Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الزمر - الآية 7

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) (الزمر) mp3
" إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّه غَنِيّ عَنْكُمْ " شَرْط وَجَوَابه . " وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْر " أَيْ إِنْ يَكْفُرُوا أَيْ لَا يُحِبّ ذَلِكَ مِنْهُمْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : مَعْنَاهُ لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْكُفْر , وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ : " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان " [ الْإِسْرَاء : 65 ] . وَكَقَوْلِهِ : " عَيْنًا يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه " [ الْإِنْسَان : 6 ] أَيْ الْمُؤْمِنُونَ . وَهَذَا عَلَى قَوْل مَنْ لَا يُفَرِّق بَيْن الرِّضَا وَالْإِرَادَة . وَقِيلَ : لَا يَرْضَى الْكُفْر وَإِنْ أَرَادَهُ ; فَاَللَّه تَعَالَى يُرِيد الْكُفْر مِنْ الْكَافِر وَبِإِرَادَتِهِ كُفْر لَا يَرْضَاهُ وَلَا يُحِبُّهُ , فَهُوَ يُرِيد كَوْن مَا لَا يَرْضَاهُ , وَقَدْ أَرَادَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَلْق إِبْلِيس وَهُوَ لَا يَرْضَاهُ , فَالْإِرَادَة غَيْر الرِّضَا . وَهَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة .

أَيْ يَرْضَى الشُّكْر لَكُمْ ; لِأَنَّ " تَشْكُرُوا " يَدُلّ عَلَيْهِ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي الشُّكْر فِي [ الْبَقَرَة ] وَغَيْرهَا . وَيَرْضَى بِمَعْنَى يُثِيب وَيُثْنِي , فَالرِّضَا عَلَى هَذَا إِمَّا ثَوَابُهُ فَيَكُون صِفَة فِعْل " لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ " [ إِبْرَاهِيم : 7 ] وَإِمَّا ثَنَاؤُهُ فَهُوَ صِفَة ذَات . وَ " يَرْضَهُ " بِالْإِسْكَانِ فِي الْهَاء قَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَأَبُو عَمْرو وَشَيْبَة وَهُبَيْرَة عَنْ عَاصِم . وَأَشْبَعَ الضَّمَّة اِبْن ذَكْوَان وَابْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن وَالْكِسَائِيّ وَوَرْش عَنْ نَافِع . وَاخْتَلَسَ الْبَاقُونَ .

أَيْ لَا تَحْمِل حَامِلَة ثِقَل أُخْرَى , أَيْ لَا تُؤْخَذ نَفْس بِذَنْبِ غَيْرهَا , بَلْ كُلّ نَفْس مَأْخُوذَة بِجُرْمِهَا وَمُعَاقَبَة بِإِثْمِهَا . وَأَصْل الْوِزْر الثِّقَل ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك " [ الشَّرْح : 2 ] . وَهُوَ هُنَا الذَّنْب ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ عَلَى ظُهُورهمْ " [ الْأَنْعَام : 31 ] . وَقَدْ تَقَدَّمَ . قَالَ الْأَخْفَش : يُقَال وَزَرَ يَوْزَرُ , وَوَزَرَ يَزِر , وَوَزَرَ يَوْزَرُ وِزْرًا . وَيَجُوز إِزْرًا , كَمَا يُقَال : إِسَادَة . قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة فِي الْآخِرَة , وَكَذَلِكَ الَّتِي قَبْلهَا ; فَأَمَّا الَّتِي فِي الدُّنْيَا فَقَدْ يُؤَاخَذ فِيهَا بَعْضهمْ بِجُرْمِ بَعْض , لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَنْهَ الطَّائِعُونَ الْعَاصِينَ , كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث أَبِي بَكْر فِي قَوْله : " عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ " [ الْمَائِدَة : 105 ] . وَقَوْل تَعَالَى : " وَاتَّقُوا فِتْنَة لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة " [ الْأَنْفَال : 25 ] . " إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " [ الرَّعْد : 11 ] . وَقَالَتْ زَيْنَب بِنْت جَحْش : يَا رَسُول اللَّه , أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَث ) . قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ أَوْلَاد الزِّنَى . وَالْخَبَث ( بِفَتْحِ الْبَاء ) اِسْم لِلزِّنَى . فَأَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى عَلَى لِسَان رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَة الْخَطَأ عَلَى الْعَاقِلَة حَتَّى لَا يَبْطُل دَم الْحُرّ الْمُسْلِم تَعْظِيمًا لِلدِّمَاءِ . وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْر خِلَاف بَيْنهمْ فِي ذَلِكَ ; فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا فِي الدُّنْيَا , فِي أَلَّا يُؤَاخَذ زَيْد بِفِعْلِ عَمْرو , وَأَنَّ كُلّ مُبَاشِر لِجَرِيمَةٍ فَعَلَيْهِ مَغَبَّتُهَا . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي رِمْثَة قَالَ ; اِنْطَلَقْت مَعَ أَبِي نَحْو النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي : ( اِبْنُك هَذَا ) ؟ قَالَ : إِي وَرَبِّ الْكَعْبَة . قَالَ : ( حَقًّا ) . قَالَ : أَشْهَدُ بِهِ . قَالَ : فَتَبَسَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَاحِكًا مِنْ ثَبْت شَبَهِي فِي أَبِي , وَمِنْ حَلِفِ أَبِي عَلَيَّ . ثُمَّ قَالَ : ( أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ ) . وَقَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " . وَلَا يُعَارِض مَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ : " وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهمْ " وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْ " [ الْعَنْكَبُوت : 13 ] ; فَإِنَّ هَذَا مُبَيَّن فِي الْآيَة الْأُخْرَى قَوْله : " لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَة يَوْم الْقِيَامَة وَمِنْ أَوْزَار الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم " [ النَّحْل : 25 ] . فَمَنْ كَانَ إِمَامًا فِي الضَّلَالَة وَدَعَا إِلَيْهَا وَاتُّبِعَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَحْمِل وِزْر مَنْ أَضَلَّهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُص مِنْ وِزْر الْمُضِلّ شَيْء , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التحفة السنية في الفوائد والقواعد الفقهية

    التحفة السنية في الفوائد والقواعد الفقهية : قال المؤلف - رحمه الله -: فقد كثر التسأول من طلبة العلم المعاصرين عن مصطلحات وتعريفات الفقهاء، في مذهب الإمام المبجل: أحمد بن محمد بن حنبل، ومما يطلقه الأصحاب في قولهم هذا الحكم، أو هذه المسألة من رواية الجماعة وما يطلقونه على المذهب عند المتقدمين والمتوسطين والمتأخرين. وحيث إن غالب هذه التعريفات والمصطلحات، وتنويع المذاهب، لا توجد إلا في الكتب الكبار ولاسيما المختصة بالأصول، وقد لا يهتدي الطالب إلى مكانها، ولا يستطيع استخراجها، وبالتالي معرفتها، ولأني لم أقف على رسالة خاصة في هذا الشأن أحببت أن أجمع ذلك، وأوضحه باختصار، فائدةً للطالب المبتدئ، وتذكرة للعالم المنتهي- وسأذكر من أعيان أصحابنا من اشتهر بالتصنيف، أو له قول، أو رأي في المذهب توبع عليه، سواء أكان متقدمًا، أو متوسطًا، أو متأخرًا، مع ذكر الوفاة.

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265568

    التحميل:

  • كيف نفهم التوحيد؟

    کیف نفهم التوحيد؟: رسالة مختصرة في بيان حقيقة التوحيد بأسلوبٍ حواريٍّ علميٍّ مفيد.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166784

    التحميل:

  • شرح العقيدة الواسطية من تقريرات سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، وقد قام فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - بجمع تقريرات سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - على هذا الكناب النفيس، وقد أخرجها وأعدها للطبع الشيخ عبد المحسن القاسم - أثابه الله - إمام وخطيب المسجد النبوي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203415

    التحميل:

  • لماذا ندرس السيرة؟

    لماذا ندرس السيرة؟: قال المؤلف - حفظه الله -: «إن السيرة النبوية لا تُدرس من أجل المتعة في التنقل بين أحداثها أو قصصها، ولا من أجل المعرفة التاريخية لحقبة زمنية من التاريخ مضَت، ولا محبةً وعشقًا في دراسة سير العظماء والأبطال، ذلك النوع من الدراسة السطحية إن أصبح مقصدًا لغير المسلم من دراسة السيرة، فإن للمسلم مقاصد شتى من دراستها». وذكر ثلاثة مقاصد لدراسة السيرة النبوية، ثم تعرَّض لخصائص وميزات السيرة.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333175

    التحميل:

  • تعرف على الإسلام

    تعرف على الإسلام : هذا الكتاب دعوة للتأمل في تعاليم الإسلام، مع كشف حقيقة ما يردده البعض عن اتهام الإسلام بالإرهاب والحض على الكراهية، وبأنه ظلم المرأة وعطل طاقتها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172991

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة