Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الزمر - الآية 56

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) (الزمر) mp3
" أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب أَيْ كَرَاهَة " أَنْ تَقُول " وَعِنْد الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَقُول وَعِنْد الْبَصْرِيِّينَ حَذَر " أَنْ تَقُول " . وَقِيلَ : أَيْ مِنْ قَبْل " أَنْ تَقُول نَفْس " لِأَنَّهُ قَالَ قِيلَ هَذَا : " مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَاب " الزَّمَخْشَرِيّ : فَإِنْ قُلْت لِمَ نُكِّرَتْ ؟ قُلْت : لِأَنَّ الْمُرَاد بِهَا بَعْض الْأَنْفُس وَهِيَ نَفْس الْكَافِر . وَيَجُوز أَنْ يُرِيد نَفْسًا مُتَمَيِّزَة مِنْ الْأَنْفُس , إِمَّا بِلَجَاجٍ فِي الْكُفْر شَدِيد , أَوْ بِعِقَابٍ عَظِيم . وَيَجُوز أَنْ يُرَاد التَّكْثِير كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : وَرُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْت بِجَوِّهِ أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا وَهُوَ يُرِيد أَفْوَاجًا مِنْ الْكِرَام يَنْصُرُونَهُ لَا كَرِيمًا وَاحِدًا , وَنَظِيره : رُبَّ بَلَدٍ قَطَعْت , وَرُبَّ بَطَلٍ قَارَعْت , وَلَا يُقْصَد إِلَّا التَّكْثِير .

وَالْأَصْل " يَا حَسْرَتِي " فَأُبْدِلَ مِنْ الْيَاء أَلِف ; لِأَنَّهَا أَخَفّ وَأَمْكَنُ فِي الِاسْتِغَاثَة بِمَدِّ الصَّوْت , وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْهَاء ; أَنْشَدَ الْفَرَّاء : يَا مَرْحَبَاهُ بِحِمَار نَاجِيَهْ إِذَا أَتَى قَرَّبْته لِلسَّانِيَهْ وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاء بَعْد الْأَلِف ; لِتَدُلَّ عَلَى الْإِضَافَة . وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَر : " يَا حَسْرَتَايَ " وَالْحَسْرَة النَّدَامَة

قَالَ الْحَسَن : فِي طَاعَة اللَّه . وَقَالَ الضَّحَّاك : أَيْ فِي ذِكْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : يَعْنِي الْقُرْآن وَالْعَمَل بِهِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : " فِي جَنْب اللَّه " أَيْ فِي ثَوَاب اللَّه . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْجَنْب الْقُرْب وَالْجِوَار ; يُقَال فُلَان يَعِيش فِي جَنْب فُلَان أَيْ فِي جِوَاره ; وَمِنْهُ " وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ " [ النِّسَاء : 36 ] أَيْ مَا فَرَّطْت فِي طَلَب جِوَاره وَقَرَّبَهُ وَهُوَ الْجَنَّة . وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ عَلَى مَا فَرَّطْت فِي الطَّرِيق الَّذِي هُوَ طَرِيق اللَّه الَّذِي دَعَانِي إِلَيْهِ . وَالْعَرَب تُسَمِّي السَّبَب وَالطَّرِيق إِلَى الشَّيْء جَنْبًا ; تَقُول : تَجَرَّعْت فِي جَنْبك غُصَصًا ; أَيْ لِأَجْلِك وَسَبَبك وَلِأَجْلِ مَرْضَاتك . وَقِيلَ : " فِي جَنْب اللَّه " أَيْ فِي الْجَانِب الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى رِضَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَثَوَابه , وَالْعَرَب تُسَمِّي الْجَانِب جَنْبًا , قَالَ الشَّاعِر : قُسِمَ مَجْهُودًا لِذَاكَ الْقَلْبُ النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ يَعْنِي النَّاس مِنْ جَانِب وَالْأَمِير مِنْ جَانِب . وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : أَيْ تَرَكْت مِنْ أَمْر اللَّه ; يُقَال مَا فَعَلْت ذَلِكَ فِي جَنْب حَاجَتِي ; قَالَ كُثَيِّر : أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْك تَقَطَّعُ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد ; أَيْ ضَيَّعْت مِنْ أَمْر اللَّه . وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَا جَلَسَ رَجُل مَجْلِسًا وَلَا مَشَى مَمْشًى وَلَا اِضْطَجَعَ مُضْطَجِعًا لَمْ يَذْكُر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْم الْقِيَامَة ) أَيْ حَسْرَة ; خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ . وَقَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : مِنْ الْحَسَرَات يَوْم الْقِيَامَة أَنْ يَرَى الرَّجُل مَاله الَّذِي آتَاهُ اللَّه فِي الدُّنْيَا يَوْم الْقِيَامَة فِي مِيزَان غَيْره , قَدْ وَرِثَهُ وَعَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ , كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَعَلَى الْآخَر وِزْره , وَمِنْ الْحَسَرَات أَنْ يَرَى الرَّجُل عَبْده الَّذِي خَوَّلَهُ اللَّه إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا أَقْرَبَ مَنْزِلَة مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , أَوْ يَرَى رَجُلًا يَعْرِفهُ أَعْمَى فِي الدُّنْيَا قَدْ أَبْصَرَ يَوْم الْقِيَامَة وَعَمِيَ هُوَ .

أَيْ وَمَا كُنْت إِلَّا مِنْ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالْقُرْآنِ وَبِالرَّسُولِ فِي الدُّنْيَا وَبِأَوْلِيَاءِ اللَّه تَعَالَى : قَالَ قَتَادَة : لَمْ يَكْفِهِ أَنْ ضَيَّعَ طَاعَة اللَّه حَتَّى سَخِرَ مِنْ أَهْلهَا وَمَحَلّ " إِنْ كُنْت " النَّصْب عَلَى الْحَال ; كَأَنَّهُ قَالَ : فَرَّطْت وَأَنَا سَاخِر ; أَيْ فَرَّطْت فِي حَال سُخْرِيَتِي . وَقِيلَ : وَمَا كُنْت إِلَّا فِي سُخْرِيَة وَلَعِب وَبَاطِل ; أَيْ مَا كَانَ سَعْيِي إِلَّا فِي عِبَادَة غَيْر اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • والثمن الجنة

    والثمن الجنة: قال المصنف - حفظه الله -: «بين يديك - أخي القارئ - الجزء الثاني من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «والثمن الجنة» الذي يتحدث عن موضوع مهم ألا وهو الصلاة، التي فرط فيها بعض الناس وتهاون بها البعض الآخر. ونحن في زمن الضعف والتكاسل والتشاغل أحببت ذكر همم من كان قبلنا ومسارعته لأداء هذه الفريضة العظيمة حتى تكون محيية للقلوب محركة للنفوس مقوية للعزائم».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208978

    التحميل:

  • سبعون مسألة في الصيام

    سبعون مسألة في الصيام: فإن الله قد امتن على عباده بمواسم الخيرات، فيها تضاعف الحسنات، وتُمحى السيئات، وتُرفع الدرجات، ومن أعظم هذه المواسم شهر رمضان الذي فرضه الله على العباد، ورغبهم فيه، وأرشدهم إلى شكره على فرضه، ولما كان قدر هذه العبادة عظيمًا كان لابدّ من تعلّم الأحكام المتعلقة بشهر الصيام، وهذه الرسالة تتضمن خلاصات في أحكام الصيام وآدابه وسننه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1873

    التحميل:

  • إتحاف أهل الإيمان بما يعصم من فتن هذا الزمان

    في هذه الرسالة بعض الأسباب التي تعصم من الفتن.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209161

    التحميل:

  • تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل

    تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل : رد على كتاب فصول في الجدل لبرهان الدين النسفي الحنفي - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: علي بن محمد العمران - محمد عزيز شمس

    الناشر: مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية - دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273059

    التحميل:

  • حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع

    زاد المستقنع في اختصار المقنع: تأليف العلامة الشيخ شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى ابن سالم المقدسي الحجاوي ثم الصالحي الدمشقي الحنبلي المتوفي سنة (960هـ) وقيل (968هـ) - رحمه الله تعالى -. اقتصر فيه على القول الراجح في مذهب الإمام أحمد - رحمه الله -، وحذف ما يندر وقوعه من المسائل مما هو مذكور في أصله الذي هو المقنع، وزاد من الفوائد ما يعتمد على مثله مما ليس في المقنع؛ لذا حرص العلماء على شرحه، ومن هؤلاء العلامة منصور البهوتي في كتابه الروض المربع، وكان شرحه من أحسن شروح الزاد، ونال من الشهرة والمكانة الشيء الكثير؛ وفي هذه الصفحة حاشية عليه للعلامة ابن قاسم - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/70853

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة