Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة فاطر - الآية 8

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) (فاطر) mp3
" مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَخَبَره مَحْذُوف . قَالَ الْكِسَائِيّ : وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : " فَلَا تَذْهَب نَفْسُك عَلَيْهِمْ حَسَرَات " فَالْمَعْنَى : أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوء عَمَله فَرَآهُ حَسَنًا ذَهَبَتْ نَفْسك عَلَيْهِمْ حَسَرَات . قَالَ : وَهَذَا كَلَام عَرَبِيّ طَرِيف لَا يَعْرِفهُ إِلَّا قَلِيل . وَذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ عَنْ الزَّجَّاج . قَالَ النَّحَّاس : وَاَلَّذِي قَالَهُ الْكِسَائِيّ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْآيَة , لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّلَالَة عَلَى الْمَحْذُوف , وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ نَهَى نَبِيّه عَنْ شِدَّة الِاغْتِمَام بِهِمْ وَالْحُزْن عَلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك " [ الْكَهْف : 6 ] قَالَ أَهْل التَّفْسِير : قَاتِل . قَالَ نَصْر بْن عَلِيّ : سَأَلْت الْأَصْمَعِيّ عَنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْل الْيَمَن : ( هُمْ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَبْخَعُ طَاعَةً ) مَا مَعْنَى أَبْخَعَ ؟ فَقَالَ : أَنْصَحُ . فَقُلْت لَهُ : إِنَّ أَهْل التَّفْسِير مُجَاهِدًا وَغَيْره يَقُولُونَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " لَعَلَّك بَاخِع نَفْسك " : مَعْنَاهُ قَاتِل نَفْسك . فَقَالَ : هُوَ مِنْ ذَاكَ بِعَيْنِهِ , كَأَنَّهُ مِنْ شِدَّة النُّصْح لَهُمْ قَاتِل نَفْسه . وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , مَجَازه : أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوء عَمَله فَرَآهُ حَسَنًا , فَلَا تَذْهَب نَفْسك عَلَيْهِمْ حَسَرَات , فَإِنَّ اللَّه يُضِلّ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء . وَقِيلَ : الْجَوَاب مَحْذُوف ; الْمَعْنَى أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوء عَمَله كَمَنْ هُدِيَ , وَيَكُون يَدُلّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوف " فَإِنَّ اللَّه يُضِلّ مَنْ , يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء " . وَقَرَأَ يَزِيد بْن الْقَعْقَاع : " فَلَا تَذْهَب نَفْسك " وَفِي " أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوء عَمَله " أَرْبَعَة أَقْوَال , أَحَدهَا : أَنَّهُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس ; قَالَهُ أَبُو قِلَابَة . وَيَكُون , " سُوء عَمَله " مُعَانَدَة الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام . الثَّانِي : أَنَّهُمْ الْخَوَارِج ; رَوَاهُ عُمَر بْن الْقَاسِم . فَيَكُون " سُوء عَمَله " تَحْرِيف التَّأْوِيل . الثَّالِث : الشَّيْطَان ; قَالَ الْحَسَن . وَيَكُون " سُوء عَمَله " الْإِغْوَاء . الرَّابِع : كُفَّار قُرَيْش ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . وَيَكُون " سُوء عَمَله " الشِّرْك . وَقَالَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْعَاص بْن وَائِل السَّهْمِيّ وَالْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب . وَقَالَ غَيْره : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل بْن هِشَام . " فَرَآهُ حَسَنًا " أَيْ صَوَابًا ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . وَقَالَ : جَمِيلًا .


قُلْت : وَالْقَوْل بِأَنَّ الْمُرَاد كُفَّار قُرَيْش أَظْهَرُ الْأَقْوَال ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ " [ الْبَقَرَة : 272 ] , وَقَوْله : " وَلَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر " [ آل عِمْرَان : 176 ] , وَقَوْله : " فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارهمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا " [ الْكَهْف : 6 ] , وَقَوْله : " لَعَلَّك بَاخِع نَفْسك أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ " , وَقَوْله فِي هَذِهِ الْآيَة :

وَهَذَا ظَاهِر بَيِّن , أَيْ لَا يَنْفَع تَأَسُّفك عَلَى مُقَامهمْ عَلَى كُفْرهمْ , فَإِنَّ اللَّه أَضَلَّهُمْ . وَهَذِهِ الْآيَة تَرُدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة قَوْلَهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ; أَيْ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوء عَمَله فَرَآهُ حَسَنًا تُرِيد أَنْ تَهْدِيه , وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّه لَا إِلَيْك , وَاَلَّذِي إِلَيْك هُوَ التَّبْلِيغ . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة وَابْن مُحَيْصِن : " فَلَا تُذْهِب " بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الْهَاء " نَفْسَك " نَصْبًا عَلَى الْمَفْعُول , وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ . " حَسَرَات " مَنْصُوب مَفْعُول مِنْ أَجْله ; أَيْ فَلَا تَذْهَب نَفْسك لِلْحَسَرَاتِ . و " عَلَيْهِمْ " صِلَة " تَذْهَب " , كَمَا تَقُول : هَلَكَ عَلَيْهِ حُبًّا وَمَاتَ عَلَيْهِ حُزْنًا . وَهُوَ بَيَان لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ . وَلَا يَجُوز أَنْ يَتَعَلَّق بِالْحَسَرَاتِ ; لِأَنَّ الْمَصْدَر لَا يَتَقَدَّم عَلَيْهِ صِلَته . وَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا كَأَنَّ كُلّهَا صَارَتْ حَسَرَات لِفَرْطِ التَّحَسُّر ; كَمَا قَالَ جَرِير : مَشَقَ الْهَوَاجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرَى حَتَّى ذَهَبْنَ كَلَاكِلًا وَصُدُورَا يُرِيد : رَجَعْنَ كَلَاكِلًا وَصُدُورًا ; أَيْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا كَلَاكِلهَا وَصُدُورهَا . وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : فَعَلَى إِثْرهمْ تُسَاقِط نَفْسِي حَسَرَات وَذِكْرهمْ لِي سَقَام أَوْ مَصْدَرًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • صلاة المريض في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة المريض في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة المريض بيّنت فيها: مفهوم المرض، ووجوب الصبر، وفضله، والآداب التي ينبغي للمريض أن يلتزمها، وأوضحت يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها، وكيفية طهارة المريض بالتفصيل، وكيفية صلاته بإيجاز وتفصيل، وحكم الصلاة: في السفينة، والباخرة، والقطار، والطائرة، والسيارة، بإيجاز وبيان مفصَّل، كما أوضحت حكم صلاة النافلة في السفر على جميع وسائل النقل، وقرنت كل مسألة بدليلها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/58444

    التحميل:

  • تذكير الشباب بما جاء في إسبال الثياب

    في هذه الرسالة بيان حكم إسبال الثياب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209175

    التحميل:

  • الحكمة من إرسال الرسل

    بين المؤلف - رحمه الله - بعض الدواعي التي تقتضي إرسال الرسل، والحكمة في اختيار الرسل إلى البشر من جنسهم وبلسان أممهم، كما بين منهج الرسل في الدعوة إلى الله، والطريقة المثلى في الدعوة إلى الله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2429

    التحميل:

  • الفتوى الحموية الكبرى

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    المدقق/المراجع: حمد بن عبد المحسن التويجري

    الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322183

    التحميل:

  • الاستعمار في العصر الحديث ودوافعه الدينية

    الاستعمار في العصر الحديث ودوافعه الدينية : تأتي هذه الدراسة في ثلاثة مباحث، الأول منها أتحدث فيه عن الاستعمار وتاريخه القريب ودوافعه الدينية وما خلفه من مآسي في عالمنا. وأما الثاني منها فخصصته للحديث عن التبشير، واستعرضت اهدافه وبعض المحطات المهمة في تاريخه في العالم الإسلامي. وفي الأخير منها درست العلاقة بين التبشير والاستعمار خلال القرنين الماضيين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228831

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة