Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة فاطر - الآية 37

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (37) (فاطر) mp3
أَيْ يَسْتَغِيثُونَ فِي النَّار بِالصَّوْتِ الْعَالِي . وَالصُّرَاخ الصَّوْت الْعَالِي , وَالصَّارِخ الْمُسْتَغِيث , وَالْمُصْرِخ الْمُغِيث . قَالَ : كُنَّا إِذَا مَا أَتَانَا صَارِخ فَزِع كَانَ الصُّرَاخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنَابِيبِ

أَيْ يَقُولُونَ رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ جَهَنَّم وَرُدَّنَا إِلَى الدُّنْيَا .

قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَقُلْ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه .

أَيْ مِنْ الشِّرْك , أَيْ نُؤْمِن بَدَل الْكُفْر , وَنُطِيع بَدَل الْمَعْصِيَة , وَنَمْتَثِل أَمْر الرُّسُل .

هَذَا جَوَاب دُعَائِهِمْ ; أَيْ فَيُقَال لَهُمْ , فَالْقَوْل مُضْمَر . وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيّ : ( بَاب مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَة فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّه إِلَيْهِ فِي الْعُمُر لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " أَوَ لَمْ نُعَمِّركُمْ مَا يَتَذَكَّر فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِير " يَعْنِي الشَّيْب ) حَدَّثَنَا عَبْد السَّلَام بْن مُطَهَّر قَالَ حَدَّثَنَا عُمَر بْن عَلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْن بْن مُحَمَّد الْغِفَارِيّ عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَعْذَرَ اللَّه إِلَى اِمْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَة ) . قَالَ الْخَطَّابِيّ : " أَعْذَرَ إِلَيْهِ " أَيْ بَلَغَ بِهِ أَقْصَى الْعُذْر , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ ; أَيْ أَقَامَ عُذْر نَفْسه فِي تَقْدِيم نِذَارَته . وَالْمَعْنَى : أَنَّ مَنْ عَمَّرَهُ اللَّه سِتِّينَ سَنَة لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْر ; لِأَنَّ السِّتِّينَ قَرِيب مِنْ مُعْتَرَك الْمَنَايَا , وَهُوَ سِنّ الْإِنَابَة وَالْخُشُوع وَتَرَقُّب الْمَنِيَّة وَلِقَاء اللَّه تَعَالَى ; فَفِيهِ إِعْذَار بَعْد إِعْذَار ; الْأَوَّل بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمَوْتَانِ فِي الْأَرْبَعِينَ وَالسِّتِّينَ . قَالَ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى " أَوَ لَمْ نُعَمِّركُمْ مَا يَتَذَكَّر فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ " : إِنَّهُ سِتُّونَ سَنَة . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْعِظَته : ( وَلَقَدْ أَبْلَغَ فِي الْإِعْذَار مَنْ تَقَدَّمَ فِي الْإِنْذَار وَإِنَّهُ لَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى أَبْنَاء السِّتِّينَ " أَوَ لَمْ نُعَمِّركُمْ مَا يَتَذَكَّر فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِير " ) . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم مِنْ حَدِيث عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نُودِيَ أَبْنَاء السِّتِّينَ وَهُوَ الْعُمُر الَّذِي قَالَ اللَّه " أَوَ لَمْ نُعَمِّركُمْ مَا يَتَذَكَّر فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ " ) . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهُ أَرْبَعُونَ سَنَة . وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمَسْرُوق مِثْله . وَلِهَذَا الْقَوْل أَيْضًا وَجْه , وَهُوَ صَحِيح ; وَالْحُجَّة لَهُ قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَة " [ الْأَحْقَاف : 15 ] الْآيَة . فَفِي الْأَرْبَعِينَ تَنَاهِي الْعَقْل , وَمَا قَبْل ذَلِكَ وَمَا بَعْده مُنْتَقَص عَنْهُ , وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَقَالَ مَالِك : أَدْرَكْت أَهْل الْعِلْم بِبَلَدِنَا وَهُمْ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا وَالْعِلْم وَيُخَالِطُونَ النَّاس , حَتَّى يَأْتِيَ لِأَحَدِهِمْ أَرْبَعُونَ سَنَة , فَإِذَا أَتَتْ عَلَيْهِمْ اِعْتَزَلُوا النَّاس وَاشْتَغَلُوا بِالْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ الْمَوْت . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة " الْأَعْرَاف " . وَخَرَّجَ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَعْمَار أُمَّتِي مَا بَيْن السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ تَجَاوَزَ ذَلِكَ ) .

وَقُرِئَ " وَجَاءَتْكُمْ النُّذُر " وَاخْتُلِفَ فِيهِ ; فَقِيلَ الْقُرْآن . وَقِيلَ الرَّسُول ; قَالَهُ زَيْد بْن عَلِيّ وَابْن زَيْد . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَسُفْيَان وَوَكِيع وَالْحُسَيْن بْن الْفَضْل وَالْفَرَّاء وَالطَّبَرِيّ : هُوَ الشَّيْب . وَقِيلَ : النَّذِير الْحُمَّى . وَقِيلَ : مَوْت الْأَهْل وَالْأَقَارِب . وَقِيلَ : كَمَال الْعَقْل . وَالنَّذِير بِمَعْنَى الْإِنْذَار . قُلْت : فَالشَّيْب وَالْحُمَّى وَمَوْت الْأَهْل كُلّه إِنْذَار بِالْمَوْتِ ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْحُمَّى رَائِد الْمَوْت ) . قَالَ الْأَزْهَرِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْحُمَّى رَسُول الْمَوْت , أَيْ كَأَنَّهَا تُشْعِر بِقُدُومِهِ وَتُنْذِر بِمَجِيئِهِ . وَالشَّيْب نَذِير أَيْضًا ; لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي سِنّ الِاكْتِهَال , وَهُوَ عَلَامَة لِمُفَارَقَةِ سِنّ الصِّبَا الَّذِي هُوَ سِنّ اللَّهْو وَاللَّعِب . قَالَ : رَأَيْت الشَّيْبَ مِنْ نُذُرِ الْمَنَايَا لِصَاحِبِهِ وَحَسْبُك مِنْ نَذِيرِ وَقَالَ آخَرُ : فَقُلْت لَهَا الْمَشِيبُ نَذِيرُ عُمْرِي وَلَسْت مُسَوِّدًا وَجْه النَّذِيرِ وَأَمَّا مَوْت الْأَهْل وَالْأَقَارِب وَالْأَصْحَاب وَالْإِخْوَان فَإِنْذَار بِالرَّحِيلِ فِي كُلّ وَقْت وَأَوَان , وَحِين وَزَمَان . قَالَ : وَأَرَاك تَحْمِلهُمْ وَلَسْت تَرُدُّهُمْ فَكَأَنَّنِي بِك قَدْ حُمِلْت فَلَمْ تُرَدَّ وَقَالَ آخَر : الْمَوْتُ فِي كُلِّ حِينٍ يَنْشُرُ الْكَفَنَا وَنَحْنُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِنَا وَأَمَّا كَمَال الْعَقْل فَبِهِ تُعْرَف حَقَائِق الْأُمُور وَيُفْصَل بَيْن الْحَسَنَات وَالسَّيِّئَات ; فَالْعَاقِل يَعْمَل لِآخِرَتِهِ وَيَرْغَب فِيمَا عِنْد رَبّه ; فَهُوَ نَذِير . وَأَمَّا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَهُ اللَّه بَشِيرًا وَنَذِيرًا إِلَى عِبَاده قَطْعًا لِحُجَجِهِمْ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل " [ النِّسَاء : 165 ] وَقَالَ : " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا " [ الْإِسْرَاء : 15 ] .

يُرِيد عَذَاب جَهَنَّم ; لِأَنَّكُمْ مَا اِعْتَبَرْتُمْ وَلَا اِتَّعَظْتُمْ .

أَيْ مَانِع مِنْ عَذَاب اللَّه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الأمر بالاجتماع والإئتلاف والنهي عن التفرق والإختلاف

    في هذه الرسالة بيان حث الشارع على الائتلاف والاتفاق ونهيه عن التعادي والافتراق.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209167

    التحميل:

  • الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى

    الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى: بين المؤلف - حفظه الله - في هذا الكتاب مفهوم الحكمة الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى وأنواعها، ودرجاتها، وأركـانها التي تقوم عليها، ومعاول هدمها، وطرق ومسالك اكتسابها، ومواقف الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، التي أعز الله بها الإسلام وأهله، وأذل بها الكفر والعصيان والنفاق وأعوانها، وحكمة القول مع أصناف المدعوين على اختلاف عقائدهم وعقولهم وإدراكاتهم ومنازلهم، وحكمة القوة الفعلية مع المدعوين: الكفار، ثم عصاة المسلمين.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/276139

    التحميل:

  • التبيين لدعوات المرضى والمصابين

    التبيين لدعوات المرضى والمصابين: رسالةٌ تحتوي على بعض الموضوعات التي تختصُّ بالمرضى والمصابين وما يدعون به; والرقية الشرعية; وما يُقال عند عيادتهم; وهي مُنتقاة من كتاب المؤلف: «فقه الأدعية والأذكار».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316773

    التحميل:

  • كيف تحفظ القرآن الكريم؟

    كيف تحفظ القرآن الكريم؟ رسالة لطيفة تشتمل على خلاصة تجارب للمتخصصين في القرآن، حفظاً وتجويداً وتطبيقاً، على من يريدون حفظ كتاب الله، بالإضافة إلى اشتمالها على موضوعات مهمة، كفضل تعلم القرآن وتعليمه، وشيئاً من آداب تلاوة القرآن القلبية والظاهرية، والتي كون العمل بها له أثر بإذن الله في خشوع القلب وخضوعه لله وتدبر كتابه والتفكر في معانيه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66617

    التحميل:

  • المتحابين في الله

    « المتحابين في الله » يحتوي هذا الكتاب على العديد من العناصر، منها: كيف تكون المحبة في الله؟، ومعناها، ومكانتها ... إلخ من المسائل المهمة والتي ساقها المصنف بإسناده، والكتاب نسخة مصورة من إصدار مكتبة القرآن، بتحقيق الشيخ مجدي فتحي السيد - حفظه الله -.

    المدقق/المراجع: مجدي فتحي السيد

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/55322

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة