Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الزمر - الآية 8

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) (الزمر) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَان ضُرّ دَعَا رَبّه مُنِيبًا إِلَيْهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَان بَلَاء فِي جَسَده مِنْ مَرَض , أَوْ عَاهَة , أَوْ شِدَّة فِي مَعِيشَته , وَجَهْد وَضِيق { دَعَا رَبّه } يَقُول : اِسْتَغَاثَ بِرَبِّهِ الَّذِي خَلَقَهُ مِنْ شِدَّة ذَلِكَ , وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي كَشْف مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ شِدَّة ذَلِكَ. وَقَوْله : { مُنِيبًا إِلَيْهِ } يَقُول : تَائِبًا إِلَيْهِ مِمَّا كَانَ مِنْ قَبْل ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر بِهِ , وَإِشْرَاك الْآلِهَة وَالْأَوْثَان بِهِ فِي عِبَادَته , رَاجِعًا إِلَى طَاعَته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23154- حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَان ضُرّ } قَالَ : الْوَجَع وَالْبَلَاء وَالشِّدَّة { دَعَا رَبّه مُنِيبًا إِلَيْهِ } قَالَ : مُسْتَغِيثًا بِهِ .

وَقَوْله : { ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَة مِنْهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ إِذَا مَنَحَهُ رَبّه نِعْمَة مِنْهُ , يَعْنِي عَافِيَة , فَكَشَفَ عَنْهُ ضُرّه , وَأَبْدَلَهُ بِالسَّقَمِ صِحَّة , وَبِالشِّدَّةِ رَخَاء . وَالْعَرَب تَقُول لِكُلِّ مَنْ أَعْطَى غَيْره مِنْ مَال أَوْ غَيْره : قَدْ خَوَّلَهُ ; وَمِنْهُ قَوْل أَبِي النَّجْم الْعِجْلِيّ : أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَل وَلَمْ يَبْخَل كَوْم الذُّرَا مِنْ خَوَل الْمُخَوَّل وَحُدِّثْت عَنْ أَبِي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت أَبَا عَمْرو يَقُول فِي بَيْت زُهَيْر : هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلُوا الْمَال يُخْوِلُوا وَإِنْ يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا قَالَ مَعْمَر : قَالَ يُونُس : إِنَّمَا سَمِعْنَاهُ : * هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْبَلُوا الْمَال يُخْبِلُوا * قَالَ : وَهِيَ بِمَعْنَاهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23155- حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَة مِنْهُ } : إِذَا أَصَابَتْهُ عَافِيَة أَوْ خَيْر.


وَقَوْله : { نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْل } يَقُول : تَرَكَ دُعَاءَهُ الَّذِي كَانَ يَدْعُو إِلَى اللَّه مِنْ قَبْل أَنْ يُكْشَف مَا كَانَ بِهِ مِنْ ضُرّ { وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا } يَعْنِي : شُرَكَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23156 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { نَسِيَ } يَقُول : تَرَكَ , هَذَا فِي الْكَافِر خَاصَّة . وَلِ " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { نَسِيَ مَا كَانَ } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الَّذِي , وَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : تَرَكَ الَّذِي كَانَ يَدْعُوهُ فِي حَال الضُّرّ الَّذِي كَانَ بِهِ , يَعْنِي بِهِ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , فَتَكُون " مَا " مَوْضُوعَة عِنْد ذَلِكَ مَوْضِع " مَنْ " كَمَا قِيلَ : { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد } 109 3 يَعْنِي بِهِ اللَّه , وَكَمَا قِيلَ : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } 4 3 . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْمَصْدَر عَلَى مَا ذَكَرْت . وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْمَصْدَر , كَانَ فِي الْهَاء الَّتِي فِي قَوْله : { إِلَيْهِ } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون مِنْ ذِكْر مَا . وَالْآخَر : مِنْ ذِكْر الرَّبّ .


وَقَوْله : { وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا } يَقُول : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَمْثَالًا وَأَشْبَاهًا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلُوهَا فِيهِ لَهُ أَنْدَادًا , قَالَ بَعْضهمْ : جَعَلُوهَا لَهُ أَنْدَادًا فِي طَاعَتهمْ إِيَّاهُ فِي مَعَاصِي اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23157 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا } قَالَ : الْأَنْدَاد مِنْ الرِّجَال : يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ عَبَدَ الْأَوْثَان , فَجَعَلَهَا لِلَّهِ أَنْدَادًا فِي عِبَادَتهمْ إِيَّاهَا . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِهِ أَنَّهُ أَطَاعَ الشَّيْطَان فِي عِبَادَة الْأَوْثَان , فَحُصِلَ لَهُ الْأَوْثَان أَنْدَادًا , لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاق عِتَاب اللَّه إِيَّاهُمْ لَهُ عَلَى عِبَادَتهَا .

وَقَوْله : { لِيُضِلّ عَنْ سَبِيله } يَقُول : لِيُزِيلَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَحِّد اللَّه وَيُؤْمِن بِهِ عَنْ تَوْحِيده , وَالْإِقْرَار بِهِ , وَالدُّخُول فِي الْإِسْلَام. وَقَوْله : { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِك قَلِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِفَاعِلِ ذَلِكَ : تَمَتَّعْ بِكُفْرِك بِاَللَّهِ قَلِيلًا إِلَى أَنْ تَسْتَوْفِي أَجَلك , فَتَأْتِيك مَنِيَّتك { إِنَّك مِنْ أَصْحَاب النَّار } : أَيْ إِنَّك مِنْ أَهْل النَّار الْمَاكِثِينَ فِيهَا . وَقَوْله : { تَمَتَّعْ بِكُفْرِك } : وَعِيد مِنْ اللَّه وَتَهَدُّد.
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أسئلة وأجوبة عن أحكام الجنازة

    أسئلة وأجوبة عن أحكام الجنازة: مجموعة من الأسئلة وُجِّهت للشيخ العلامة عبد الله القرعاوي - وفقه الله -، وقد أجاب عنها بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال أهل العلم.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341903

    التحميل:

  • مواقف العلماء عبر العصور في الدعوة إلى الله تعالى

    مواقف العلماء عبر العصور في الدعوة إلى الله تعالى: قال المصنف في المقدمة: «فهذه رسالة مختصرة في «مواقف العلماء في الدعوة إلى الله تعالى عبر العصور»، بيّنتُ فيها نماذج من المواقف المشرّفة في الدعوة إلى الله تعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337980

    التحميل:

  • تكريم المرأة في الإسلام

    تكريم المرأة في الإسلام : لقد كرم الإسلام المرأة بأن جعلها مربية الأجيال، وربط صلاح المجتمع بصلاحها، وفساده بفسادها، لأنها تقوم بعمل عظيم في بيتها، ألا وهو تربية الأولاد الذين يتكوَّن منهم المجتمع، ومن المجتمع تتكون الدولة المسلمة. وبلغ من تكريم الإسلام للمرأة أن خصص لها سورة من القرآن سماها «سورة النساء» ولم يخصص للرجال سورة لهم، فدل ذلك على اهتمام الإسلام بالمرأة، ولا سيما الأم، فقد أوصى الله تعالى بها بعد عبادته، وفي هذه الرسالة بيان بعض صور تكريم الإسلام للمرأة.

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314994

    التحميل:

  • فتح الجليل في ترجمة وثبَت شيخ الحنابلة عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل

    فتح الجليل في ترجمة وثبَت شيخ الحنابلة عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل: هذا الكتاب جمع فيه مؤلفُه ترجمةً مُوسَّعةً للشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل - رحمه الله تعالى -، وهي عرضٌ لصور الحياة العلمية والقضائية في القرن الماضي بالمملكة العربية السعودية، وتراجم لأعلام وتحرير أسانيد الحنابلة، وغير ذلك من التحقيقات والوثائق. - الكتاب من نشر دار البشائر الإسلامية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371149

    التحميل:

  • موارد الظمآن لدروس الزمان

    كتاب ماتع يحتوي على حكم وأَحكام وقواعد ومواعظ وآداب وأَخلاق حسان، سماه مؤلفه « موارد الظمآن لدروس الزمان ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/52462

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة