Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الزمر - الآية 23

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) (الزمر) mp3
يَعْنِي الْقُرْآن لَمَّا قَالَ : " فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ " [ الزُّمَر : 18 ] بَيَّنَ أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُسْمَع مَا أَنْزَلَهُ اللَّه وَهُوَ الْقُرْآن . قَالَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ حَدَّثْتنَا فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " اللَّه نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيث " فَقَالُوا : لَوْ قَصَصْت عَلَيْنَا فَنَزَلَ : " نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْك أَحْسَنَ الْقَصَص " [ يُوسُف : 3 ] فَقَالُوا : لَوْ ذَكَّرْتنَا فَنَزَلَ : " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَع قُلُوبهمْ لِذِكْرِ اللَّه " [ الْحَدِيد : 16 ] الْآيَة . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلُّوا مَلَّة فَقَالُوا لَهُ : حَدِّثْنَا فَنَزَلَتْ . وَالْحَدِيث مَا يُحَدِّث بِهِ الْمُحَدِّث . وَسُمِّيَ الْقُرْآن حَدِيثًا ; لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحَدِّث بِهِ أَصْحَابه وَقَوْمه , وَهُوَ كَقَوْلِهِ : " فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْده يُؤْمِنُونَ " [ الْمُرْسَلَات : 50 ] وَقَوْله : " أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيث تَعْجَبُونَ " [ النَّجْم : 59 ] وَقَوْله : " إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا " [ الْكَهْف : 6 ] وَقَوْله : " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّه حَدِيثًا " [ النِّسَاء : 87 ] وَقَوْله : " فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّب بِهَذَا الْحَدِيث " [ الْقَلَم : 44 ] قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَتَوَهَّمَ قَوْم أَنَّ الْحَدِيث مِنْ الْحُدُوث ; فَلْيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كَلَامه مُحْدَث وَهُوَ وَهْم ; لِأَنَّهُ لَا يُرِيد لَفْظ الْحَدِيث عَلَى مَا فِي قَوْله : " مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبّهمْ مُحْدَث " وَقَدْ قَالُوا : إِنَّ الْحُدُوث يَرْجِع إِلَى التِّلَاوَة لَا إِلَى الْمَتْلُوّ , وَهُوَ كَالذِّكْرِ مَعَ الْمَذْكُور إِذَا ذَكَرْنَا أَسْمَاء الرَّبّ تَعَالَى .

" كِتَابًا " نَصْب عَلَى الْبَدَل مِنْ " أَحْسَن الْحَدِيث " وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَالًا مِنْهُ . " مُتَشَابِهًا " يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا فِي الْحُسْن وَالْحِكْمَة وَيُصَدِّق بَعْضه بَعْضًا , لَيْسَ فِيهِ تَنَاقُض وَلَا اِخْتِلَاف . وَقَالَ قَتَادَة : يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا فِي الْآي وَالْحُرُوف . وَقِيلَ : يُشْبِه كُتُب اللَّه الْمُنَزَّلَة عَلَى أَنْبِيَائِهِ ; لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ أَمْر وَنَهْي وَتَرْغِيب وَتَرْهِيب وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ وَأَعْجَزَ .

تُثَنَّى فِيهِ الْقَصَص وَالْمَوَاعِظ وَالْأَحْكَام وَثَنَّى لِلتِّلَاوَةِ فَلَا يُمَلُّ .

تَضْطَرِب وَتَتَحَرَّك بِالْخَوْفِ مِمَّا فِيهِ مِنْ الْوَعِيد . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ : ذَرَأَ أُبَيّ بْن كَعْب عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَصْحَابه فَرَقُّوا فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِغْتَنِمُوا الدُّعَاء عِنْد الرِّقَّة فَإِنَّهَا رَحْمَة ) . وَعَنْ الْعَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا اِقْشَعَرَّ جِلْد الْمُؤْمِن مِنْ مَخَافَة اللَّه تَحَاتَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ عَنْ الشَّجَرَة الْبَالِيَة وَرَقهَا ) . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا اِقْشَعَرَّ جِلْد عَبْد مِنْ خَشْيَة اللَّه إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّه عَلَى النَّار ) . وَعَنْ شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ أُمّ الدَّرْدَاء قَالَتْ : إِنَّمَا الْوَجَل فِي قَلْب الرَّجُل كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَة , أَمَا تَجِد إِلَّا قُشَعْرِيرَة ؟ قُلْت : بَلَى ; قَالَتْ : فَادْعُ اللَّه فَإِنَّ الدُّعَاء عِنْد ذَلِكَ مُسْتَجَاب . وَعَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ قَالَ : قَالَ فُلَان : إِنِّي لَأَعْلَم مَتَى يُسْتَجَاب لِي . قَالُوا : وَمِنْ أَيْنَ تَعْلَم ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِذَا اِقْشَعَرَّ جِلْدِي , وَوَجِلَ قَلْبِي , وَفَاضَتْ عَيْنَايَ , فَذَلِكَ حِين يُسْتَجَاب لِي . يُقَال : اِقْشَعَرَّ جِلْد الرَّجُل اقْشِعْرَارًا فَهُوَ مُقْشَعِرّ وَالْجَمْع قَشَاعِر فَتُحْذَف الْمِيم , لِأَنَّهَا زَائِدَة ; يُقَال أَخَذَتْهُ قُشَعْرِيرَة . قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَبِتّ أُكَابِدُ لَيْلَ التَّمَا مِ وَالْقَلْبُ مِنْ خَشْيَةٍ مُقْشَعِرٌّ وَقِيلَ : إِنَّ الْقُرْآن لَمَّا كَانَ فِي غَايَة الْجَزَالَة وَالْبَلَاغَة , فَكَانُوا إِذَا رَأَوْا عَجْزهمْ عَنْ مُعَارَضَته , اِقْشَعَرَّتْ الْجُلُود مِنْهُ إِعْظَامًا لَهُ , وَتَعَجُّبًا مِنْ حُسْن تَرْصِيعه وَتَهَيُّبًا لِمَا فِيهِ ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن عَلَى جَبَل لَرَأَيْته خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَة اللَّه " [ الْحَشْر : 21 ] فَالتَّصَدُّع قَرِيب مِنْ الِاقْشِعْرَار , وَالْخُشُوع قَرِيب مِنْ قَوْله : " ثُمَّ تَلِينُ جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذِكْر اللَّه "

أَيْ عِنْد آيَة الرَّحْمَة . وَقِيلَ : إِلَى الْعَمَل بِكِتَابِ اللَّه وَالتَّصْدِيق بِهِ . وَقِيلَ : " إِلَى ذِكْر اللَّه " يَعْنِي الْإِسْلَام . وَمَعْنَى لِين الْقَلْب رِقَّته وَطُمَأْنِينَته وَسُكُونه . وَعَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَتْ : كَانَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن كَمَا نَعَتَهُمْ اللَّه تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ وَتَقْشَعِرّ جُلُودهمْ . قِيلَ لَهَا : فَإِنَّ أُنَاسًا الْيَوْم إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن خَرَّ أَحَدهمْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ . فَقَالَتْ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم . وَقَالَ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْجُمَحِيّ : مَرَّ اِبْن عُمَر بِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الْقُرْآن سَاقِط فَقَالَ : مَا بَال هَذَا ؟ قَالُوا : إِنَّهُ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَسَمِعَ ذِكْر اللَّه سَقَطَ . فَقَالَ اِبْن عُمَر : إِنَّا لَنَخْشَى اللَّه وَمَا نَسْقُط . ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَان يَدْخُل فِي جَوْف أَحَدِهِمْ ; مَا كَانَ هَذَا صَنِيع أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز : ذُكِرَ عِنْد اِبْن سِيرِينَ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن , فَقَالَ : بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَنْ يَقْعُد أَحَدهمْ عَلَى ظَهْر بَيْت بَاسِطًا رِجْلَيْهِ , ثُمَّ يُقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن مِنْ أَوَّله إِلَى آخِره فَإِنْ رَمَى بِنَفْسِهِ فَهُوَ صَادِق . وَقَالَ أَبُو عِمْرَان الْجَوْنِيّ : وَعَظَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بَنِي إِسْرَائِيل ذَات يَوْم فَشَقَّ رَجُل قَمِيصه , فَأَوْحَى اللَّه إِلَى مُوسَى : قُلْ لِصَاحِبِ الْقَمِيص لَا يَشُقّ قَمِيصه فَإِنِّي لَا أُحِبُّ الْمُبَذِّرِينَ ; يَشْرَح لِي عَنْ قَلْبه .

أَيْ الْقُرْآن هُدَى اللَّه . وَقِيلَ : أَيْ الَّذِي وَهَبَهُ اللَّه لِهَؤُلَاءِ مِنْ خَشْيَة عِقَابه وَرَجَاء ثَوَابه هُدَى اللَّه .

أَيْ مَنْ خَذَلَهُ فَلَا مُرْشِد لَهُ . وَهُوَ يَرُدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمْ . وَقَدْ مَضَى مَعْنَى هَذَا كُلّه مُسْتَوْفًى فِي غَيْر مَوْضِع وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَوَقَفَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن عَلَى قَوْله : " هَادٍ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْيَاءِ , الْبَاقُونَ بِغَيْرِ يَاء .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تجارب للآباء والأمهات في تعويد الأولاد على الصلاة

    هل هذه شكواك من أولادك؟!! * يصلي أمامي فقط ... وعند غيابي لا يصلي! * يجمع الفروض! * تصلي ولكن بعد نقاش طويل ومحاولات متكررة! * حتى الضرب لا ينفع معه فهو عنيد! * تصلي فرضاً وتترك فرضين! * لقد تعبت، نومه ثقيل جداً! * أحسن بآلام في معدتي عندما لا يستيقظ ولدي للصلاة! * صلاتها سريعة وغير خاشعة. إذا كانت هذه معاناتك مع أولادك فحاول أن تستفيد من التجارب الناجحة للآخرين

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117121

    التحميل:

  • تناقضات

    هذه محاضرة للشيخ عبدالعزيز السدحان فرغها في كتاب الأخ إبراهيم السبتي وأعاد صياغتها الأخ بندر الشويقي، وتحدث الشيخ فيها عن أربعة وثلاثين مسألة يكون فيها تناقض شرعي بين الناس، بعد ذكر أسباب ذلك، ومن أمثلتها الفتوى مع قلة العلم، وتزويج تارك الصلاة وترك غيره، والتعامل مع الخادمات بقسوة في الطعام والشراب والتساهل معها في كشف الوجه، إلى غير ذلك...

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/261643

    التحميل:

  • الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي

    الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي: رسالة تتضمن البراهين القواطع الدالة على أن الدين الإسلامي وعلومه وأعماله وتوجيهاته جمعت كل خير ورحمة وهداية, وصلاح وإصلاح مطلق لجميع الأحوال, وأن العلوم الكونية والفنون العصرية الصحيحة النافعة داخلة في ضمن علوم الدين, وأعماله ليست منافية لها, كما زعم الجاهلون والماديون.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2133

    التحميل:

  • ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين في ضوء الكتاب والسنة

    ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنِّف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين» ذكرت فيها أربعة مباحث: المبحث الأول: مفهوم ثواب القُرَبِ لغةً واصطلاحًا. المبحث الثاني: ما يلحق الميت من عمله. المبحث الثالث: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين، بيَّنت في هذا المبحث الأدلّة من الكتاب والسة في وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين. المبحث الرابع: أنواع القرب المهداة إلى أموات المسلمين، ذكرت فيه أقوال أهل العلم في أنواع القرب المهداة إلى أموات المسلمين».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/268340

    التحميل:

  • تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر

    تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر: بيَّن المؤلف في هذا الكتاب عِظَم قدر هذه السورة؛ حيث إنها تسمى سورة التوديع؛ لأنها نزلت آخر سور القرآن، وكانت إنباءً بقرب أجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنذ نزولها والنبي - صلى الله يُكثِر من الاستغفار امتثالاً لأمر ربه - جل وعلا -، لذا وجبت العناية بها وتدبر معانيها وكلام أهل العلم في تفسيرها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314993

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة