Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة فاطر - الآية 32

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) (فاطر) mp3
أَيْ أَعْطَيْنَا . وَالْمِيرَاث , عَطَاء حَقِيقَة أَوْ مَجَازًا ; فَإِنَّهُ يُقَال فِيمَا صَارَ لِلْإِنْسَانِ بَعْد مَوْت آخَر . و " الْكِتَاب " هَا هُنَا يُرِيد بِهِ مَعَانِيَ الْكِتَاب وَعِلْمه وَأَحْكَامه وَعَقَائِده , وَكَأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَعْطَى أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآن , وَهُوَ قَدْ تَضَمَّنَ مَعَانِي الْكُتُب الْمُنْزَلَة , فَكَأَنَّهُ وَرَّثَ أُمَّة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام الْكِتَاب الَّذِي كَانَ فِي الْأُمَم قَبْلنَا .

أَيْ اِخْتَرْنَا . وَاشْتِقَاقه مِنْ الصَّفْو , وَهُوَ الْخُلُوص مِنْ شَوَائِب الْكَدَر . وَأَصْله اصْتَفَوْنَا , فَأُبْدِلَتْ التَّاء طَاء وَالْوَاو يَاء .

قِيلَ الْمُرَاد أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيْره . وَكَانَ اللَّفْظ يَحْتَمِل جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كُلّ أُمَّة , إِلَّا أَنَّ عِبَارَة تَوْرِيث الْكِتَاب لَمْ تَكُنْ إِلَّا لِأُمَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْأُوَل لَمْ يَرِثُوهُ . وَقِيلَ : الْمُصْطَفَوْنَ الْأَنْبِيَاء , تَوَارَثُوا الْكِتَاب بِمَعْنَى أَنَّهُ اِنْتَقَلَ عَنْ بَعْضهمْ إِلَى آخَر , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُد " [ النَّمْل : 16 ] , وَقَالَ : " يَرِثنِي وَيَرِث مِنْ آل يَعْقُوب " [ مَرْيَم : 6 ] فَإِذَا جَازَ أَنْ تَكُون النُّبُوَّة مَوْرُوثَة فَكَذَلِكَ الْكِتَاب .

هَذِهِ الْآيَة مُشْكِلَة ; لِأَنَّهُ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " اِصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادنَا " ثُمَّ قَالَ : " فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ " وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاء فِيهَا مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ . قَالَ النَّحَّاس : فَمِنْ أَصَحِّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس " فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ " قَالَ : الْكَافِر ; رَوَاهُ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا " فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد وَمِنْهُمْ سَابِق بِالْخَيْرَاتِ " قَالَ : نَجَتْ فِرْقَتَانِ , وَيَكُون التَّقْدِير فِي الْعَرَبِيَّة : فَمِنْهُمْ مِنْ عِبَادنَا ظَالِم لِنَفْسِهِ ; أَيْ كَافِر . وَقَالَ الْحَسَن : أَيْ فَاسِق . وَيَكُون الضَّمِير الَّذِي فِي " يَدْخُلُونَهَا " يَعُود عَلَى الْمُقْتَصِد وَالسَّابِق لَا عَلَى الظَّالِم . وَعَنْ عِكْرِمَة وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالْفَرَّاء أَنَّ الْمُقْتَصِد الْمُؤْمِن الْعَاصِي , وَالسَّابِق التَّقِيّ عَلَى الْإِطْلَاق . قَالُوا : وَهَذِهِ الْآيَة نَظِير قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْوَاقِعَة " وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَة " [ الْوَاقِعَة : 7 ] الْآيَة . قَالُوا وَبَعِيد أَنْ يَكُون مِمَّنْ يُصْطَفَى ظَالِم . وَرَوَاهُ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس . قَالَ مُجَاهِد : " فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ " أَصْحَاب الْمَشْأَمَة , " وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد " أَصْحَاب الْمَيْمَنَة , " وَمِنْهُمْ سَابِق بِالْخَيْرَاتِ " السَّابِقُونَ مِنْ النَّاس كُلّهمْ . وَقِيلَ : الضَّمِير فِي " يَدْخُلُونَهَا " يَعُود عَلَى الثَّلَاثَة الْأَصْنَاف , عَلَى أَلَّا يَكُون الظَّالِم هَاهُنَا كَافِرًا وَلَا فَاسِقًا . وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْل عُمَر وَعُثْمَان وَأَبُو الدَّرْدَاء , وَابْن مَسْعُود وَعُقْبَة بْن عَمْرو وَعَائِشَة , وَالتَّقْدِير عَلَى هَذَا الْقَوْل : أَنْ يَكُون الظَّالِم لِنَفْسِهِ الَّذِي عَمِلَ الصَّغَائِر . و " الْمُقْتَصِد " قَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : هُوَ الَّذِي يُعْطِي الدُّنْيَا حَقّهَا وَالْآخِرَة حَقّهَا ; فَيَكُون " جَنَّات عَدْن يَدْخُلُونَهَا " عَائِدًا عَلَى الْجَمِيع عَلَى هَذَا الشَّرْح وَالتَّبْيِين ; وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ . وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار : اِسْتَوَتْ مَنَاكِبهمْ وَرَبّ الْكَعْبَة وَتَفَاضَلُوا بِأَعْمَالِهِمْ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق السَّبِيعِيّ : أَمَّا الَّذِي سَمِعْت مُنْذُ سِتِّينَ سَنَة فَكُلّهمْ نَاجٍ . وَرَوَى أُسَامَة بْن زَيْد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ : ( كُلّهمْ فِي الْجَنَّة ) . وَقَرَأَ عُمَر بْن الْخَطَّاب هَذِهِ الْآيَة ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَابِقنَا سَابِق وَمُقْتَصِدنَا نَاجٍ وَظَالِمنَا مَغْفُور لَهُ ) . فَعَلَى هَذَا الْقَوْل يُقَدَّر مَفْعُول الِاصْطِفَاء مِنْ قَوْله : " أَوْرَثْنَا الْكِتَاب الَّذِينَ اِصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادنَا " مُضَافًا حُذِفَ كَمَا حُذِفَ الْمُضَاف فِي " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] أَيْ اِصْطَفَيْنَا دِينهمْ فَبَقِيَ اِصْطَفَيْنَاهُمْ ; فَحُذِفَ الْعَائِد إِلَى الْمَوْصُول كَمَا حُذِفَ فِي قَوْله : " وَلَا أَقُول لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ " [ هُود : 31 ] أَيْ تَزْدَرِيهِمْ , فَالِاصْطِفَاء إِذًا مُوَجَّه إِلَى دِينهمْ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى لَكُمْ الدِّين " [ الْبَقَرَة : 132 ] . قَالَ النَّحَّاس : وَقَوْل ثَالِث : يَكُون الظَّالِم صَاحِب الْكَبَائِر , وَالْمُقْتَصِد الَّذِي لَمْ يَسْتَحِقّ الْجَنَّة بِزِيَادَةِ حَسَنَاته عَلَى سَيِّئَاته ; فَيَكُون : " جَنَّات عَدْن يَدْخُلُونَهَا " لِلَّذِينَ سَبَقُوا بِالْخَيْرَاتِ لَا غَيْر . وَهَذَا قَوْل جَمَاعَة مِنْ أَهْل النَّظَر ; لِأَنَّ الضَّمِير فِي حَقِيقَة النَّظَر بِمَا يَلِيه أَوْلَى .

قُلْت : الْقَوْل الْوَسَط أَوْلَاهَا وَأَصَحُّهَا إِنْ شَاءَ اللَّه ; لِأَنَّ الْكَافِر وَالْمُنَافِق لَمْ يُصْطَفَوْا بِحَمْدِ اللَّه , وَلَا اُصْطُفِيَ دِينهمْ . وَهَذَا قَوْل سِتَّة مِنْ الصَّحَابَة , وَحَسْبُك . وَسَنَزِيدُهُ بَيَانًا وَإِيضَاحًا فِي بَاقِي الْآيَة .

" فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ " مَنْ وَقَعَ فِي صَغِيرَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا قَوْل مَرْدُود مِنْ غَيْر مَا وَجْه . قَالَ الضَّحَّاك : مَعْنَى " فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ " أَيْ مِنْ ذُرِّيَّتهمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْمُشْرِك . الْحَسَن : مِنْ أُمَمهمْ , عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْره مِنْ الْخِلَاف فِي الظَّالِم . وَالْآيَة فِي أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ عِبَارَات أَرْبَاب الْقُلُوب فِي الظَّالِم وَالْمُقْتَصِد وَالسَّابِق , فَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : السَّابِق الْعَالِم , وَالْمُقْتَصِد الْمُتَعَلِّم , وَالظَّالِم الْجَاهِل . وَقَالَ ذُو النُّون الْمِصْرِيّ : الظَّالِم الذَّاكِر اللَّهَ بِلِسَانِهِ فَقَطْ , وَالْمُقْتَصِد الذَّاكِر بِقَلْبِهِ , وَالسَّابِق الَّذِي لَا يَنْسَاهُ . وَقَالَ الْأَنْطَاكِيّ : الظَّالِم صَاحِب الْأَقْوَال , وَالْمُقْتَصِد صَاحِب الْأَفْعَال , وَالسَّابِق صَاحِب الْأَحْوَال . وَقَالَ اِبْن عَطَاء : الظَّالِم الَّذِي يُحِبّ اللَّه مِنْ أَجْل الدُّنْيَا , وَالْمُقْتَصِد الَّذِي يُحِبّهُ مِنْ أَجْل الْعُقْبَى , وَالسَّابِق الَّذِي أَسْقَطَ مُرَاده بِمُرَادِ الْحَقّ . وَقِيلَ : الظَّالِم الَّذِي يَعْبُد اللَّه خَوْفًا مِنْ النَّار , وَالْمُقْتَصِد الَّذِي يَعْبُد اللَّه طَمَعًا فِي الْجَنَّة , وَالسَّابِق الَّذِي يَعْبُد اللَّه لِوَجْهِهِ لَا لِسَبَبٍ . وَقِيلَ : الظَّالِم الزَّاهِد فِي الدُّنْيَا , لِأَنَّهُ ظَلَمَ نَفْسه فَتَرَكَ لَهَا حَظًّا وَهِيَ الْمَعْرِفَة وَالْمَحَبَّة , وَالْمُقْتَصِد الْعَارِف , وَالسَّابِق الْمُحِبّ . وَقِيلَ : الظَّالِم الَّذِي يَجْزَع عِنْد الْبَلَاء , وَالْمُقْتَصِد الصَّابِر عَلَى الْبَلَاء , وَالسَّابِق الْمُتَلَذِّذ بِالْبَلَاءِ . وَقِيلَ : الظَّالِم الَّذِي يَعْبُد اللَّه عَلَى الْغَفْلَة وَالْعَادَة , وَالْمُقْتَصِد الَّذِي يَعْبُدهُ عَلَى الرَّغْبَة وَالرَّهْبَة , وَالسَّابِق الَّذِي يَعْبُدهُ عَلَى الْهَيْبَة . وَقِيلَ : الظَّالِم الَّذِي أُعْطِيَ فَمَنَعَ , وَالْمُقْتَصِد الَّذِي أُعْطِيَ فَبَذَلَ , وَالسَّابِق الَّذِي مُنِعَ فَشَكَرَ وَآثَرَ . يُرْوَى أَنَّ عَابِدَيْنِ اِلْتَقَيَا فَقَالَ : كَيْف حَال إِخْوَانكُمْ بِالْبَصْرَةِ ؟ قَالَ : بِخَيْرٍ , إِنْ أُعْطُوا شَكَرُوا وَإِنْ مُنِعُوا صَبَرُوا . فَقَالَ : هَذِهِ حَالَة الْكِلَاب عِنْدنَا بِبَلْخٍ ! عُبَّادُنَا إِنْ مُنِعُوا شَكَرُوا وَإِنْ أُعْطُوا آثَرُوا . وَقِيلَ : الظَّالِم مَنْ اِسْتَغْنَى بِمَالِهِ , وَالْمُقْتَصِد مَنْ اِسْتَغْنَى بِدِينِهِ , وَالسَّابِق مَنْ اِسْتَغْنَى بِرَبِّهِ . وَقِيلَ : الظَّالِم التَّالِي لِلْقُرْآنِ وَلَا يُعْمَل بِهِ , وَالْمُقْتَصِد التَّالِي لِلْقُرْآنِ وَيُعْمَل بِهِ , وَالسَّابِق الْقَارِئ لِلْقُرْآنِ الْعَامِل بِهِ وَالْعَالِم بِهِ . وَقِيلَ : السَّابِق الَّذِي يَدْخُل الْمَسْجِد قَبْل تَأْذِين الْمُؤَذِّن , وَالْمُقْتَصِد الَّذِي يَدْخُل الْمَسْجِد وَقَدْ أُذِّنَ , وَالظَّالِم الَّذِي يَدْخُل الْمَسْجِد وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاة ; لِأَنَّهُ ظَلَمَ نَفْسه الْأَجْر فَلَمْ يُحَصِّل لَهَا مَا حَصَّلَهُ غَيْره . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم فِي هَذَا : بَلْ السَّابِق الَّذِي يُدْرِك الْوَقْت وَالْجَمَاعَة فَيُدْرِك الْفَضِيلَتَيْنِ , وَالْمُقْتَصِد الَّذِي إِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَة لَمْ يُفَرِّط فِي الْوَقْت , وَالظَّالِم الْغَافِل عَنْ الصَّلَاة حَتَّى يَفُوت الْوَقْت وَالْجَمَاعَة , فَهُوَ أَوْلَى بِالظُّلْمِ . وَقِيلَ : الظَّالِم الَّذِي يُحِبّ نَفْسه , وَالْمُقْتَصِد الَّذِي يُحِبّ دِينه , وَالسَّابِق الَّذِي يُحِبّ رَبّه . وَقِيلَ : الظَّالِم الَّذِي يَنْتَصِف وَلَا يُنْصِف , وَالْمُقْتَصِد الَّذِي يَنْتَصِف وَيُنْصِف , وَالسَّابِق الَّذِي يُنْصِف وَلَا يَنْتَصِف . وَقَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : السَّابِق الَّذِي أَسْلَمَ قَبْل الْهِجْرَة , وَالْمُقْتَصِد مَنْ أَسْلَمَ بَعْد الْهِجْرَة , وَالظَّالِم مَنْ لَمْ يُسْلِم إِلَّا بِالسَّيْفِ ; وَهُمْ كُلّهمْ مَغْفُور لَهُمْ . قُلْت : ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَال وَزِيَادَة عَلَيْهَا الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره . وَبِالْجُمْلَةِ فَهُمْ طَرَفَانِ وَوَاسِطَة , وَهُوَ الْمُقْتَصِد الْمُلَازِم لِلْقَصْدِ وَهُوَ تَرْك الْمَيْل ; وَمِنْهُ قَوْل جَابِر بْن حُنَيّ التَّغْلِبِيّ : نُعَاطِي الْمُلُوك السَّلْم مَا قَصَدُوا لَنَا وَلَيْسَ عَلَيْنَا قَتْلُهُمْ بِمُحَرَّمِ أَيْ نُعَاطِيهِمْ الصُّلْح مَا رَكِبُوا بِنَا الْقَصْد , أَيْ مَا لَمْ يَجُورُوا , وَلَيْسَ قَتْلهمْ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْنَا إِنْ جَارُوا ; فَلِذَلِكَ كَانَ الْمُقْتَصِد مَنْزِلَة بَيْن الْمَنْزِلَتَيْنِ , فَهُوَ فَوْق الظَّالِم لِنَفْسِهِ وَدُون السَّابِق بِالْخَيْرَاتِ .

وَتَكَلَّمَ النَّاس فِي تَقْدِيم الظَّالِم عَلَى الْمُقْتَصِد وَالسَّابِق فَقِيلَ : التَّقْدِير فِي الذِّكْر لَا يَقْتَضِي تَشْرِيفًا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجَنَّة " [ الْحَشْر : 20 ] . وَقِيلَ : قُدِّمَ الظَّالِم لِكَثْرَةِ الْفَاسِقِينَ مِنْهُمْ وَغَلَبَتهمْ وَأَنَّ الْمُقْتَصِدِينَ قَلِيل بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِمْ , وَالسَّابِقِينَ أَقَلّ مِنْ الْقَلِيل ; ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَلَمْ يَذْكُرهُ غَيْره وَقِيلَ : قُدِّمَ الظَّالِم لِتَأْكِيدِ الرَّجَاء فِي حَقّه , إِذْ لَيْسَ لَهُ شَيْء يَتَّكِل عَلَيْهِ إِلَّا رَحْمَة رَبّه . وَاتَّكَلَ الْمُقْتَصِد عَلَى حُسْن ظَنّه , وَالسَّابِق عَلَى طَاعَته . وَقِيلَ : قُدِّمَ الظَّالِم لِئَلَّا يَيْأَس مِنْ رَحْمَة اللَّه , وَأُخِّرَ السَّابِق لِئَلَّا يُعْجَب بِعَمَلِهِ . وَقَالَ جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ الصَّادِق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : قَدَّمَ الظَّالِم لِيُخْبِر أَنَّهُ لَا يُتَقَرَّب إِلَيْهِ إِلَّا بِصَرْفِ رَحْمَته وَكَرَمه , وَأَنَّ الظُّلْم لَا يُؤَثِّر فِي الِاصْطِفَائِيَّة إِذَا كَانَتْ ثَمَّ عِنَايَة , ثُمَّ ثَنَّى بِالْمُقْتَصِدِينَ لِأَنَّهُمْ بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء , ثُمَّ خَتَمَ بِالسَّابِقِينَ لِئَلَّا يَأْمَن أَحَد مَكْر اللَّه , وَكُلّهمْ فِي الْجَنَّة بِحُرْمَةِ كَلِمَة الْإِخْلَاص : " لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه " . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ التِّرْمِذِيّ : جَمَعَهُمْ فِي الِاصْطِفَاء إِزَالَة لِلْعِلَلِ عَنْ الْعَطَاء ; لِأَنَّ الِاصْطِفَاء يُوجِب الْإِرْث , لَا الْإِرْث يُوجِب الِاصْطِفَاء , وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الْحِكْمَة : صَحِّحْ النِّسْبَة ثُمَّ اِدَّعِ فِي الْمِيرَاث . وَقِيلَ : أَخَّرَ السَّابِق لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْجَنَّات وَالثَّوَاب , كَمَا قَدَّمَ الصَّوَامِع وَالْبِيَع فِي " سُورَة الْحَجّ " عَلَى الْمَسَاجِد , لِتَكُونَ الصَّوَامِع أَقْرَبَ إِلَى الْهَدْم وَالْخَرَاب , وَتَكُون الْمَسَاجِد أَقْرَبَ إِلَى ذِكْر اللَّه . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُلُوك إِذَا أَرَادُوا الْجَمْع بَيْن الْأَشْيَاء بِالذِّكْرِ قَدَّمُوا الْأَدْنَى ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَسَرِيع الْعِقَاب وَإِنَّهُ لَغَفُور رَحِيم " الْأَعْرَاف : 167 ] , وَقَوْله : " يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور " [ الشُّورَى : 49 ] , وَقَوْله : " لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجَنَّة " [ الْحَشْر : 20 ] قُلْت : وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ : وَغَايَة هَذَا الْجُودِ أَنْتَ وَإِنَّمَا يُوَافِي إِلَى الْغَايَاتِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ

يَعْنِي إِتْيَاننَا الْكِتَاب لَهُمْ . وَقِيلَ : ذَلِكَ الِاصْطِفَاء مَعَ عِلْمنَا بِعُيُوبِهِمْ هُوَ الْفَضْل الْكَبِير . وَقِيلَ : وَعْد الْجَنَّة لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاث فَضْل كَبِير .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

    السياسة الشرعية : رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية والآيات النبوية، لا يستغني عنها الراعي والرعية، كتبها - رحمه الله - في ليلة لما سأله الإمام أن يعلق له شيئا من أحكام الرعايا، وما ينبغي للمتولي.

    المدقق/المراجع: علي بن محمد العمران

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com - مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية - دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/104626

    التحميل:

  • العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

    العواصم من القواصم : هذا الكتاب ألفه عالم من كبار علماء المسلمين بيانا لما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صفات الكمال، وإدحاضا لما ألصق بهم وبأعوانهم من التابعين لهم بإحسان، يصلح على صغره لأن يكون صيحة من صيحات الحق توقظ الشباب المسلم إلى هذه الدسيسة التي دسها عليهم أعداء الصحابة ومبغضوهم ليتخذوها نموذجا لأمثالها من الدسائس فيتفرغ الموفقون إلى الخير منهم لدراسة حقيقة التاريخ الإسلامي واكتشاف الصفات النبيلة في رجاله فيعلموا أن الله - عز وجل - قد كافأهم عليها بالمعجزات التي تمت على أيديهم وأيدي أعوانهم في إحداث أعظم انقلاب عرفه تاريخ الإنسانية. ولو كان الصحابة والتابعون بالصورة التي صورهم بها أعداؤهم ومبغضوهم لكان من غير المعقول أن تتم على أيديهم تلك الفتوح، وأن تستجيب لدعوتهم الأمم بالدخول في دين الله أفواجا.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/102367

    التحميل:

  • تعليق مختصر على كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    هذا تعليق مختصر كتبه فضيلة الشيخ محمد بن صـالح العثيمين - رحمه الله - على كتاب لمعة الاعتقاد الذي ألفه أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي - رحمه الله -. وقد جمع فيه مؤلفه زبدة العقيدة، ونظراً لأهمية الكتاب من جهة، وعدم وجود شرح له من جهة أخرى فقد قام الشيخ - رحمه الله - بكشف غوامضه، وتبيين موارده، وإبراز فوائده. وقد تعرض المعلق لجوانب كثيرة من جوانب العقيدة ومنها: مسألة الأسماء والصفات، ومذهب السلف فيها، والقرآن الكريم وأوصافه، والقدر، والإيمان، وكذلك السمعيات وذكر منها الإسراء والمعراج، ومجئ ملك الموت إلى موسى - عليهما السلام -، وأشراط الساعة، والحوض، والصراط، والجنة والنار. كما تعرض لخصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفضائل أصحابه - رضي الله عنهم - والشهادة بالجنة والنار، وحقوق الصحابة وحقوق زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسألة الخلافة، وأحكام البدعة وأهلها، والإجماع والتقليد بإسلوب سهل وعرض ممتع، معتمداً في ذلك على إيراد الأدلة النقلية من القرآن والسنة والتي لم يخلها من تعليق أو شرح أو بيان، وهذه التعليقات تتضمن فوائد علمية متنوعة لطلاب العلم والدارسين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313419

    التحميل:

  • المنار المنيف في الصحيح والضعيف

    المنار المنيف في الصحيح والضعيف : لخص به الموضوعات لابن الجوزي - رحمه الله - تلخيصاً حسناً، وقعَّد لها قواعد وضوابط، فجاء الكتاب على صغره ولطافة حجمه جامعاً مفيداً متميِّزاً، كسائر كتب ابن القيم - رحمه الله -. وهذا الكتاب من خير ما ألف في الموضوعات ومن أجمعها علماً، وأصغرها حجماً وأحكمها ضوابط لمعرفة الحديث دون أن يُنْظَر في سنده. والكتاب يعرض جملة من الأحاديث الموضوعة، ويضيف إليها ضوابط وقواعد يعرف بها الحديث الموضوع من الحديث الصحيح، وهذا يفيد ذوي الاختصاص في الحديث، ويأخذ بيد المبتدئ لتكوين الملكة التي تساعده على التمييز بين أنواع الحديث صحيحه وضعيفه وموضوعه.

    المدقق/المراجع: يحيى بن عبد الله الثمالي

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265616

    التحميل:

  • هيا نتعلم الوضوء

    كتاب للصغار يحتوي على ثمان صفحات من الرسومات التوضيحية لتعليم الوضوء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/328741

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة