَلَمْ يَعْبَثُوا وَلَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا مِنْ أَمْر الدُّنْيَا إِلَّا نَاسِينَ . قَالَ النَّحَّاس : أَصْل هَذَا أَنَّ الْقُنُوت الطَّاعَة , فَكُلّ مَا قِيلَ فِيهِ فَهُوَ طَاعَة لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَهَذِهِ الْأَشْيَاء كُلّهَا دَاخِلَة فِي الطَّاعَة وَمَا هُوَ أَكْثَر مِنْهَا كَمَا قَالَ نَافِع : قَالَ لِي اِبْن عُمَر قُمْ فَصَلِّ فَقُمْت أُصَلِّي وَكَانَ عَلَيَّ ثَوْبٌ خَلِق , فَدَعَانِي فَقَالَ لِي : أَرَأَيْت لَوْ وَجَّهْتُك فِي حَاجَة أَكُنْت تَمْضِي هَكَذَا ؟ فَقُلْت : كُنْت أَتَزَيَّن قَالَ : فَاَللَّه أَحَقّ أَنْ تَتَزَيَّن لَهُ . وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين الْقَانِت هَاهُنَا , فَذَكَرَ يَحْيَى بْن سَلَّام أَنَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة الضَّحَّاك عَنْهُ : هُوَ أَبُو بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَقَالَ اِبْن عُمَر : هُوَ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَالَ مُقَاتِل : إِنَّهُ عَمَّار بْن يَاسِر . الْكَلْبَى : صُهَيْب وَأَبُو ذَرّ وَابْن مَسْعُود . وَعَنْ الْكَلْبِيّ أَيْضًا أَنَّهُ مُرْسَل فِيمَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الْحَال . " آنَاء اللَّيْل " قَالَ الْحَسَن : سَاعَاته ; أَوَّله وَأَوْسَطه وَآخِره . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : " آنَاء اللَّيْل " جَوْف اللَّيْل . قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهَوِّنَ اللَّه عَلَيْهِ الْوُقُوف يَوْم الْقِيَامَة , فَلْيَرَهُ اللَّهُ فِي ظُلْمَة اللَّيْل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَة , وَيَرْجُو رَحْمَة رَبّه . وَقِيلَ : مَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء . وَقَوْل الْحَسَن عَامّ .

قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : أَيْ عَذَاب الْآخِرَة .

أَيْ نَعِيم الْجَنَّة . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُل يَتَمَادَى فِي الْمَعَاصِي وَيَرْجُو فَقَالَ : هَذَا مُتَمَنٍّ . وَلَا يَقِف عَلَى قَوْله : " رَحْمَة رَبّه " مَنْ خَفَّفَ " أَمَنْ هُوَ قَانِت " عَلَى مَعْنَى النِّدَاء ; لِأَنَّ قَوْله : " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ " مُتَّصِل إِلَّا أَنْ يُقَدَّر فِي الْكَلَام حَذْف وَهُوَ أَيْسَر , عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه .

قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ كَمَا لَا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْمُطِيع وَالْعَاصِي . وَقَالَ غَيْره : الَّذِينَ يَعْلَمُونَ هُمْ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِعِلْمِهِمْ وَيَعْمَلُونَ بِهِ , فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَنْتَفِع بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَعْمَل بِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَعْلَم .

أَيْ أَصْحَاب الْعُقُول مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اِنْتَفَعُوا بِعُقُولِهِمْ
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • نشأة بدع الصوفية

    نشأة بدع الصوفية: هذا الكتاب يتحدَّث عن الصوفية وألقابها، ويذكر كيف ومتى نشأت بدع التصوُّف ومراحلها، وأول بدع التصوُّف أين كانت؟ ويُبيِّن بذور التصوُّف الطرقي من القرن الثالث، فهو كتابٌ شاملٌ لمبدأ هذه البدعة ومدى انتشارها في بلاد المسلمين.

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333181

    التحميل:

  • الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام

    في هذه الرسالة بعض التعقيبات على كتاب الحلال والحرام في الإسلام لفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314806

    التحميل:

  • 50 زهرة من حقل النصح للمرأة المسلمة

    50 زهرة من حقل النصح للمرأة المسلمة: قال المؤلف: «في هذه الصفحات مجموعة إرشادات، وثلة توجيهات عندما تطبقينها في واقع حياتك وتحرصين على التشبث بها وتندمين على فواتها ستنقلب حياتك من شقاء إلى رحلة، ومن تعاسة إلى سعادة؛ بل ستحسين للحياة طعمًا آخر وتنظرين لها نظرة أخرى، وقد دفعني إلى كتابتها حب الخير، وابتغاء الأجر، والرغبة في الإصلاح».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344603

    التحميل:

  • ارق نفسك وأهلك بنفسك

    ارق نفسك وأهلك بنفسك : في هذا الكتاب تعريف الرقية وبيان أنواعها، مع بيان ضابط الرقية المشروعة وشروط الانتفاع التام بالرقية، ثم ذكر بعض الأسباب التي تساعد في تعجيل الشفاء، ثم بيان أسباب عشرة يندفع بها شر الحاسد وغيره، ثم بيان بيان آيات وأدعية الرقية.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166516

    التحميل:

  • من مشاهد القيامة وأهوالها وما يلقاه الإنسان بعد موته

    في هذه الرسالة التحذير من الافتتان والاغترار بالدنيا الفانية والإعراض عن الآخرة الباقية، ثم ذكر بعض أهوال يوم القيامة، ثم ذكر وصف جنات النعيم وأهلها، ثم ذكر أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209203

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة