Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الصافات - الآية 107

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) (الصافات) mp3
الذِّبْح اِسْم الْمَذْبُوح وَجَمْعه ذُبُوحٌ ; كَالطِّحْنِ اِسْم الْمَطْحُون . وَالذَّبْح بِالْفَتْحِ الْمَصْدَر . " عَظِيم " أَيْ عَظِيم الْقَدْر وَلَمْ يُرِدْ عَظِيم الْجُثَّة . وَإِنَّمَا عَظُمَ قَدْره لِأَنَّهُ فُدِيَ بِهِ الذَّبِيح ; أَوْ لِأَنَّهُ مُتَقَبَّل . قَالَ النَّحَّاس : عَظِيم فِي اللُّغَة يَكُون لِلْكَبِيرِ وَلِلشَّرِيفِ . وَأَهْل التَّفْسِير عَلَى أَنَّهُ هَاهُنَا لِلشَّرِيفِ , أَوْ الْمُتَقَبَّل . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ الْكَبْش الَّذِي تَقَرَّبَ بِهِ هَابِيل , وَكَانَ فِي الْجَنَّة يَرْعَى حَتَّى فَدَى اللَّه بِهِ إِسْمَاعِيل . وَعَنْهُ أَيْضًا : أَنَّهُ كَبْش أَرْسَلَهُ اللَّه مِنْ الْجَنَّة كَانَ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّة أَرْبَعِينَ خَرِيفًا . وَقَالَ الْحَسَن : مَا فُدِيَ إِسْمَاعِيل إِلَّا بِتَيْسٍ مِنْ الْأَرْوَى هَبَطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِير , فَذَبَحَهُ إِبْرَاهِيم فِدَاء عَنْ اِبْنه , وَهَذَا قَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . فَلَمَّا رَآهُ إِبْرَاهِيم أَخَذَهُ فَذَبَحَهُ وَأَعْتَقَ اِبْنه . وَقَالَ : يَا بُنَيَّ الْيَوْم وُهِبْت لِي . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : قَدْ قِيلَ إِنَّهُ فُدِيَ بِوَعْلٍ , وَالْوَعْل : التَّيْس الْجَبَلِيّ . وَأَهْل التَّفْسِير عَلَى أَنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشٍ . فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّة بِالْغَنَمِ أَفْضَل مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر . وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَأَصْحَابه . قَالُوا : أَفْضَل الضَّحَايَا الْفُحُول مِنْ الضَّأْن , وَإِنَاث الضَّأْن أَفْضَل مِنْ فَحْل الْمَعْز , وَفُحُول الْمَعْز خَيْر مِنْ إِنَاثهَا , وَإِنَاث الْمَعْز خَيْر مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر . وَحُجَّتهمْ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم " أَيْ ضَخْم الْجُثَّة سَمِين , وَذَلِكَ كَبْش لَا جَمَل وَلَا بَقَرَة . وَرَوَى مُجَاهِد وَغَيْره عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُل : إِنِّي نَذَرْت أَنْ أَنْحَر اِبْنِي ؟ فَقَالَ : يَجْزِيك كَبْش سَمِين , ثُمَّ قَرَأَ : " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم " . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَوْ عَلِمَ اللَّه حَيَوَانًا أَفْضَل مِنْ الْكَبْش لَفَدَى بِهِ إِسْحَاق . وَضَحَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ . وَأَكْثَر مَا ضَحَّى بِهِ الْكِبَاش . وَذَكَرَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُلَيَّة عَنْ اللَّيْث عَنْ مُجَاهِد قَالَ : الذِّبْح الْعَظِيم الشَّاة . وَاخْتَلَفُوا أَيّهمَا أَفْضَل : الْأُضْحِيَّة أَوْ الصَّدَقَة بِثَمَنِهَا . فَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه : الضَّحِيَّة أَفْضَل إِلَّا بِمِنًى ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِع الْأُضْحِيَّة ; حَكَاهُ أَبُو عُمَر . وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : رُوِّينَا عَنْ بِلَال أَنَّهُ قَالَ : مَا أُبَالِي أَلَّا أُضَحِّيَ إِلَّا بِدِيكٍ وَلَأَنْ أَضَعَهُ فِي يَتِيم قَدْ تَرِبَ فِيهِ - هَكَذَا قَالَ الْمُحَدِّث - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُضَحِّيَ بِهِ . وَهَذَا قَوْل الشَّعْبِيّ إِنَّ الصَّدَقَة أَفْضَل . وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَبُو ثَوْر . وَفِيهِ قَوْل ثَانٍ : إِنَّ الضَّحِيَّة أَفْضَل ; هَذَا قَوْل رَبِيعَة وَأَبِي الزِّنَاد . وَبِهِ قَالَ أَصْحَاب الرَّأْي . زَادَ أَبُو عُمَر وَأَحْمَد بْن حَنْبَل قَالُوا : الضَّحِيَّة أَفْضَل مِنْ الصَّدَقَة ; لِأَنَّ الضَّحِيَّة سُنَّة مُؤَكَّدَة كَصَلَاةِ الْعِيد . وَمَعْلُوم أَنَّ صَلَاة الْعِيد أَفْضَل مِنْ سَائِر النَّوَافِل . وَكَذَلِكَ صَلَوَات السُّنَن أَفْضَل مِنْ التَّطَوُّع كُلّه . قَالَ أَبُو عُمَر : وَقَدْ رُوِيَ فِي فَضْل الضَّحَايَا آثَار حِسَان ; فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ سَعِيد بْن دَاوُدَ بْن أَبِي زَنْبَر عَنْ مَالِك عَنْ ثَوْر بْن زَيْد عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ نَفَقَة بَعْد صِلَة الرَّحِم أَفْضَل عِنْد اللَّه مِنْ إِهْرَاق الدَّم ) قَالَ أَبُو عُمَر : وَهُوَ حَدِيث غَرِيب مِنْ حَدِيث مَالِك . وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ : يَا أَيّهَا النَّاس ضَحُّوا وَطِيبُوا أَنْفُسًا ; فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا مِنْ عَبْد تَوَجَّهَ بِأُضْحِيَّتِهِ إِلَى الْقِبْلَة إِلَّا كَانَ دَمُهَا وَقَرْنُهَا وَصُوفُهَا حَسَنَاتٍ مُحْضَرَاتٍ فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة فَإِنَّ الدَّم إِنْ وَقَعَ فِي التُّرَاب فَإِنَّمَا يَقَع فِي حِرْز اللَّه حَتَّى يُوَفِّيَهُ صَاحِبَهُ يَوْم الْقِيَامَة ) ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر فِي كِتَات التَّمْهِيد . وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَل يَوْم النَّحْر أَحَبَّ إِلَى اللَّه مِنْ إِهْرَاق الدَّم إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارهَا وَأَظْلَافهَا , وَإِنَّ الدَّم لَيَقَع مِنْ اللَّه بِمَكَانٍ قَبْل أَنْ يَقَع إِلَى الْأَرْض فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا ) قَالَ : وَفِي الْبَاب عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن وَزَيْد بْن أَرْقَم . وَهَذَا حَدِيث حَسَن . الضَّحِيَّة لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهَا سُنَّة وَمَعْرُوف . وَقَالَ عِكْرِمَة : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَبْعَثنِي يَوْم الْأَضْحَى بِدِرْهَمَيْنِ أَشْتَرِي لَهُ لَحْمًا , وَيَقُول : مَنْ لَقِيت فَقُلْ هَذِهِ أُضْحِيَّة اِبْن عَبَّاس . قَالَ أَبُو عُمَر : وَمُجْمَل هَذَا وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْر وَعُمَر أَنَّهُمَا لَا يُضَحِّيَانِ عِنْد أَهْل الْعِلْم ; لِئَلَّا يُعْتَقَد فِي الْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا أَنَّهَا وَاجِبَة فَرْض , وَكَانُوا أَئِمَّة يَقْتَدِي بِهِمْ مَنْ بَعْدهمْ مِمَّنْ يَنْظُر فِي دِينه إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ الْوَاسِطَة بَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْن أُمَّته , فَسَاغَ لَهُمْ مِنْ الِاجْتِهَاد فِي ذَلِكَ مَا لَا يَسُوغ الْيَوْم لِغَيْرِهِمْ . وَقَدْ حَكَى الطَّحَاوِيّ فِي مُخْتَصَره : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْأُضْحِيَّة وَاجِبَة عَلَى الْمُقِيمِينَ الْوَاجِدِينَ مِنْ أَهْل الْأَمْصَار , وَلَا تَجِب عَلَى الْمُسَافِر . قَالَ : وَيَجِب عَلَى الرَّجُل مِنْ الْأُضْحِيَّة عَلَى وَلَده الصَّغِير مِثْل الَّذِي يَجِب عَلَيْهِ مِنْ نَفْسه . وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد فَقَالَا : لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهَا سُنَّة غَيْر مُرَخَّص لِمَنْ وَجَدَ السَّبِيل إِلَيْهَا فِي تَرْكهَا . قَالَ : وَبِهِ نَأْخُذ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا قَوْل مَالِك ; قَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ تَرْكُهَا مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا , فَإِنْ تَرَكَهَا فَبِئْسَ مَا صَنَعَ إِلَّا أَنْ يَكُون لَهُ عُذْر إِلَّا الْحَاجّ بِمِنًى . وَقَالَ الْإِمَام الشَّافِعِيّ : هِيَ سُنَّة عَلَى جَمِيع النَّاس وَعَلَى الْحَاجّ بِمِنًى وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ . وَقَدْ اِحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهَا بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا بُرْدَة بْن نِيَار أَنْ يُعِيد ضَحِيَّة أُخْرَى ; لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا لَا يُؤْمَر فِيهِ بِالْإِعَادَةِ . اِحْتَجَّ آخَرُونَ بِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ ) قَالُوا : فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَمْ يَجْعَل ذَلِكَ إِلَى إِرَادَة الْمُضَحِّي . وَهُوَ قَوْل أَبِي بَكْر وَعُمَر وَأَبِي مَسْعُود الْبَدْرِيّ وَبِلَال . وَاَلَّذِي يُضَحَّى بِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ الْأَزْوَاج الثَّمَانِيَة : وَهِيَ الضَّأْن وَالْمَعْز وَالْإِبِل وَالْبَقَر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْحَسَن بْن صَالِح أَنَّهُ قَالَ : يُضَحَّى بِبَقَرَةِ الْوَحْش عَنْ سَبْعَة , وَبِالظَّبْيِ عَنْ رَجُل . وَقَالَ الْإِمَام الشَّافِعِيّ : لَوْ نَزَا ثَوْر وَحْشِيّ عَلَى بَقَرَة إِنْسِيَّة , أَوْ ثَوْر إِنْسِيّ عَلَى بَقَرَة وَحْشِيَّة لَا يَجُوز شَيْء مِنْ هَذَا أُضْحِيَّةً . وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي : جَائِز ; لِأَنَّ وَلَدهَا بِمَنْزِلَةِ أُمّه . وَقَالَ أَبُو ثَوْر : يَجُوز إِذَا كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى الْأَنْعَام . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة [ الْحَجّ ] الْكَلَام فِي وَقْت الذَّبْح وَالْأَكْل مِنْ الْأُضْحِيَّة مُسْتَوْفًى . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَنَس قَالَ : ( ضَحَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا ) فِي رِوَايَة قَالَ : ( وَيَقُول بِسْمِ اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر ) وَقَدْ مَضَى فِي آخِر [ الْأَنْعَام ] حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْن , وَمَضَى فِي [ الْمَائِدَة ] الْقَوْل فِي التَّذْكِيَة وَبَيَانهَا وَمَا يُذَكَّى بِهِ , وَأَنَّ ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه مُسْتَوْفًى . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَن يَطَأ فِي سَوَاد وَيَبْرُك فِي سَوَاد وَيَنْظُر فِي سَوَاد فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ ) فَقَالَ لَهَا : ( يَا عَائِشَة هَلُمِّي الْمُدْيَةَ ) ثُمَّ قَالَ : ( اِشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ فَفَعَلَتْ , ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْش فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ , ثُمَّ قَالَ : ( بِسْمِ اللَّه اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَمِنْ أُمَّة مُحَمَّد ) ثُمَّ ضَحَّى بِهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا فَكَانَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ يَقُول فِي الْأُضْحِيَّة : بِسْمِ اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر هَذَا مِنْك وَلَك تَقَبَّلْ مِنْ فُلَان . وَقَالَ مَالِك : إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَحَسَن , وَإِنْ لَمْ يَفْعَل وَسَمَّى اللَّه أَجُزْأَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : وَالتَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة بِسْمِ اللَّه , فَإِنَّ زَادَ بَعْد ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ ذِكْر اللَّه , أَوْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ أَكْرَههُ , أَوْ قَالَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي , أَوْ قَالَ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَان فَلَا بَأْس . وَقَالَ النُّعْمَان : يُكْرَه أَنْ يَذْكُر مَعَ اِسْم اللَّه غَيْره ; يُكْرَه أَنْ يَقُول : اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَان عِنْد الذَّبْح . وَقَالَ : لَا بَأْس إِذَا كَانَ قَبْل التَّسْمِيَة وَقَبْل أَنْ يُضْجِع لِلذَّبْحِ . وَحَدِيث عَائِشَة يَرُدّ هَذَا الْقَوْل . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَمَّا أَرَادَ ذَبْح اِبْنه : اللَّه أَكْبَر وَالْحَمْد لِلَّهِ . فَبَقِيَ سُنَّة . رَوَى الْبَرَاء بْن عَازِب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ : مَاذَا يُتَّقَى مِنْ الضَّحَايَا ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ وَقَالَ : ( أَرْبَعًا - وَكَانَ الْبَرَاء يُشِير بِيَدِهِ وَيَقُول يَدِي أَقْصَر مِنْ يَد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَرْجَاء الْبَيِّن ظَلَعُهَا وَالْعَوْرَاء الْبَيِّن عَوَرهَا وَالْمَرِيضَة الْبَيِّن مَرَضهَا وَالْعَجْفَاء الَّتِي لَا تُنْقَى ) لَفْظ مَالِك وَلَا خِلَاف فِيهِ . وَاخْتُلِفَ فِي الْيَسِير مِنْ ذَلِكَ . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَشْرِف الْعَيْن وَالْأُذُن وَأَلَّا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا شَرْقَاء وَلَا خَرْقَاء . قَالَ : وَالْمُقَابَلَة مَا قُطِعَ طَرَف أُذُنهَا , وَالْمُدَابَرَة مَا قُطِعَ مِنْ جَانِب الْأُذُن , وَالشَّرْقَاء الْمَشْقُوقَة , وَالْخَرْقَاء الْمَثْقُوبَة ; قَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ نَافِع : أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ يَتَّقِي مِنْ الضَّحَايَا وَالْبُدْن الَّتِي لَمْ تُسْنَنْ وَاَلَّتِي نَقَصَ مِنْ خَلْقهَا . قَالَ مَالِك : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إِلَيَّ . قَالَ الْقُتَبِيّ : لَمْ تُسْنَنْ أَيْ لَمْ تَنْبُت أَسْنَانهَا كَأَنَّهَا لَمْ تُعْطَ أَسْنَانًا . وَهَذَا كَمَا يُقَال : فُلَان لَمْ يُلْبَنْ أَيْ لَمْ يُعْطَ لَبَنًا , وَلَمْ يُسْمَنْ أَيْ لَمْ يُعْطَ سَمْنًا , وَلَمْ يُعْسَل أَيْ لَمْ يُعْطَ عَسَلًا . وَهَذَا مِثْل النَّهْي فِي الْأَضَاحِيّ عَنْ الْهَتْمَاء . قَالَ أَبُو عُمَر : وَلَا بَأْس أَنْ يُضَحَّى عِنْد مَالِك بِالشَّاةِ الْهَتْمَاء إِذَا كَانَ سُقُوط أَسْنَانهَا مِنْ الْكِبَر وَالْهَرَم وَكَانَتْ سَمِينَة ; فَإِنْ كَانَتْ سَاقِطَة الْأَسْنَان وَهِيَ فَتِيَّة لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَحَّى بِهَا ; لِأَنَّهُ عَيْب غَيْر خَفِيف . وَالنُّقْصَان كُلّه مَكْرُوه , وَشَرْحه وَتَفْصِيله فِي كُتُب الْفِقْه . وَفِي الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِسْتَشْرِقُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا عَلَى الصِّرَاط مَطَايَاكُمْ ) ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ نَحْر اِبْنه أَوْ ذَبْحه أَنَّهُ يَفْدِيهِ بِكَبْشٍ كَمَا فَدَى بِهِ إِبْرَاهِيم اِبْنه ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْهُ رِوَايَة أُخْرَى : يَنْحَر مِائَة مِنْ الْإِبِل كَمَا فَدَى بِهَا عَبْد الْمُطَّلِب اِبْنه ; رَوَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ الشَّعْبِيّ . وَرَوَى عَنْهُ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد : يَجْزِيهِ كَفَّارَة يَمِين . وَقَالَ مَسْرُوق : لَا شَيْء عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : هُوَ مَعْصِيَة يَسْتَغْفِر اللَّه مِنْهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : هِيَ كَلِمَة يَلْزَمهُ بِهَا فِي وَلَده ذَبْح شَاة وَلَا يَلْزَمهُ فِي غَيْر وَلَده شَيْء . قَالَ مُحَمَّد : عَلَيْهِ فِي الْحَلِف بِنَحْرِ عَبْده مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِ فِي الْحَلِف بِنَحْرِ وَلَده إِذَا حَنِثَ . وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك فِيمَنْ قَالَ : أَنَا أَنْحَر وَلَدِي عِنْد مَقَام إِبْرَاهِيم فِي يَمِين ثُمَّ حَنِثَ فَعَلَيْهِ هَدْي . قَالَ : وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَر اِبْنه وَلَمْ يَقُلْ عِنْد مَقَام إِبْرَاهِيم وَلَا أَرَادَ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ . قَالَ : وَمَنْ جَعَلَ اِبْنَهُ هَدْيًا أَهْدَى عَنْهُ ; قَالَ الْقَاضِي اِبْن الْعَرَبِيّ : يَلْزَمهُ شَاة كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ ذَبْح الْوَلَد عِبَارَة عَنْ ذَبْح الشَّاة شَرْعًا , فَأَلْزَمَ اللَّه إِبْرَاهِيم ذَبْح الْوَلَد , وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ بِذَبْحِ شَاة . وَكَذَلِكَ إِذَا نَذَرَ الْعَبْد ذَبْح وَلَده يَلْزَمهُ أَنْ يَذْبَح شَاة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ " [ الْحَجّ : 78 ] وَالْإِيمَان اِلْتِزَام أَصْلِيّ , وَالنَّذْر اِلْتِزَام فَرْعِيّ ; فَيَجِب أَنْ يَكُون مَحْمُولًا عَلَيْهِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يُؤْمَر إِبْرَاهِيم بِذَبْحِ الْوَلَد وَهُوَ مَعْصِيَة وَالْأَمْر بِالْمَعْصِيَةِ لَا يَجُوز . قُلْنَا : هَذَا اِعْتِرَاض عَلَى كِتَاب اللَّه , وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْتَقِد الْإِسْلَام , فَكَيْف بِمَنْ يُفْتِي فِي الْحَلَال وَالْحَرَام , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " اِفْعَلْ مَا تُؤْمَر " وَاَلَّذِي يَجْلُو الْإِلْبَاس عَنْ قُلُوب النَّاس فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْمَعَاصِي وَالطَّاعَات لَيْسَتْ بِأَوْصَاف ذَاتِيَّة لِلْأَعْيَانِ , وَإِنَّمَا الطَّاعَات عِبَارَة عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْر مِنْ الْأَفْعَال , وَالْمَعْصِيَة عِبَارَة عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ النَّهْي مِنْ الْأَفْعَال , فَلَمَّا تَعَلَّقَ الْأَمْر بِذَبْحِ الْوَلَد إِسْمَاعِيل مِنْ إِبْرَاهِيم صَارَ طَاعَة وَابْتِلَاء , وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِين " فِي الصَّبْر عَلَى ذَبْح الْوَلَد وَالنَّفْس , وَلَمَّا تَعَلَّقَ النَّهْي بِنَا فِي ذَبْح أَبْنَائِنَا صَارَ مَعْصِيَة . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يَصِير نَذْرًا وَهُوَ مَعْصِيَة . قُلْنَا : إِنَّمَا يَكُون مَعْصِيَة لَوْ كَانَ يَقْصِد ذَبْح الْوَلَد بِنَذْرِهِ وَلَا يَنْوِي الْفِدَاء ؟ فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ وَقَصَدَ الْمَعْصِيَة وَلَمْ يَنْوِ الْفِدَاء ؟ قُلْنَا : لَوْ قَصَدَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ فِي قَصْده وَلَا أَثَّرَ فِي نَذْرِهِ ; لِأَنَّ نَذْر الْوَلَد صَارَ عِبَارَة عَنْ ذَبْح الشَّاة شَرْعًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • هداية الناسك إلى أهم المناسك

    هداية الناسك إلى أهم المناسك : نبذة يسيرة مختصرة تبين للحاج المسلم: كيف يؤدي مناسك حجه وعمرته من حين يحرم إلى أن يفرغ من أعمال حجه ..؟ وكيف يزور مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسلم على النبي وعلى صاحبيه، وماينبغي معرفته إلى أن يرجع إلى بلاده ..؟

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203884

    التحميل:

  • عباقرة ولكن

    عباقرة ولكن : كتاب مفيد يحتوي على تحذيرات من بعض الخرافات والبدع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/286917

    التحميل:

  • المغني في توجيه القراءات العشر المُتواترة

    المغني في توجيه القراءات العشر المُتواترة: هذا كتابٌ قيِّمٌ وضعَه المُصنِّف - رحمه الله - لتوجيه القراءات العشر من خلال الاعتماد على كُتب القراءات المشهورة؛ من مثل: طيبة النشر، والنشر في القراءات العشر كلاهما لابن الجزري - رحمه الله -. ويتلخَّص منهجُه في الكتاب في النقاط التالية: أولاً: جعل بين يدي كتابه عدة مباحث هامَّة لها صِلة وثيقة بموضوع الكتاب. ثانيًا: القراءات التي قام بتوجيهها هي العشر المُضمَّنة في كتاب «النشر». ثالثًا: كتب الكلمة القرآنية التي فيها أكثر من قراءة، والمطلوب توجيهها ثم يُتبِعها بجزءٍ من الآية القرآنية التي وردت الكلمة فيها، وبعد ذلك السورة ورقم الآية. رابعًا: أسندَ كل قراءةٍ إلى قارئِها. خامسًا: الرجوع في كل قراءةٍ إلى أهم المصادر، وفي مقدمة ذلك: طيبة النشر، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري، وغيرهما. سادسًا: راعى في تصنيفِ الكتاب ترتيبَ الكلمات القرآنية حسب وُرودها في سُورها. - ملاحظة: هذا هو الجزء الأول، وهو المُتوفِّر على الموقع الخاص بالشيخ - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384405

    التحميل:

  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم أسباب قيام الدولة السعودية وبقائها

    في هذه الرسالة ذكر بعض الأدلة من الكتاب والسّنّة على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعظم شأنهما، وبيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم أسباب قيام الدولة السعودية وبقائها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/218411

    التحميل:

  • إثبات أن «المحسن» من أسماء الله الحسنى

    إثبات أن «المحسن» من أسماء الله الحسنى: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه فوائد متنوعة، ولطائف متفرقة، جمعتُ شتاتَها من أماكن عديدة حول إثبات أن المُحسِن اسمٌ من أسماء الله الحسنى، وذكر الأدلة على ذلك من السنة بنقل الأحاديث الدالة على ذلك، وحكم أهل العلم عليها، وبيان جواز التعبيد لله به كغيره من أسماء الله الحسنى؛ لثبوته اسمًا لله، ونقل أقوال أهل العلم ممن صرَّح بذلك، وذكر عدد ممن سُمِّي بـ (عبد المحسن) إلى نهاية القرن التاسع، مع فوائد أخرى».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348307

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة