Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة ص - الآية 18

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) (ص) mp3
" يُسَبِّحْنَ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال . ذَكَرَ تَعَالَى مَا آتَاهُ مِنْ الْبُرْهَان وَالْمُعْجِزَة وَهُوَ تَسْبِيح الْجِبَال مَعَهُ . قَالَ مُقَاتِل : كَانَ دَاوُدُ إِذَا ذَكَرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ ذَكَرَتْ الْجِبَال مَعَهُ , وَكَانَ يَفْقَهُ تَسْبِيح الْجِبَال . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " يُسَبِّحْنَ " يُصَلِّينَ . وَإِنَّمَا يَكُون هَذَا مُعْجِزَة إِذَا رَآهُ النَّاس وَعَرَفُوهُ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : أُوتِيَ دَاوُدُ مِنْ حُسْن الصَّوْت مَا يَكُون لَهُ فِي الْجِبَال دَوِيّ حَسَن , وَمَا تُصْغِي لِحُسْنِهِ الطَّيْر وَتُصَوِّت مَعَهُ , فَهَذَا تَسْبِيح الْجِبَال وَالطَّيْر . وَقِيلَ : سَخَّرَهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِتَسِيرَ مَعَهُ فَذَلِكَ تَسْبِيحهَا ; لِأَنَّهَا دَالَّة عَلَى تَنْزِيه اللَّه عَنْ شَبَه الْمَخْلُوقِينَ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا فِي [ سَبَأ ] وَفِي [ سُبْحَان ] عِنْد قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " [ الْإِسْرَاء : 44 ] وَأَنَّ ذَلِكَ تَسْبِيح مَقَال عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْأَقْوَال . وَاَللَّه أَعْلَم .

الْإِشْرَاق أَيْضًا اِبْيِضَاض الشَّمْس بَعْد طُلُوعهَا . يُقَال : شَرِقَتْ الشَّمْس إِذَا طَلَعَتْ , وَأَشْرَقَتْ إِذَا أَضَاءَتْ . فَكَانَ دَاوُدُ يُسَبِّح إِثْر صَلَاته عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَعِنْد غُرُوبهَا . رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : كُنْت أَمُرُّ بِهَذِهِ الْآيَة : " بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاق " وَلَا أَدْرِي مَا هِيَ , حَتَّى حَدَّثَتْنِي أُمّ هَانِئ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا , فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ , ثُمَّ صَلَّى صَلَاة الضُّحَى , وَقَالَ : ( يَا أُمّ هَانِئ هَذِهِ صَلَاة الْإِشْرَاق ) . وَقَالَ عِكْرِمَة قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ فِي نَفْسِي شَيْء مِنْ صَلَاة الضُّحَى حَتَّى وَجَدْتهَا فِي الْقُرْآن " يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاق " . قَالَ عِكْرِمَة : وَكَانَ اِبْن عَبَّاس لَا يُصَلِّي صَلَاة الضُّحَى ثُمَّ صَلَّاهَا بَعْد . وَرُوِيَ أَنَّ كَعْب الْأَحْبَار قَالَ لِابْنِ عَبَّاس : إِنِّي أَجِد فِي كُتُب اللَّه صَلَاة بَعْد طُلُوع الشَّمْس هِيَ صَلَاة الْأَوَّابِينَ . فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَأَنَا أُوجِدُك فِي الْقُرْآن ; ذَلِكَ فِي قِصَّة دَاوُدَ : " يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاق " . صَلَاة الضُّحَى نَافِلَة مُسْتَحَبَّة , وَهِيَ فِي الْغَدَاة بِإِزَاءِ الْعَصْر فِي الْعَشِيّ , لَا يَنْبَغِي أَنْ تُصَلَّى حَتَّى تَبْيَضَّ الشَّمْس طَالِعَة ; وَيَرْتَفِع كَدَرُهَا ; وَتُشْرِق بِنُورِهَا ; كَمَا لَا تُصَلَّى الْعَصْر إِذَا اِصْفَرَّتْ الشَّمْس . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( صَلَاة الْأَوَّابِينَ حِين تَرْمَض الْفِصَال ) الْفِصَال وَالْفِصْلَان جَمْع فَصِيل , وَهُوَ الَّذِي يُفْطَم مِنْ الرَّضَاعَة مِنْ الْإِبِل . وَالرَّمْضَاء شِدَّة الْحَرّ فِي الْأَرْض . وَخَصَّ الْفِصَال هُنَا بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَرْمَض قَبْل اِنْتِهَاء شِدَّة الْحَرّ الَّتِي تَرْمَض بِهَا أُمَّهَاتُهَا لِقِلَّةِ جَلَدِهَا , وَذَلِكَ يَكُون فِي الضُّحَى أَوْ بَعْده بِقَلِيلٍ وَهُوَ الْوَقْت الْمُتَوَسِّط بَيْن طُلُوع الشَّمْس وَزَوَالهَا ; قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ . وَمِنْ النَّاس مَنْ يُبَادِر بِهَا قَبْل ذَلِكَ اِسْتِعْجَالًا , لِأَجْلِ شُغْلِهِ فَيَخْسَر عَمَله ; لِأَنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي الْوَقْت الْمَنْهِيّ عَنْهُ وَيَأْتِي بِعَمَلٍ هُوَ عَلَيْهِ لَا لَهُ . رَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَة رَكْعَة بَنَى اللَّه لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّة ) قَالَ حَدِيث غَرِيب . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يُصْبِح عَلَى كُلّ سُلَامَى مِنْ أَحَدكُمْ صَدَقَة فَكُلّ تَسْبِيحَة صَدَقَة وَكُلّ تَهْلِيلَة صَدَقَة وَكُلّ تَكْبِيرَة صَدَقَة وَأَمْر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة وَنَهْي عَنْ الْمُنْكَر صَدَقَة وَيُجْزِي مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعهُمَا مِنْ الضُّحَى ) . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَافَظَ عَلَى شُفْعَة الضُّحَى غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبه وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر ) . وَرَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : ( أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوت صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر وَصَلَاة الضُّحَى وَنَوْم عَلَى وِتْر ) لَفْظ الْبُخَارِيّ . وَقَالَ مُسْلِم : ( وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى ) وَخَرَّجَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء كَمَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة . وَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَقَلّ الضُّحَى رَكْعَتَانِ وَأَكْثَره ثِنْتَا عَشْرَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَصْل السُّلَامَى ( بِضَمِّ السِّين ) عِظَام الْأَصَابِع وَالْأَكُفّ وَالْأَرْجُل , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي سَائِر عِظَام الْجَسَد وَمَفَاصِله . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّهُ خَلَقَ كُلّ إِنْسَان مِنْ بَنِي آدَم عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثمِائَةِ مَفْصِل فَمَنْ كَبَّرَ اللَّه وَحَمِدَ اللَّه وَهَلَّلَ اللَّه وَسَبَّحَ اللَّه وَاسْتَغْفَرَ اللَّه وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيق النَّاس , أَوْ شَوْكَة أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيق النَّاس وَأَمْر بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْي عَنْ مُنْكَر عَدَد تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثمِائَةِ سُلَامَى فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسه عَنْ النَّار ) قَالَ أَبُو تَوْبَة : وَرُبَّمَا قَالَ : ( يُمْسِي ) كَذَا خَرَّجَهُ مُسْلِم . وَقَوْله : ( وَيُجْزِي مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ ) أَيْ يَكْفِي مِنْ هَذِهِ الصَّدَقَات عَنْ هَذِهِ الْأَعْضَاء رَكْعَتَانِ . وَذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاة عَمَل بِجَمِيعِ أَعْضَاء الْجَسَد ; فَإِذَا صَلَّى فَقَدْ قَامَ كُلّ عُضْو بِوَظِيفَتِهِ الَّتِي عَلَيْهِ فِي الْأَصْل . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • قضايا تهم المرأة

    قضايا تهم المرأة : فقد رأيت أن أفرد من كتابي «الثمار اليانعة من الكلمات الجامعة» قضايا تهم المرأة، ونحو ربها ودينها ودنياها وآخرتها في الحث «على الزواج وبيان فوائده» والتحذير من غلاء المهور وبيان أضراره، وذكر العلاقات بين الزوجين في نظر الإسلام، وإباحة تعدد الزوجات في الإسلام، ووجوب الحجاب على المرأة المسلمة صيانة لها، وبيان ما يلزم المحدة على زوجها من الأحكام (وذكر خطورة الاختلاط بين الرجال والنساء غير المحارم). (وصفات نساء الجنة) (وصفات نساء النار، والحث على وقاية الأنفس والأهل من النار). «وبيان حكم مصافحة المرأة الأجنبية التي ليس محرما». «وبيان أحكام الحيض والاستحاضة والنفاس». «وما جاء في زكاة الحلي، وبيان تحريم تبرج النساء، واختلاطهن بالرجال والأمر بالحجاب، وأن النساء على النصف من الرجال في بعض الأحكام، وذكر نقد مساواة المرأة بالرجل على ضوء الإسلام».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209159

    التحميل:

  • عيدكم مبارك

    عيدكم مبارك: وقفاتٌ مع العيد وآدابه فيها التنبيه على: صلة الأرحام، والتوبة من المعاصي، وكيفية الاحتفال بالعيد، وبيان أنه ليس في الإسلام سوى عيدين: عيد الفطر والأضحى، وبيان من هم الفائزون حقًّا بعد الصيام والقيام، ثم التنبيه على بعض المخالفات التي يقع فيها الكثير من المسلمين، والمخالفات النسائية التي تظهر في ذلك اليوم أكثر من غيره، ثم في الأخير شروط الحجاب الشرعي.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/319839

    التحميل:

  • هل العهد الجديد كلمة الله؟

    هل العهد الجديد كلمة الله؟ : المسيحية تؤمن أن أسفار العهد الجديد هي كلمة الله التي كتبها رجال الله القديسون بإلهام من الروح القدس، وفي هذه الرسالة إجابة على هذا السؤال هل تؤيد الشواهد العلمية والأدلة التاريخية بل والنصوص الكتابية، ما قاله القرآن عن تحريف هذه الكتب وزور نسبتها إلى الله أم أن العهد الجديد سلم من التحريف والتبديل والعبث البشري كما يؤمن النصارى؟

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228824

    التحميل:

  • أهمية القراءة وفوائدها

    أهمية القراءة وفوائدها : اشتملت هذه الرسالة على وصف الكتب المفيدة وأنها نعم الرفيق ونعم الأنيس في حالة الوحدة والغربة. والحث على اقتناء الكتب القديمة السلفية وفي مقدمتها كتب التفسير والحديث والفقه والتاريخ والأدب. كما اشتملت هذه الرسالة على شيء من أسباب تحصيل العلم وقواعد المذاكرة السليمة وملاحظات مهمة، وبيان المكتبة المختارة للشباب المسلم من كتب التفسير والتوحيد والعقائد والحديث والفقه والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وذكر أسماء كتب ثقافية معاصرة، وأسماء مؤلفين ينصح باقتناء مؤلفاتهم والاستفادة منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209002

    التحميل:

  • جامع الرسائل لابن تيمية

    جامع الرسائل لابن تيمية : نسخة مصورة بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم - رحمه الله - وتحتوي على الرسائل التالية: 1- رِسالة فِي قنوت الأشياء كلها لله تعالى. 2- رِسالة فِي لفظ السنة فِي القران. 3- رِسالة فِي قصّة شعيب عليه السلام. 4- رِسَالَة فِي الْمعَانِي المستنبطة من سُورَة الْإِنْسَان 5- رِسَالَة فِي قَوْله تَعَالَى وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة 6- رِسَالَة فِي تَحْقِيق التَّوَكُّل. 7- رِسَالَة فِي تَحْقِيق الشكر. 8- رِسَالَة فِي معنى كَون الرب عادلا وَفِي تنزهه عَن الظُّلم. 9- رِسَالَة فِي دُخُول الْجنَّة هَل يدْخل أحد الْجنَّة بِعَمَلِهِ. 10- رِسَالَة فِي الْجَواب عَمَّن يَقُول إِن صِفَات الرب نسب وإضافات وَغير ذَلِك. 11- رِسَالَة فِي تَحْقِيق مَسْأَلَة علم الله. 12- رِسَالَة فِي الْجَواب عَن سُؤال عَن الحلاّج هَل كَانَ صدّيقًا أَو زنديقًا. 13- رِسَالَة فِي الرَّد على ابْن عَرَبِيّ فِي دَعْوَى إِيمَان فِرْعَوْن. 14- رِسَالَة فِي التَّوْبَة. 15- فصل فِي أَن دين الْأَنْبِيَاء وَاحِد. 16- فصل فِي الدَّلِيل على فضل الْعَرَب. 17- رِسَالَة فِي الصِّفَات الاختيارية. 18- شرح كَلِمَات من "فتوح الْغَيْب". 19- قَاعِدَة فِي الْمحبَّة.

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273079

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة