Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الصافات - الآية 141

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) (الصافات) mp3
قَالَ الْمُبَرِّد : فَقَارَعَ , قَالَ : وَأَصْله مِنْ السِّهَام الَّتِي تُجَالُ . ذَكَرَ الطَّبَرِيّ : أَنَّ يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا رَكِبَ فِي السَّفِينَة أَصَابَ أَهْلَهَا عَاصِفٌ مِنْ الرِّيح , فَقَالُوا : هَذِهِ بِخَطِيئَةِ أَحَدِكُمْ . فَقَالَ يُونُس وَعَرَفَ أَنَّهُ هُوَ صَاحِب الذَّنْب : هَذِهِ خَطِيئَتِي فَأَلْقُونِي فِي الْبَحْر , وَأَنَّهُمْ أَبَوْا عَلَيْهِ حَتَّى أَفَاضُوا بِسِهَامِهِمْ . " فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ " فَقَالَ لَهُمْ : قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ هَذَا الْأَمْر بِذَنْبِي . وَأَنَّهُمْ أَبَوْا عَلَيْهِ حَتَّى أَفَاضُوا بِسِهَامِهِمْ الثَّانِيَة فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ , وَأَنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يُلْقُوهُ فِي الْبَحْر حَتَّى أَعَادُوا سِهَامهمْ الثَّالِثَة فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَلْقَى نَفْسه فِي الْبَحْر , وَذَلِكَ تَحْت اللَّيْل فَابْتَلَعَهُ الْحُوت . وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا رَكِبَ فِي السَّفِينَة تَقَنَّعَ وَرَقَدَ فَسَارُوا غَيْر بَعِيد إِذْ جَاءَتْهُمْ رِيح كَادَتْ السَّفِينَة أَنْ تَغْرَق , فَاجْتَمَعَ أَهْل السَّفِينَة فَدَعَوْا فَقَالُوا : أَيْقِظُوا الرَّجُل النَّائِم يَدْعُوا مَعَنَا ; فَدَعَا اللَّه مَعَهُمْ فَرَفَعَ اللَّه عَنْهُمْ تِلْكَ الرِّيح . ثُمَّ اِنْطَلَقَ يُونُس إِلَى مَكَانه فَرَقَدَ , فَجَاءَتْ رِيح كَادَتْ السَّفِينَة أَنْ تَغْرَق , فَأَيْقَظُوهُ وَدَعَوْا اللَّه فَارْتَفَعَتْ الرِّيح . قَالَ : فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ رَفَعَ حُوت عَظِيم رَأْسه إِلَيْهِمْ أَرَادَ أَنْ يَبْتَلِع السَّفِينَة , فَقَالَ لَهُمْ يُونُس : يَا قَوْم هَذَا مِنْ أَجْلِي فَلَوْ طَرَحْتُمُونِي فِي الْبَحْر لَسِرْتُمْ وَلَذَهَبَ الرِّيح عَنْكُمْ وَالرَّوْع . قَالُوا : لَا نَطْرَحُك حَتَّى نَتَسَاهَمَ , فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ رَمَيْنَاهُ فِي الْبَحْر . قَالَ : فَتَسَاهَمُوا فَوَقَعَ عَلَى يُونُس ; فَقَالَ لَهُمْ : يَا قَوْم اِطْرَحُونِي فَمِنْ أَجَلِي أُوتِيتُمْ ; فَقَالُوا : لَا نَفْعَل حَتَّى نَتَسَاهَمَ مَرَّة أُخْرَى . فَفَعَلُوا فَوَقَعَ عَلَى يُونُس . فَقَالَ لَهُمْ : يَا قَوْم اِطْرَحُونِي فَمِنْ أَجْلِي أُوتِيتُمْ ; فَذَلِكَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ " أَيْ وَقَعَ السَّهْم عَلَيْهِ ; فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى صَدْر السَّفِينَة لِيُلْقُوهُ فِي الْبَحْر , فَإِذَا الْحُوت فَاتِح فَاهُ , ثُمَّ جَاءُوا بِهِ إِلَى جَانِب السَّفِينَة , فَإِذَا بِالْحُوتِ , ثُمَّ رَجَعُوا بِهِ إِلَى الْجَانِب الْآخَر , فَإِذَا بِالْحُوتِ فَاتِح فَاهُ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فَالْتَقَمَهُ الْحُوت ; فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَى الْحُوت : إِنِّي لَمْ أَجْعَلْهُ لَك رِزْقًا وَلَكِنْ جَعَلْت بَطْنَك لَهُ وِعَاء . فَمَكَثَ فِي بَطْن الْحُوت أَرْبَعِينَ لَيْلَة فَنَادَى فِي الظُّلُمَات : " أَنْ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ " [ الْأَنْبِيَاء : 87 - 88 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ وَيَأْتِي . فَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْه أَنَّ الْقُرْعَة كَانَتْ مَعْمُولًا بِهَا فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا , وَجَاءَتْ فِي شَرْعنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي [ آل عِمْرَان ] قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ وَرَدَتْ الْقُرْعَة فِي الشَّرْع فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن . الْأَوَّل : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْن نِسَائِهِ , فَأَيَّتهنَّ خَرَجَ سَهْمهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ . الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ إِلَيْهِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّة أَعْبُدٍ لَا مَال لَهُ غَيْرهمْ , فَأَقْرَعَ بَيْنهمْ ; فَأَعْتَقَ اِثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَة . الثَّالِث : أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي مَوَارِيث قَدْ دَرَسَتْ فَقَالَ : ( اِذْهَبَا وَتَوَخَّيَا الْحَقّ وَاسْتَهِمَا وَلْيَحْلِلْ كُلّ وَاحِد مِنْكُمَا صَاحِبه ) . فَهَذِهِ ثَلَاثَة مَوَاطِن , وَهِيَ الْقَسْمُ فِي النِّكَاح , وَالْعِتْق , وَالْقِسْمَة , وَجَرَيَانُ الْقُرْعَة فِيهَا لِرَفْعِ الْإِشْكَال وَحَسْم دَاء التَّشَهِّي . وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْقُرْعَة بَيْن الزَّوْجَات فِي الْغَزْو عَلَى قَوْلَيْنِ ; الصَّحِيح مِنْهُمَا الْإِقْرَاع ; وَبِهِ قَالَ فُقَهَاء الْأَمْصَار . وَذَلِكَ أَنَّ السَّفَر بِجَمِيعِهِنَّ لَا يُمْكِن , وَاخْتِيَار وَاحِدَة مِنْهُنَّ إِيثَار فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقُرْعَة . وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَة الْأَعْبُد السِّتَّة ; فَإِنَّ كُلّ اِثْنَيْنِ مِنْهُمَا ثُلُث , وَهُوَ الْقَدْر الَّذِي يَجُوز لَهُ فِيهِ الْعِتْق فِي مَرَض الْمَوْت , وَتَعْيِينهمَا بِالتَّشَهِّي لَا يَجُوز شَرْعًا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقُرْعَة . وَكَذَلِكَ التَّشَاجُر إِذَا وَقَعَ فِي أَعْيَان الْمَوَارِيث لَمْ يُمَيِّز الْحَقَّ إِلَّا الْقُرْعَةُ , فَصَارَتْ أَصْلًا فِي تَعْيِين الْمُسْتَحِقّ إِذَا أَشْكَلَ . قَالَ : وَالْحَقّ عِنْدِي أَنْ تُجْرَى فِي كُلّ مُشْكِل , فَذَلِكَ أَبْيَن لَهَا , وَأَقْوَى لِفَصْلِ الْحُكْم فِيهَا , وَأَجْلَى لِرَفْعِ الْإِشْكَال عَنْهَا ; وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إِنَّ الْقُرْعَة بَيْن الزَّوْجَات فِي الطَّلَاق كَالْقُرْعَةِ بَيْن الْإِمَاء فِي الْعِتْق . الِاقْتِرَاع عَلَى إِلْقَاء الْآدَمِيّ فِي الْبَحْر لَا يَجُوز . وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي يُونُس وَزَمَانه مُقَدِّمَة لِتَحْقِيقِ بُرْهَانه , وَزِيَادَة فِي إِيمَانه ; فَإِنَّهُ لَا يَجُوز لِمَنْ كَانَ عَاصِيًا أَنْ يُقْتَل وَلَا يُرْمَى بِهِ فِي النَّار أَوْ الْبَحْر , وَإِنَّمَا تُجْرَى عَلَيْهِ الْحُدُود وَالتَّعْزِير عَلَى مِقْدَار جِنَايَته . وَقَدْ ظَنَّ بَعْض النَّاس أَنَّ الْبَحْر إِذَا هَالَ عَلَى الْقَوْم فَاضْطُرُّوا إِلَى تَخْفِيف السَّفِينَة أَنَّ الْقُرْعَة تُضْرَب عَلَيْهِمْ , فَيُطْرَح بَعْضهمْ تَخْفِيفًا ; وَهَذَا فَاسِد ; فَإِنَّهَا لَا تَخِفُّ بِرَمْيِ بَعْض الرِّجَال وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَال , وَلَكِنَّهُمْ يَصْبِرُونَ عَلَى قَضَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ .

قَالَ : مِنْ الْمَغْلُوبِينَ . قَالَ الْفَرَّاء : دَحَضَتْ حُجَّته وَأَدْحَضَهَا اللَّه . وَأَصْله مِنْ الزَّلَق ; قَالَ الشَّاعِر : قَتَلْنَا الْمُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ الْعُيُونُ أَيْ الْمَغْلُوبِينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإحكام شرح أصول الأحكام

    الإحكام شرح أصول الأحكام : قام المؤلف - رحمه الله - بجمع مختصر لطيف انتقاه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الأحكام الفقهية ثم قام بشرحه في هذا الكتاب المكون من 4 مجلدات. - يمتاز هذا الكتاب بمزايا منها: أولاً: أنه يصدر الأبواب بآيات الأحكام ثم يأتي بالأحاديث. ثانياً: أن أحاديثه كلها صحيحة وليس فيها ضعيف لا يحتج به. ثالثاً‌: أنه مع ذكره خلاف العلماء منهم يهتم بأقوال الحنابلة خاصة، ويذكر من المنقول عن محققيهم ومحققي غيرهم من الجمهور. رابعاً: لا يستطرد في نقل الخلاف، ولا يتوسع توسعاً يخرجه عن المقصود، ولا يوجز بحيث يخل بالمراد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233614

    التحميل:

  • الجهاد في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    الجهاد في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «فقد كثر الكلام في هذه الأيام عن الجهاد في سبيل الله - عز وجل -؛ ولأهمية الأمر وخطورته، أحببت أن أذكر لإخواني المسلمين بعض المفاهيم الصحيحة التي ينبغي معرفتها وفقهها قبل أن يتكلم المسلم عن الجهاد».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/270600

    التحميل:

  • المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

    المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : قد بلغ مجموع المسائل الذي ضمها هذا المستدرك أكثر من ألفي مسألة، منها نحو المائتين لها أصل في المجموع الأول لكنها تختلف عن أصولها: بزيادة أو إيضاح، أو تعقب، أو جمع لبعض المسائل المتشابهة أو تعريفات. هذا وقد ضمنت هذا المستدرك مقتطفات تدل على فضل الشيخ وكرم أخلاقه، رحمه الله رحمة واسعة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144994

    التحميل:

  • الرد على المنطقيين

    الرد على المنطقيين [ نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان ] : كتاب رد فيه شيخ الإسلام على الفلاسفة وأهل المنطق، وبين فيه ضلالهم وجهلهم وفساد قولهم بما لا مزيد عليه، وهو كتاب سهل العبارة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273056

    التحميل:

  • الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال

    الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال : إنه في السنوات الأخيرة وبعد فشل دعوة التقريب، رأينا الرافضة تظهر بوجهها الحقيقي، في أسلوب ماكر جديد، ممثلة في رجل مجهول لا يعرف له ذكر في العلم، فادعى أنه كان سنيًا وأن الله هداه إلى عقيدة الرفض ثم أخذ يصحح عقيدة الرافضة، ويدعو لها، ويط عن في عقيدة أهل السنة وينفر الناس منها، هذا مع القدح العظيم في الصحابة الكرام، ورميهم بالكفر والردة عن الإسلام، وذلك عن طريق تأليفه جمعًا من الكتب بثها في الناس بعد أن شحنها بالأكاذيب والأباطيل والدس والتضليل. هذا الرجل هو من يعرف باسم الدكتور محمد التيجاني السماوي وقد ذكر هو في حديثه عن نفسه أنه من تونس. وقد جاء على أغلفة كتبه تحت ذكر اسمه عبارة (دكتوراه في الفلسفة من جامعة السربون بباريس). وفي هذه الرسالة رد على كتاب ثم اهتديت الذي يعد من أكثر كتبه تلبيسًا وتضليلا، حيث تتبع المؤلف كل مسائله وفند كل شبهه، وذكر في بدايته مدخلاً يتضمن مباحث نافعة ومفيدة - إن شاء الله - وجاءت مقسمة على ستة مباحث: المبحث الأول: في التعريف بالرافضة. المبحث الثاني: نشأة الرافضة وبيان دور اليهود في نشأتهم. المبحث الثالث: تعريف موجز بأهم عقائد الرافضة. المبحث الرابع: مطاعن الرافضة على أئمة أهل السنة وعلمائهم. المبحث الخامس: موقف أهل السنة من الرافضة ومن عقيدتهم. المبحث السادس: نقد عام للمؤلف ومنهجه في كتبه الأربعة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/280414

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة