وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) (ص)
تفسير الطبري وَقَوْله : { وَشَدَدْنَا مُلْكه } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ شُدِّدَ مُلْكه , فَقَالَ بَعْضهمْ : شُدِّدَ ذَلِكَ بِالْجُنُودِ وَالرِّجَال , فَكَانَ يَحْرُسهُ كُلّ يَوْم وَلَيْلَة أَرْبَعَة آلَاف , أَرْبَعَة آلَاف . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22998 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { وَشَدَدْنَا مُلْكه } قَالَ : كَانَ يَحْرُسهُ كُلّ يَوْم وَلَيْلَة أَرْبَعَة آلَاف , أَرْبَعَة آلَاف. وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ الَّذِي شُدِّدَ بِهِ مُلْكه , أَنْ أُعْطِيَ هَيْبَة مِنْ النَّاس لَهُ لِقَضِيَّةٍ كَانَ قَضَاهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22899 - حَدَّثَنِي اِبْن حَرْب , قَالَ : ثنا مُوسَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عِلْبَاء بْن أَحْمَر , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل اِسْتَعْدَى عَلَى رَجُل مِنْ عُظَمَائِهِمْ , فَاجْتَمَعَا عِنْد دَاوُد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْمُسْتَعْدِي : إِنَّ هَذَا اِغْتَصَبَنِي بَقَرًا لِي , فَسَأَلَ دَاوُد الرَّجُل عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ , فَسَأَلَ الْآخَر الْبَيِّنَة , فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَة , فَقَالَ لَهُمَا دَاوُد : قُومَا حَتَّى أَنْظُر فِي أَمْركُمَا ; فَقَامَا مِنْ عِنْده , فَأَوْحَى اللَّه إِلَى دَاوُد فِي مَنَامه أَنْ يَقْتُل الرَّجُل الَّذِي اُسْتُعْدِيَ عَلَيْهِ , فَقَالَ : هَذِهِ رُؤْيَا وَلَسْت أَعْجَل حَتَّى أَتَثَبَّت , فَأَوْحَى اللَّه إِلَى دَاوُد فِي مَنَامه مَرَّة أُخْرَى أَنْ يَقْتُل الرَّجُل , وَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ الثَّالِثَة أَنْ يَقْتُلهُ أَوْ تَأْتِيه الْعُقُوبَة مِنْ اللَّه , فَأَرْسَلَ دَاوُد إِلَى الرَّجُل : إِنَّ اللَّه قَدْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أَقْتُلك , فَقَالَ الرَّجُل : تَقْتُلنِي بِغَيْرِ بَيِّنَة وَلَا تَثَبُّت ؟ ! فَقَالَ لَهُ دَاوُد : نَعَمْ , وَاَللَّه لَأُنَفِّذَن أَمْر اللَّه فِيك ; فَلَمَّا عَرَفَ الرَّجُل أَنَّهُ قَاتِله , قَالَ : لَا تَعْجَل عَلَيَّ حَتَّى أُخْبِرك , إِنِّي وَاَللَّه مَا أُخِذْت بِهَذَا الذَّنْب , وَلَكِنِّي كُنْت اِغْتَلْت وَالِد هَذَا فَقَتَلْته , فَبِذَلِكَ قُتِلْت , فَأَمَرَ بِهِ دَاوُد فَقُتِلَ , فَاشْتَدَّتْ هَيْبَة بَنِي إِسْرَائِيل عِنْد ذَلِكَ لِدَاوُدَ , وَشُدِّدَ بِهِ مُلْكه , فَهُوَ قَوْل اللَّه : { وَشَدَدْنَا مُلْكه } وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ شُدِّدَ مُلْك دَاوُد , وَلَمْ يَحْضُر ذَلِكَ مِنْ تَشْدِيده عَلَى التَّشْدِيد بِالرِّجَالِ وَالْجُنُود دُون الْهَيْبَة مِنْ النَّاس لَهُ وَلَا عَلَى هَيْبَة النَّاس لَهُ دُون الْجُنُود . وَجَائِز أَنْ يَكُون تَشْدِيده ذَلِكَ كَانَ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَا , وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ بِجَمِيعِهَا , وَلَا قَوْل أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ مِنْ قَوْل اللَّه , إِذْ لَمْ يَحْضُر ذَلِكَ عَلَى بَعْض مَعَانِي التَّشْدِيد خَبَر يَجِب التَّسْلِيم لَهُ .
وَقَوْله : { وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْحِكْمَة فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا النُّبُوَّة. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22900 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة } قَالَ : النُّبُوَّة. وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِهَا أَنَّهُ عِلْم السُّنَن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22901 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة } : أَيْ السُّنَّة . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحِكْمَة فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع بِشَوَاهِدِهِ , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .
وَقَوْله : { وَفَصْل الْخِطَاب } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ أَنَّهُ عِلْم الْقَضَاء وَالْفَهْم بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22902 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفَصْل الْخِطَاب } قَالَ : أُعْطِيَ الْفَهْم . 22903 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { وَفَصْل الْخِطَاب } قَالَ : إِصَابَة الْقَضَاء وَفَهْمه. 22904 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { وَفَصْل الْخِطَاب } قَالَ : عِلْم الْقَضَاء. 22905 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفَصْل الْخِطَاب } قَالَ : الْخُصُومَات الَّتِي يُخَاصِم النَّاس إِلَيْهِ فَصْل ذَلِكَ الْخِطَاب , الْكَلَام الْفَهْم , وَإِصَابَة الْقَضَاء وَالْبَيِّنَات . 22906 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا عَبْد الرَّحْمَن يَقُول : فَصْل الْخِطَاب : الْقَضَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَفَصْل الْخِطَاب , بِتَكْلِيفِ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة , وَالْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22907 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , قَالَ : ثني الشَّعْبِيّ أَوْ غَيْره , عَنْ شُرَيْح أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله : { وَفَصْل الْخِطَاب } قَالَ : بَيِّنَة الْمُدَّعِي , أَوْ يَمِين الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . 22908 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , فِي قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفَصْل الْخِطَاب } قَالَ : نُبِّئْت عَنْ شُرَيْح أَنَّهُ قَالَ : شَاهِدَانِ أَوْ يَمِين . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت دَاوُد قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ شُرَيْحًا قَالَ { فَصْل الْخِطَاب } الشَّاهِدَانِ عَلَى الْمُدَّعِي , وَالْيَمِين عَلَى مَنْ أَنْكَرَ . 22909 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ طَاوُس , أَنَّ شُرَيْحًا قَالَ لِرَجُلٍ : إِنَّ هَذَا يَعِيب عَلَيَّ مَا أُعْطِيَ دَاوُد , الشُّهُود وَالْأَيْمَان . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم , عَنْ شُرَيْح أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة { وَفَصْل الْخِطَاب } قَالَ : الشُّهُود وَالْأَيْمَان . 22910 - حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ , فِي قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفَصْل الْخَطَّاب } قَالَ : يَمِين أَوْ شَاهِد . 22911 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَفَصْل الْخِطَاب } الْبَيِّنَة عَلَى الطَّالِب , وَالْيَمِين عَلَى الْمَطْلُوب , هَذَا فَصْل الْخِطَاب . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ قَوْل : أَمَّا بَعْد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22912 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { وَفَصْل الْخِطَاب } قَالَ : قَوْل الرَّجُل : أَمَّا بَعْد . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ أَنَّهُ آتَى دَاوُد صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ فَصْل الْخِطَاب , وَالْفَصْل : هُوَ الْقَطْع , وَالْخِطَاب هُوَ الْمُخَاطَبَة , وَمَنْ قَطَعَ مُخَاطَبَة الرَّجُل الرَّجُل فِي حَال اِحْتِكَام أَحَدهمَا إِلَى صَاحِبه قَطَعَ الْمُحْتَكِم إِلَيْهِ الْحُكْم بَيْن الْمُحْتَكِم إِلَيْهِ وَخَصْمه بِصَوَابٍ مِنْ الْحُكْم , وَمَنْ قَطَعَ مُخَاطَبَته أَيْضًا صَاحَبَهُ إِلْزَام الْمُخَاطَب فِي الْحُكْم مَا يَجِب عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُدَّعِيًا , فَإِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَى دَعْوَاهُ وَإِنْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَتَكْلِيفه الْيَمِين إِنْ طَلَب ذَلِكَ خَصْمه . وَمَنْ قَطَعَ الْخِطَاب أَيْضًا الَّذِي هُوَ خُطْبَة عِنْد اِنْقِضَاء قِصَّة وَابْتِدَاء فِي أُخْرَى الْفَصْل بَيْنهمَا بِأَمَّا بَعْد . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كُلّه مُحْتَمِلًا ظَاهِر الْخَبَر وَلَمْ تَكُنْ فِي هَذِهِ الْآيَة دَلَالَة عَلَى أَيّ ذَلِكَ الْمُرَاد , وَلَا وَرَدَ بِهِ خَبَر عَنْ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِت , فَالصَّوَاب أَنْ يَعُمّ الْخَبَر , كَمَا عَمَّهُ اللَّه , فَيُقَال : أُوتِيَ دَاوُد فَصْل الْخِطَاب فِي الْقَضَاء وَالْمُحَاوَرَة وَالْخَطْب .
