Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة فاطر - الآية 43

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) (فاطر) mp3
أَيْ عُتُوًّا عَنْ الْإِيمَان

أَيْ مَكْر الْعَمَل السَّيِّئ وَهُوَ الْكُفْر وَخَدْع الضُّعَفَاء , وَصَدُّهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ لِيَكْثُرَ أَتْبَاعُهُمْ . وَأَنَّثَ " مِنْ إِحْدَى الْأُمَم " لِتَأْنِيثِ أُمَّة ; قَالَهُ الْأَخْفَش . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْأَخْفَش " وَمَكْر السَّيِّئْ وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيِّئُ " فَحَذَفَ الْإِعْرَاب مِنْ الْأَوَّل وَأَثْبَتَهُ فِي الثَّانِي . قَالَ الزَّجَّاج : وَهُوَ لَحْن ; وَإِنَّمَا صَارَ لَحْنًا لِأَنَّهُ حَذَفَ الْإِعْرَاب مِنْهُ . وَزَعَمَ الْمُبَرِّد أَنَّهُ لَا يَجُوز فِي كَلَام وَلَا فِي شِعْر ; لِأَنَّ حَرَكَات الْإِعْرَاب لَا يَجُوز حَذْفهَا , لِأَنَّهَا دَخَلَتْ لِلْفَرْقِ بَيْن الْمَعَانِي . وَقَدْ أَعْظَمَ بَعْض النَّحْوِيِّينَ أَنْ يَكُون الْأَعْمَش عَلَى جَلَالَته وَمَحَلّه يَقْرَأ بِهَذَا , قَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَقِف عَلَيْهِ , فَغَلِطَ مَنْ أَدَّى عَنْهُ , قَالَ : وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّهُ تَمَام الْكَلَام , وَأَنَّ الثَّانِيَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ تَمَام الْكَلَام أُعْرِبَ بِاتِّفَاقٍ , وَالْحَرَكَة فِي الثَّانِي أَثْقَلُ مِنْهَا فِي الْأَوَّل لِأَنَّهَا ضَمَّة بَيْن كَسْرَتَيْنِ . وَقَدْ اِحْتَجَّ بَعْض النَّحْوِيِّينَ لِحَمْزَةَ فِي هَذَا بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ , وَأَنَّهُ أَنْشَدَ هُوَ وَغَيْره : إِذَا اعْوَجَجْنَ قُلْت صَاحِبْ قَوِّمِ وَقَالَ الْآخَر : فَالْيَوْم أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ إِثْمًا مِنْ اللَّهِ وَلَا وَاغِلِ وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يُجِزْهُ , وَإِنَّمَا حَكَاهُ عَنْ بَعْض النَّحْوِيِّينَ , وَالْحَدِيث إِذَا قِيلَ فِيهِ عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّة , فَكَيْف وَإِنَّمَا جَاءَ بِهِ عَلَى وَجْه الشُّذُوذ وَلِضَرُورَةِ الشِّعْر وَقَدْ خُولِفَ فِيهِ . وَزَعَمَ الزَّجَّاج أَنَّ أَبَا الْعَبَّاس أَنْشَدَهُ : إِذَا اعْوَجَجْنَ قُلْت صَاحِ قَوِّمِ وَأَنَّهُ أَنْشَدَ : فَالْيَوْم اشْرَبْ غَيْر مُسْتَحْقِب بِوَصْلِ الْأَلِف عَلَى الْأَمْر ; ذَكَرَ جَمِيعه النَّحَّاس . الزَّمَخْشَرِيّ : وَقَرَأَ حَمْزَة " وَمَكْر السَّيِّئْ " بِسُكُونِ الْهَمْزَة , وَذَلِكَ لِاسْتِثْقَالِهِ الْحَرَكَاتِ , وَلَعَلَّهُ اِخْتَلَسَ فَظَنَّ سُكُونًا , أَوْ وَقَفَ وَقْفَة خَفِيفَة ثُمَّ اِبْتَدَأَ " وَلَا يَحِيق " . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود " وَمَكْرًا سَيِّئًا " وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ سَكَّنَ الْهَمْزَة مِنْ قَوْله : " وَمَكْر السَّيِّئْ " فَهُوَ عَلَى تَقْدِير الْوَقْف عَلَيْهِ , . ثُمَّ أَجْرَى الْوَصْل مَجْرَى الْوَقْف , أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَسْكَنَ الْهَمْزَة لِتَوَالِي الْكَسَرَات وَالْيَاءَات , كَمَا قَالَ : فَالْيَوْم أَشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبِ قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقَرَأَ حَمْزَة " وَمَكْر السَّيِّئْ " بِسُكُونِ الْهَمْزَة , وَخَطَّأَهُ أَقْوَام . وَقَالَ قَوْم : لَعَلَّهُ وَقَفَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَمَام الْكَلَام , فَغَلِطَ الرَّاوِي وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُ فِي الْإِدْرَاج , وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام فِي أَمْثَال هَذَا , وَقُلْنَا : مَا ثَبَتَ بِالِاسْتِفَاضَةِ أَوْ التَّوَاتُر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَهُ فَلَا بُدّ مِنْ جَوَازه , وَلَا يَجُوز أَنْ يُقَال : إِنَّهُ لَحْن , وَلَعَلَّ مُرَاد مَنْ صَارَ إِلَى التَّخْطِئَة أَنَّ غَيْره أَفْصَحُ مِنْهُ , وَإِنْ كَانَ هُوَ فَصِيحًا . " وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيِّئ إِلَّا بِأَهْلِهِ " أَيْ لَا يَنْزِل عَاقِبَة الشِّرْك إِلَّا بِمَنْ أَشْرَكَ . وَقِيلَ : هَذَا إِشَارَة إِلَى قَتْلهمْ بِبَدْرٍ . وَقَالَ الشَّاعِر : وَقَدْ دَفَعُوا الْمَنِيَّة فَاسْتَقَلَّتْ ذِرَاعًا بَعْد مَا كَانَتْ تَحِيقُ أَيْ تَنْزِل , وَهَذَا قَوْل قُطْرُب . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : " يَحِيق " بِمَعْنَى يُحِيط . وَالْحَوْق الْإِحَاطَة , يُقَال : حَاقَ بِهِ كَذَا أَيْ أَحَاطَ بِهِ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ كَعْبًا قَالَ لَهُ : إِنِّي أَجِد فِي التَّوْرَاة " مَنْ حَفَرَ لِأَخِيهِ حُفْرَة وَقَعَ فِيهَا " ؟ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَإِنِّي أُوجِدُك فِي الْقُرْآن ذَلِكَ . قَالَ : وَأَيْنَ ؟ قَالَ : فَاقْرَأْ

وَمِنْ أَمْثَال الْعَرَب " مَنْ حَفَرَ لِأَخِيهِ جُبًّا وَقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا " وَرَوَى الزُّهْرِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَمْكُرْ وَلَا تُعِنْ مَاكِرًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيِّئ إِلَّا بِأَهْلِهِ " , وَلَا تَبْغِ وَلَا تُعِنْ بَاغِيًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُث عَلَى نَفْسه " [ الْفَتْح : 10 ] وَقَالَ تَعَالَى : " إِنَّمَا بَغْيكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ " [ يُونُس : 23 ] ) وَقَالَ بَعْض الْحُكَمَاء : يَا أَيّهَا الظَّالِم فِي فِعْله وَالظُّلْم مَرْدُود عَلَى مَنْ ظَلَمْ إِلَى مَتَى أَنْتَ وَحَتَّى مَتَى تُحْصِي الْمَصَائِبَ وَتَنْسَى النِّعَمْ وَفِي الْحَدِيث ( الْمَكْر وَالْخَدِيعَة فِي النَّار ) . فَقَوْله : ( فِي النَّار ) يَعْنِي فِي الْآخِرَة تُدْخِل أَصْحَابهَا فِي النَّار ; لِأَنَّهَا مِنْ أَخْلَاق الْكُفَّار لَا مِنْ أَخْلَاق الْمُؤْمِنِينَ الْأَخْيَار ; وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي سِيَاق هَذَا الْحَدِيث : ( وَلَيْسَ مِنْ أَخْلَاق الْمُؤْمِن الْمَكْر وَالْخَدِيعَة وَالْخِيَانَة ) . وَفِي هَذَا أَبْلَغُ تَحْذِير عَنْ التَّخَلُّق بِهَذِهِ الْأَخْلَاق الذَّمِيمَة , وَالْخُرُوج عَنْ أَخْلَاق الْإِيمَان الْكَرِيمَة .

أَيْ إِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ الْعَذَاب الَّذِي نَزَلَ بِالْكُفَّارِ الْأَوَّلِينَ .

أَيْ أَجْرَى اللَّه الْعَذَاب عَلَى الْكُفَّار , وَجَعَلَ ذَلِكَ سُنَّة فِيهِمْ , فَهُوَ يُعَذِّب بِمِثْلِهِ مَنْ اِسْتَحَقَّهُ , لَا يَقْدِر أَحَد أَنْ يُبَدِّل ذَلِكَ , وَلَا أَنْ يُحَوِّل الْعَذَاب عَنْ نَفْسه إِلَى غَيْره . وَالسُّنَّة الطَّرِيقَة , وَالْجَمْع سُنَن . وَقَدْ مَضَى فِي " آل عِمْرَان " وَأَضَافَهَا إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : " سُنَّة مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا " فَأَضَافَ إِلَى الْقَوْم لِتَعَلُّقِ الْأَمْر بِالْجَانِبَيْنِ ; وَهُوَ كَالْأَجَلِ , تَارَة يُضَاف إِلَى اللَّه , وَتَارَة إِلَى الْقَوْم ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَإِنَّ أَجَل اللَّه لَآتٍ " [ الْعَنْكَبُوت : 5 ] وَقَالَ : " فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ " . [ النَّحْل : 61 ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج

    رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج : عالج فيها قضية عقدية مهمة، من أشراط الساعة، وعلامات النبوة، عظَّم النبي صلّى الله عليه وسلّم شأنها، وحذَّر أمته من خطرها، ألا وهي «فتنة المسيح الدجال». - تحقيق وتعليق : الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205543

    التحميل:

  • أثر العمل الصالح في تفريج الكروب

    أثر العمل الصالح في تفريج الكروب: إن الأعمال الصالحة جميعها تشفع أحيانًا للإنسان في الحياة الدنيا، وتُفرِّج عنه بعض مآسيه ومعاناته، وتكشف عنه كرباته وآلامه، مع العلم أن الله تعالى ليس بحاجةٍ إلى أعمال الإنسان وطاعاته وعباداته، ولكنها رحمته وفضله على عباده. وفي هذه الرسالة عرضٌ لتأثير العمل الصالح في تفريج الكربات بشقَّيْها: النفسية والمادية.

    الناشر: شبكة السنة النبوية وعلومها www.alssunnah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330170

    التحميل:

  • كيف نعيش رمضان؟

    كيف نعيش رمضان؟: رسالةٌ ألقت الضوء على كيفية استقبال شهر رمضان، وما هي طرق استغلاله في تحصيل الأجور والحسنات.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364323

    التحميل:

  • ثمرة العلم العمل

    ثمرة العلم العمل: فإن الله - جل وعلا - عظَّم قدر العلم ومكانة العلماء; وبيَّن أن العلماء أخشى الناس لله - سبحانه وتعالى -; وذلك لعلمهم بعملهم; وهذا هو ثمرةُ العلم; وفي هذه الرسالة ذكر المؤلف - حفظه الله - الشواهد والدلائل على اقتضاء العلمِ العملَ; من خلال نقاطٍ عديدة تُجلِّي هذا الأمر.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316846

    التحميل:

  • الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف

    الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف: قال المؤلف - حفظه الله -:-« فقد ترددت كثيرا في الكتابة في هذا الموضوع - المولد النبوي - احتراما للجناب المحمدي الشريف وتقديرا له، ولكن بعد أن أصبح بين المسلمين من يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا في شأن المولد وجدتني مضطرا إلى كتابة هذه الرسالة راجيا أن تضع حدا لهذه الفتنة التي تثار كل عام، ويهلك فيها ناس من المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله ».

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2698

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة