Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة ص - الآية 35

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) (ص) mp3
أَيْ اِغْفِرْ لِي ذَنْبِي

يُقَال : كَيْف أَقْدَمَ سُلَيْمَان عَلَى طَلَب الدُّنْيَا , مَعَ ذَمِّهَا مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَبُغْضه لَهَا , وَحَقَارَتهَا لَدَيْهِ ؟ . فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُول عِنْد الْعُلَمَاء عَلَى أَدَاء حُقُوق اللَّه تَعَالَى وَسِيَاسَة مُلْكه , وَتَرْتِيب مَنَازِل خَلْقه , وَإِقَامَة حُدُوده , وَالْمُحَافَظَة عَلَى رُسُومه , وَتَعْظِيم شَعَائِره , وَظُهُور عِبَادَته , وَلُزُوم طَاعَته , وَنُظُم قَانُون الْحُكْم النَّافِذ عَلَيْهِمْ مِنْهُ , وَتَحْقِيق الْوُعُود فِي أَنَّهُ يَعْلَم مَا لَا يَعْلَم أَحَد مِنْ خَلْقه حَسَبَ مَا صَرَّحَ بِذَلِكَ لِمَلَائِكَتِهِ فَقَالَ : " إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ " [ الْبَقَرَة : 30 ] 183 وَحَاشَا سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَكُون سُؤَاله طَلَبًا لِنَفْسِ الدُّنْيَا ; لِأَنَّهُ هُوَ وَالْأَنْبِيَاء أَزْهَد خَلْق اللَّه فِيهَا , وَإِنَّمَا سَأَلَ مَمْلَكَتهَا لِلَّهِ , كَمَا سَأَلَ نُوح دَمَارَهَا وَهَلَاكَهَا لِلَّهِ ; فَكَانَا مَحْمُودَيْنِ مُجَابَيْنِ إِلَى ذَلِكَ , فَأُجِيبَ نُوح فَأُهْلِك مَنْ عَلَيْهَا , وَأُعْطِيَ سُلَيْمَان الْمَمْلَكَة . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ عَلَى الصِّفَة الَّتِي عَلِمَ اللَّه أَنَّهُ لَا يَضْبِطُهُ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ دُون سَائِر عِبَاده , أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ مُلْكًا عَظِيمًا فَقَالَ : " لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي " وَهَذَا فِيهِ نَظَر . وَالْأَوَّل أَصَحّ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : " هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب " قَالَ الْحَسَن : مَا مِنْ أَحَد إِلَّا وَلِلَّهِ عَلَيْهِ تَبِعَة فِي نِعَمِهِ غَيْر سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُ قَالَ : " هَذَا عَطَاؤُنَا " الْآيَة . قُلْت : وَهَذَا يَرُدّ مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر : إِنَّ آخِر الْأَنْبِيَاء دُخُولًا الْجَنَّة سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام لِمَكَانِ مُلْكه فِي الدُّنْيَا . وَفِي بَعْض الْأَخْبَار : يَدْخُل الْجَنَّة بَعْد الْأَنْبِيَاء بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ; ذَكَرَهُ صَاحِب الْقُوت وَهُوَ حَدِيث لَا أَصْل لَهُ ; لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ إِذَا كَانَ عَطَاؤُهُ لَا تَبِعَةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيق الْمِنَّة , فَكَيْف يَكُون آخِر الْأَنْبِيَاء دُخُولًا الْجَنَّة , وَهُوَ سُبْحَانه يَقُول : " وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْن مَآب " . وَفِي الصَّحِيح : ( لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة مُسْتَجَابَة فَتَعَجَّلَ كُلّ نَبِيٍّ دَعَوْتَهُ ... ) الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ فَجَعَلَ لَهُ مِنْ قَبْل السُّؤَال حَاجَة مَقْضِيَّة , فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ تَبِعَة . وَمَعْنَى قَوْله : " لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي " أَيْ أَنْ يَسْأَلَهُ . فَكَأَنَّهُ سَأَلَ مَنْع السُّؤَال بَعْده , حَتَّى لَا يَتَعَلَّق بِهِ أَمَل أَحَد , وَلَمْ يَسْأَل مَنْع الْإِجَابَة . وَقِيلَ : إِنَّ سُؤَالَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْده ; لِيَكُونَ مَحَلّه وَكَرَامَته مِنْ اللَّه ظَاهِرًا فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض ; فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام لَهُمْ تَنَافُس فِي الْمَحَلّ عِنْده , فَكُلٌّ يُحِبُّ أَنْ تَكُون لَهُ خُصُوصِيَّة يَسْتَدِلّ بِهَا عَلَى مَحَلّه عِنْده , وَلِهَذَا لَمَّا أَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِفْرِيت الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَقْطَع عَلَيْهِ صَلَاته وَأَمْكَنَهُ اللَّه مِنْهُ , أَرَادَ رَبْطه ثُمَّ تَذَكَّرَ قَوْلَ أَخِيهِ سُلَيْمَان : " رَبّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي " فَرَدَّهُ خَاسِئًا . فَلَوْ أُعْطِيَ أَحَد بَعْده مِثْله ذَهَبَتْ الْخُصُوصِيَّة , فَكَأَنَّهُ كَرِهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُزَاحِمَهُ فِي تِلْكَ الْخُصُوصِيَّة , بَعْد أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ شَيْء هُوَ الَّذِي خُصَّ بِهِ مِنْ سُخْرَة الشَّيَاطِين , وَأَنَّهُ أُجِيبَ إِلَى أَلَّا يَكُون لِأَحَدٍ بَعْده . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مواضيع تهم الشباب

    اشتملت هذه الرسالة على أوصاف المؤمنين، وأسبابِِِِِ السعادة، والحث على شكر النعم، ومحاسبة النفس في القول والعمل، وعلى التنبيه على الأعمال المشروعة للمسلم في اليوم والليلة بإيجاز، وعلى ذكْر شيء من محاسن الدين الإسلامي، كما اشتملتْ على ذِكر أهمية الوقت في حياة المسلم، وحفظ الأوقات والاستفادة منها، وأهم ما يُشغل به الوقت، وعلى ذكر أهمية القراءة وفوائدها وقواعد المذاكرة السلمية، وعلى بيان دور المسلم في الحياة، ومقتضى العبودية لله، وحُكم السفر إلى بلاد الكفرة، والتحذير منه وبيان خطره، وعلى ذِكْر شيء من أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وموقف الإسلام مِن القلق، والحث على الالتزام بالمنهج الإلهي، وذِكْر شيء من المنجيات من عذاب الله، وآداب الأكل والشرب واللباس، إلى غير ذلك ممَّا اشتملتْ عليه من أحكام، وفتاوى، وفوائد.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335001

    التحميل:

  • عقد الدرر فيما صح في فضائل السور

    عِقدُ الدُّرَر فيما صحَّ في فضائل السور: جمع المؤلف في هذه الرسالة ما صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من فضائل سور القرآن، ورتَّبها حسب الأفضل والأهم، وذلك مما ورد فيها نص صحيح بتفضيلها، مع التنبيه أنه لا ينبغي أن يُتَّخَذ شيءٌ من القرآن مهجورًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272778

    التحميل:

  • الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته ودعوته في الرؤية الاستشراقية [ دراسة نقدية ]

    الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته ودعوته في الرؤية الاستشراقية : يتكون هذا الكتاب من ثلاثة فصول: - الفصل الأول " التمهيدي " : دراسة وصفية لأهم مصادر المستشرقين عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته. - الفصل الثاني: حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتكوينه العلمي في الرؤية الاستشراقية ونقدها. - الفصل الثالث: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرؤية الاستشراقية ونقدها. - قدم له: معالي الشيخ: صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ - حفظه الله -، وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144872

    التحميل:

  • الدرر البهية في المسائل الفقهية وعليه الغرر النقية

    الدرر البهية في المسائل الفقهية وعليه الغرر النقية: تعليقات على متن الدرر البهية في المسائل الفقهية للإمام محمدُ بنُ عليٍّ الشوكانيِّ، المولودِ سنَةَ اثنتيَنِ وسَبعِيَن ومِائةٍ بعدَ الألفِ، المتوَفىَ سنَةَ خَمْسِيَن مِن القرنِ الثالثِ عشَرَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2650

    التحميل:

  • مجموعة الحديث للشيخ محمد بن عبد الوهاب

    عبارة عن ترتيب للأحاديث المنتقاة من قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - على الأبواب الفقهية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264175

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة