Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الصافات - الآية 12

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) (الصافات) mp3
قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَأَبِي عَمْرو وَعَاصِم بِفَتْحِ التَّاء خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; أَيْ بَلْ عَجِبْت مِمَّا نَزَلَ عَلَيْك مِنْ الْقُرْآن وَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ . وَهِيَ قِرَاءَة شُرَيْح وَأَنْكَرَ قِرَاءَة الضَّمّ وَقَالَ : إِنَّ اللَّه لَا يَعْجَب مِنْ شَيْء , وَإِنَّمَا يَعْجَب مَنْ لَا يَعْلَم . وَقِيلَ : الْمَعْنَى بَلْ عَجِبْت مِنْ إِنْكَارهمْ لِلْبَعْثِ . وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ إِلَّا عَاصِمًا بِضَمِّ التَّاء . وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْد وَالْفَرَّاء , وَهِيَ مَرْوِيَّة عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود ; رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ قَرَأَ : " بَلْ عَجِبْت " بِضَمِّ التَّاء . وَيُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس . قَالَ الْفَرَّاء فِي قَوْله سُبْحَانَهُ : " بَلْ عَجِبْت وَيَسْخَرُونَ " قَرَأَهَا النَّاس بِنَصْبِ التَّاء وَرَفْعهَا , وَالرَّفْع أَحَبُّ إِلَيَّ ; لِأَنَّهَا عَنْ عَلِيّ وَ عَبْد اللَّه وَابْن عَبَّاس . وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا الْفَرَّاء : الْعَجَب إِنْ أُسْنِدَ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ مِنْ اللَّه كَمَعْنَاهُ مِنْ الْعِبَاد ; وَكَذَلِكَ قَوْله : " اللَّه يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ " [ الْبَقَرَة : 15 ] لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ اللَّه كَمَعْنَاهُ مِنْ الْعِبَاد . وَفِي هَذَا بَيَان الْكَسْر لِقَوْلِ شُرَيْح حَيْثُ أَنْكَرَ الْقِرَاءَة بِهَا . رَوَى جَرِير وَالْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل شَقِيق بْن سَلَمَة قَالَ : قَرَأَهَا عَبْد اللَّه يَعْنِي اِبْن مَسْعُود " بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ " قَالَ شُرَيْح : إِنَّ اللَّه لَا يَعْجَب مِنْ شَيْء إِنَّمَا يَعْجَب مَنْ لَا يَعْلَم . قَالَ الْأَعْمَش فَذَكَرْته لِإِبْرَاهِيم فَقَالَ : إِنَّ شُرَيْحًا كَانَ يُعْجِبُهُ رَأْيُهُ , إِنَّ عَبْد اللَّه كَانَ أَعْلَمَ مِنْ شُرَيْح وَكَانَ يَقْرَؤُهَا عَبْد اللَّه " بَلْ عَجِبْتُ " . قَالَ الْهَرَوِيّ : وَقَالَ بَعْض الْأَئِمَّة : مَعْنَى قَوْله : " بَلْ عَجِبْتُ " بَلْ جَازَيْتهمْ عَلَى عَجَبهمْ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي غَيْر مَوْضِع بِالتَّعَجُّبِ مِنْ الْحَقّ ; فَقَالَ : " وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِر مِنْهُمْ " [ ص : 4 ] وَقَالَ : " إِنَّ هَذَا لَشَيْء عُجَاب " , " أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُل مِنْهُمْ " [ يُونُس : 2 ] فَقَالَ تَعَالَى : " بَلْ عَجِبْتُ " بَلْ جَازَيْتهمْ عَلَى التَّعَجُّب . قُلْت : وَهَذَا تَمَام مَعْنَى قَوْل الْفَرَّاء وَاخْتَارَهُ الْبَيْهَقِيّ . وَقَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِد , التَّقْدِير : قِيلَ يَا مُحَمَّد بَلْ عَجِبْتَ ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَاطَب بِالْقُرْآنِ . النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل حَسَن وَإِضْمَار الْقَوْل كَثِير . الْبَيْهَقِيّ : وَالْأَوَّل أَصَحّ . الْمَهْدَوِيّ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون إِخْبَار اللَّه عَنْ نَفْسه بِالْعَجَبِ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ أَظْهَرَ مِنْ أَمْره وَسُخْطِهِ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِهِ مَا يَقُوم مَقَام الْعَجَب مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ; كَمَا يُحْمَل إِخْبَارُهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسه بِالضَّحِكِ لِمَنْ يَرْضَى عَنْهُ - عَلَى مَا جَاءَ فِي الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ أَظْهَرَ لَهُ مِنْ رِضَاهُ عَنْهُ مَا يَقُوم لَهُ مَقَام الضَّحِك مِنْ الْمَخْلُوقِينَ مَجَازًا وَاتِّسَاعًا . قَالَ الْهَرَوِيّ : وَيُقَال مَعْنَى ( عَجِبَ رَبّكُمْ ) أَيْ رَضِيَ وَأَثَابَ ; فَسَمَّاهُ عَجَبًا وَلَيْسَ بِعَجَبٍ فِي الْحَقِيقَة ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَيَمْكُر اللَّه " [ الْأَنْفَال : 30 ] مَعْنَاهُ وَيُجَازِيهِمْ اللَّه عَلَى مَكْرهمْ , وَمِثْله فِي الْحَدِيث ( عَجِبَ رَبّكُمْ مِنْ إِلِّكُمْ وَقُنُوطِكُمْ ) . وَقَدْ يَكُون الْعَجَب بِمَعْنَى وُقُوع ذَلِكَ الْعَمَل عِنْد اللَّه عَظِيمًا . فَيَكُون مَعْنَى قَوْله : " بَلْ عَجِبْتُ " أَيْ بَلْ عَظُمَ فِعْلهمْ عِنْدِي . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُون هَذَا مَعْنَى حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( عَجِبَ رَبّك مِنْ شَابّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَة ) وَكَذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( عَجِبَ اللَّه مِنْ قَوْم يَدْخُلُونَ الْجَنَّة فِي السَّلَاسِل ) قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقَدْ يَكُون هَذَا الْحَدِيث وَمَا وَرَدَ مِنْ أَمْثَاله أَنَّهُ يَعْجَب مَلَائِكَته مِنْ كَرَمِهِ وَرَأْفَته بِعِبَادِهِ , حِين حَمَلَهُمْ عَلَى الْإِيمَان بِهِ بِالْقِتَالِ وَالْأَسْر فِي السَّلَاسِل , حَتَّى إِذَا آمَنُوا أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة . وَقِيلَ : مَعْنَى " بَلْ عَجِبْتُ " بَلْ أَنْكَرْت . حَكَاهُ النَّقَّاش . وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : التَّعَجُّب مِنْ اللَّه إِنْكَار الشَّيْء وَتَعْظِيمه , وَهُوَ لُغَة الْعَرَب . وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَر ( عَجِبَ رَبّكُمْ مِنْ إِلِّكُمْ وَقُنُوطِكُمْ ) .

قِيلَ : الْوَاو وَاو الْحَال ; أَيْ عَجِبْتُ مِنْهُمْ فِي حَال سُخْرِيَتهمْ . وَقِيلَ : تَمَّ الْكَلَام عِنْد قَوْله : " بَلْ عَجِبْت " ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ : " وَيَسْخَرُونَ " أَيْ مِمَّا جِئْت بِهِ إِذَا تَلَوْته عَلَيْهِمْ . وَقِيلَ : يَسْخَرُونَ مِنْك إِذَا دَعَوْتهمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الميسر المفيد في علم التجويد

    الميسر المفيد في علم التجويد: كتابٌ يتناول بالشرح والتعليق قواعد وأحكام علم التجويد على رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، وقد ضمَّنه المؤلف العديدَ من الجداول التي شملت تعريف معظم مصطلحات علم التجويد، والأمثلة والتمارين المحلولة على كل حكم من أحكام التجويد على حدة، وتمرينًا محلولاً على استخراج أحكام التجويد من سورة البلد كنموذج؛ كونها تشتمل على مختلف أحكام التجويد، وضمَّنه كذلك تنبيهات بشأن الأخطاء الشائعة في تلاوة القرآن الكريم، وألحق بالكتاب ملحقين: أحدهما: فضائل وآداب تلاوة القرآن الكريم، والآخر: مقترحات طرق حفظ القرآن الكريم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320902

    التحميل:

  • حقيقة التصوف وموقف الصوفية من أصول العبادة والدين

    حقيقة التصوف وموقف الصوفية من أصول العبادة والدين: رسالة قيمة توضح حقيقة العبادة التي شرعها الله على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وبيان ما عليه الصوفية اليوم من انحرافات عن حقيقة تلك العبادة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2068

    التحميل:

  • الشيعة والمسجد الأقصى

    الشيعة والمسجد الأقصى : قال الكاتب: « لعل البعض يستهجن أن نكتب في مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين، وفي الشرع الإسلامي؛ حيث إنها من المسلمات التي لا جدال فيها، ومكانة لا تحتاج إلى مزيد بيان؛ فهي ثابتة بصريح كلام الله تعالى في كتابه الكريم، وبصحيح قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبإجماع الأمة على فضله. ولكننا على يقين بأن من يقرأ الرسالة التي بين أيدينا سيعذرنا بعد أن تكشف له الحقائق... ويعي حجم الخداع الذي لبس علينا من أناس ادعوا نصرة المسجد الأقصى وأرض المسر￯... ورفعوا لواء الدفاع عن المستضعفين من أهل فلسطين ومقدساتهم!! لذا كان لزاما الدفاع عن مكانة المسجد الأقصى، والتنبيه على ما جاء في الكتب والمراجع المعتمدة لد￯ الشيعة وما أكثرها!! والتي خطوا فيها بأيديهم أن لا مكانة للمسجد الأقصى بموقعه الحالي، وإنما هو مسجد في السماء!! وأن عامة الناس قد توهموا أنه مسجد القدس!! وقد اجتهدنا ألا نترك تلك المزاعم من غير ردود تدحضها وتكشف خبثها وزيفها، وذلك إسهاماً منا بالكلمة والقلم بغية كشف الحقائق، وإزالة الغشاوة، ليعي الجميع حجم المؤامرة والخداع الذي يحاول أولئك الأفاكون تسطيره وإثباته في مؤلفاتهم. وأثبتنا كذلك من خلال البحث والتقصي أن كل من حاول التشكيك في مكانة المسجد الأقصى المبارك - ومن أولئك اليهود والمستشرقون - دلل على ذلك بمزاعم واهية استلها من مراجع الشيعة، لتكون سيفاً يضرب ثوابت أمتنا وعقيدتها، ويزعزع مكانة المسجد الأقصى في قلوبنا. ونود أن ننبه أننا نقصد في هذه الرسالة وحدة الأمة وجمع كلمة المسلمين والاتفاق على مقدساتنا، وحب من كتب الله على أيديهم فتحها، وقطع الطريق أمام جيش البروفسورات من اليهود والمستشرقين الذين وجدوا في كتب الشيعة مادة دسمة، وجعلوها ذريعة للتهوين من مكانة بيت المقدس عند المسلمين... فكان لا بد من تمحيص تلك الروايات المشككة في مكانة المسجد الأقصى وإثبات فضائل بيت المقدس بالحجة والدليل ».

    الناشر: موقع الحقيقة http://www.haqeeqa.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/268683

    التحميل:

  • مجالس شهر رمضان

    مجالس شهر رمضان : فهذه مجالس لشهر رمضان المبارك تستوعب كثيرا من أحكام الصيام والقيام والزكاة، وما يناسب المقام في هذا الشهر الفاضل، رتبتُها على مجالس يومية أو ليلية، انتخبت كثيرا من خطبها من كتاب " قرة العيون المبصرة بتلخيص كتاب التبصرة " مع تعديل ما يحتاج إلى تعديله، وأكثرت فيها من ذكر الأحكام والآداب لحاجة الناس إلى ذلك.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144934

    التحميل:

  • السمو

    السمو: فإن علو الهمة وسمو الروح مطلب شرعي ومقصد إنساني، أجمع عليه العقلاء، واتفق عليه العارفون، والمطالب العالية أمنيات الرواد، ولا يعشق النجوم إلا صفوة القوم، أما الناكصون المتخاذلون فقد رضوا بالدون، وألهتمهم الأماني حتى جاءهم المنون، فليس لهم في سجل المكارم اسم، ولا في لوح المعالي رسم. وقد أردتُ بكتابي هذا إلهاب الحماس، وبث روح العطاء، وإنذار النائمين بفيالق الصباح، والصيحة في الغافلين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324353

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة