Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة ص - الآية 26

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) (ص) mp3
أَيْ مَلَّكْنَاك لِتَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر , فَتَخْلُف مَنْ كَانَ قَبْلَك مِنْ الْأَنْبِيَاء وَالْأَئِمَّة الصَّالِحِينَ وَقَدْ مَضَى فِي [ الْبَقَرَة ] الْقَوْل فِي الْخَلِيفَة وَأَحْكَامه . مُسْتَوْفًى وَالْحَمْد لِلَّهِ .

أَيْ بِالْعَدْلِ وَهُوَ أَمْر عَلَى الْوُجُوب وَقَدْ اِرْتَبَطَ هَذَا بِمَا قَبْله , وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ دَاوُدُ طَلَبُهُ الْمَرْأَةَ مِنْ زَوْجهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَدْلٍ . فَقِيلَ لَهُ بَعْد هَذَا ; فَاحْكُمْ بَيْن النَّاس بِالْعَدْلِ الْأَصْل فِي الْأَقْضِيَة قَوْله تَعَالَى : " يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَة فِي الْأَرْض فَاحْكُمْ بَيْن النَّاس بِالْحَقِّ " وَقَوْله : " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " [ الْمَائِدَة : 49 ] وَقَوْله تَعَالَى : " لِتَحْكُم بَيْن النَّاس بِمَا أَرَاك اللَّه " [ النِّسَاء : 105 ] وَقَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ " [ الْمَائِدَة : 8 ] الْآيَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام فِيهِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : " يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَة فِي الْأَرْض فَاحْكُمْ بَيْن النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّك عَنْ سَبِيل اللَّه " قَالَ : إِنْ اِرْتَفَعَ لَك الْخَصْمَانِ فَكَانَ لَك فِي أَحَدهمَا هَوًى , فَلَا تَشْتَهِ فِي نَفْسك الْحَقّ لَهُ لِيَفْلُج عَلَى صَاحِبه , فَإِنْ فَعَلْت مَحَوْتُ اِسْمَك مِنْ نُبُوَّتِي , ثُمَّ لَا تَكُون خَلِيفَتِي وَلَا أَهْل كَرَامَتِي . فَدَلَّ هَذَا عَلَى بَيَان وُجُوب الْحُكْم بِالْحَقِّ , وَأَلَّا يَمِيل إِلَى أَحَد الْخَصْمَيْنِ لِقَرَابَةٍ أَوْ رَجَاء نَفْع , أَوْ سَبَب يَقْتَضِي الْمَيْل مِنْ صُحْبَة أَوَصَدَاقَة , أَوَغَيْرهمَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّمَا اُبْتُلِيَ سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ; لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ خَصْمَانِ فَهَوِيَ أَنْ يَكُون الْحَقّ لِأَحَدِهِمَا . وَقَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد : بَلَغَنِي أَنَّ قَاضِيًا كَانَ فِي زَمَن بَنِي إِسْرَائِيل , بَلَغَ مِنْ اِجْتِهَاده أَنْ طَلَبَ إِلَى رَبّه أَنْ يَجْعَل بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عِلْمًا , إِذَا هُوَ قَضَى بِالْحَقِّ عَرَفَ ذَلِكَ ; وَإِذَا هُوَ قَصَّرَ عَرَفَ ذَلِكَ , فَقِيلَ لَهُ : اُدْخُلْ مَنْزِلَك , ثُمَّ مُدَّ يَدك فِي جِدَارك , ثُمَّ اُنْظُرْ حَيْثُ تَبْلُغُ أَصَابِعُك مِنْ الْجِدَارِ فَاخْطُطْ عِنْدهَا خَطًّا ; فَإِذَا أَنْتَ قُمْت مِنْ مَجْلِس الْقَضَاء , فَارْجِعْ إِلَى ذَلِكَ الْخَطّ فَامْدُدْ يَدك إِلَيْهِ , فَإِنَّك مَتَى مَا كُنْت عَلَى الْحَقّ فَإِنَّك سَتَبْلُغُهُ , وَإِنْ قَصَّرْت عَنْ الْحَقّ قَصَّرَ بِك , فَكَانَ يَغْدُو إِلَى الْقَضَاء وَهُوَ مُجْتَهِد فَكَانَ لَا يَقْضِي إِلَّا بِحَقٍّ , وَإِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسه وَفَرَغَ لَمْ يَذُقْ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا , وَلَمْ يُفْضِ إِلَى أَهْله بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُور حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْخَطَّ , فَإِذَا بَلَغَهُ حَمِدَ اللَّه وَأَفْضَى إِلَى كُلّ مَا أَحَلَّ اللَّه لَهُ مِنْ أَهْل أَوْ مَطْعَم أَوْ مَشْرَب . فَلَمَّا كَانَ ذَات يَوْم وَهُوَ فِي مَجْلِس الْقَضَاء , أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ يُرِيدَانِهِ : فَوَقَعَ فِي نَفْسه أَنَّهُمَا يُرِيدَانِ أَنْ يَخْتَصِمَا إِلَيْهِ , وَكَانَ أَحَدهمَا لَهُ صَدِيقًا وَخِدْنًا , فَتَحَرَّكَ قَلْبه عَلَيْهِ مَحَبَّةً أَنْ يَكُون الْحَقّ لَهُ فَيَقْضِي لَهُ , فَلَمَّا أَنْ تَكَلَّمَا دَار الْحَقّ عَلَى صَاحِبه فَقَضَى عَلَيْهِ , فَلَمَّا قَامَ مِنْ مَجْلِسه ذَهَبَ إِلَى خَطِّهِ كَمَا كَانَ يَذْهَب كُلّ يَوْم , فَمَدَّ يَده إِلَى الْخَطّ فَإِذَا الْخَطّ قَدْ ذَهَبَ وَتَشَمَّرَ إِلَى السَّقْف , وَإِذَا هُوَ لَا يَبْلُغُهُ فَخَرَّ سَاجِدًا وَهُوَ يَقُول : يَا رَبّ شَيْئًا لَمْ أَتَعَمَّدْهُ وَلَمْ أُرِدْهُ فَبَيِّنِهِ لِي . فَقِيلَ لَهُ : أَتَحْسَبَن أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى خِيَانَة قَلْبك , حَيْثُ أَحْبَبْت أَنْ يَكُون الْحَقّ لِصَدِيقِك لِتَقْضِيَ لَهُ بِهِ , قَدْ أَرَدْته وَأَحْبَبْته وَلَكِنَّ اللَّه قَدْ رَدَّ الْحَقّ إِلَى أَهْله وَأَنْتَ كَارِه . وَعَنْ لَيْث قَالَ : تَقَدَّمَ إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب خَصْمَانِ فَأَقَامَهُمَا , ثُمَّ عَادَا فَأَقَامَهُمَا , ثُمَّ عَادَا فَفَصَلَ بَيْنهمَا , فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ : تَقَدَّمَا إِلَيَّ فَوَجَدْت لِأَحَدِهِمَا مَا لَمْ أَجِدْ لِصَاحِبِهِ , فَكَرِهْت أَنْ أَفْصِلَ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ , ثُمَّ , عَادَا فَوَجَدْت بَعْض ذَلِكَ لَهُ , ثُمَّ عَادَا وَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ فَفَصَلْت بَيْنهمَا . وَقَالَ الشَّعْبِيّ : كَانَ بَيْن عُمَر وَأُبَيّ خُصُومَة , فَتَقَاضَيَا إِلَى زَيْد بْن ثَابِت , فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ أَشَارَ لِعُمَر إِلَى وِسَادَته , فَقَالَ عُمَر : هَذَا أَوَّل جَوْرِك ; أَجْلِسْنِي وَإِيَّاهُ مَجْلِسًا وَاحِدًا ; فَجَلَسَا بَيْن يَدَيْهِ . هَذِهِ الْآيَة تَمْنَع مِنْ حُكْم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ ; لِأَنَّ الْحُكَّام لَوْ مُكِّنُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِعِلْمِهِمْ لَمْ يَشَأْ أَحَدهمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْفَظ وَلِيَّهُ وَيُهْلِك عَدُوَّهُ إِلَّا اِدَّعَى عِلْمَهُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ . وَنَحْو ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة مِنْهُمْ أَبُو بَكْر ; قَالَ : لَوْ رَأَيْت رَجُلًا عَلَى حَدّ مِنْ حُدُود اللَّه , مَا أَخَذْته حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرِي . وَرُوِيَ أَنَّ اِمْرَأَة جَاءَتْ إِلَى عُمَر فَقَالَتْ لَهُ : اُحْكُمْ لِي عَلَى فُلَان بِكَذَا فَإِنَّك تَعْلَم مَا لِي عِنْده . فَقَالَ لَهَا : إِنْ أَرَدْت أَنْ أَشْهَد لَك فَنَعَمْ وَأَمَّا الْحُكْم فَلَا . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِد ; وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اِشْتَرَى فَرَسًا فَجَحَدَهُ الْبَائِع , فَلَمْ يَحْكُم عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ وَقَالَ : ( مَنْ يَشْهَدُ لِي ) فَقَامَ خُزَيْمَة فَشَهِدَ فَحَكَمَ . خَرَّجَ الْحَدِيث أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره وَقَدْ مَضَى فِي [ الْبَقَرَة ] .

أَيْ لَا تَقْتَدِ بِهَوَاك الْمُخَالِف لِأَمْرِ اللَّه .

أَيْ عَنْ طَرِيق الْجَنَّة .

أَيْ يَحِيدُونَ عَنْهَا وَيَتْرُكُونَهَا

فِي النَّار

أَيْ بِمَا تَرَكُوا مِنْ سُلُوك طَرِيق اللَّه ; فَقَوْله : " نَسُوا " أَيْ تَرَكُوا الْإِيمَان بِهِ , أَوْ تَرَكُوا الْعَمَل بِهِ فَصَارُوا كَالنَّاسِينَ . ثُمَّ قِيلَ : هَذَا لِدَاوُدَ لَمَّا أَكْرَمَهُ اللَّه بِالنُّبُوَّةِ . وَقِيلَ : بَعْد أَنْ تَابَ عَلَيْهِ وَغَفَرَ خَطِيئَتَهُ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • افتراءات المنصرين على القرآن أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح عليه السلام

    افتراءات المنصرين على القرآن أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح عليه السلام [ دراسة نقدية ] : في هذا الكتاب يرد الكاتب على المنصرين من جهتين: إسلامية (من خلال القرآن وما يرتبط بذلك )، ونصرانية ( من خلال التوراة والأناجيل ) لرد دعوى النصارى على القرآن وفق منهج يبين كذبهم على كتاب الله ويلزمهم في الوقت نفسه من خلال مسلماتهم بما يدل عليه القرآن المهيمن على ما قبله من الكتاب.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/90689

    التحميل:

  • الوصايا الجلية للاستفادة من الدروس العلمية

    الوصايا الجليّة للاستفادة من الدروس العلميّة : أصل هذا المؤلف كلمة لمعالي الوزير في افتتاح الدورة السادسة في مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية - بحي سلطانة في مدينة الرياض.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/167478

    التحميل:

  • وسيلة الحصول إلى مهمات الأصول

    وسيلة الحصول إلى مهمات الأصول: منظومة شعرية في علم أصول الفقه، كتبها فضيلة الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2479

    التحميل:

  • الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف

    الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف: فإن من أصول أهل السنة والجماعة الإيمانَ بكرامات الأولياء وإثباتَها والتصديقَ بها واعتقادَ أنها حق، وذلك باتفاق أئمة أهل الإسلام والسنة والجماعة، وقد دلَّ عليها القرآنُ في غير موضعٍ، والأحاديث الصحيحة، والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم. وقد صنَّف المؤلف - رحمه الله - هذه الرسالة ردًّ على عصريٍّ له غلا في شأن الأولياء وكرامتهم، وادَّعى أن لهم ما يريدون، وأنهم يقولون للشيء كن فيكون، وأنهم يخرجون من القبور لقضاء الحاجات، وأنهم في قبورهم يأكلون ويشربون وينكحون، إلى أمور أخرى عجيبة تمجُّها الأسماع وتقذفها الأفهام، ويُنكِرها من لديه بالشرع أدنى اطِّلاعةٍ أو إلمام.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348305

    التحميل:

  • مسائل يكثر السؤال عنها في الحج

    مسائل يكثر السؤال عنها في الحج: قال المصنف - حفظه الله - «ففي موسم الحج من كل عام تكثر أسئلة الناس عن أحكام الحج ومناسكه، سواء كان ذلك قبل الحج أو في أيامه، وقد تبين لي من خلال ذلك أن هناك مسائل يتكرر السؤال عنها، ومثلها في أحكام العمرة، مما يدل على شدة الحاجة إليها، وكان يتردد في ذهني بين حين وآخر أن أجمع شيئًا من هذه المسائل وأبين أحكامها، وشجعني على ذلك بعض الأخوة - أثابهم الله - فعزمت - متوكلاً على الله تعالى - وجمعت هذه المسائل بعد حج عام (1422 هـ) وأضفت إليها ما رأيت - حسب اجتهادي - أن الحاجة داعية إلى ذكره، كل ذلك بعبارة واضحة، مقرونة بالدليل معتمدًا على أظهر الأقوال فيما فيه خلاف».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2158

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة