Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة فاطر - الآية 28

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) (فاطر) mp3
وَقُرِئَ : " وَالدَّوَابِ " مُخَفَّفًا . وَنَظِير هَذَا التَّخْفِيف قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " وَلَا الضَّأْلِينَ " لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا فَرَّ مِنْ اِلْتِقَاء السَّاكِنَيْنِ , فَحَرَّكَ ذَلِكَ أَوَّلَهُمَا , وَحَذَفَ هَذَا آخِرَهُمَا ; قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيّ .

أَيْ فِيهِمْ الْأَحْمَر وَالْأَبْيَض وَالْأَسْوَد وَغَيْر ذَلِكَ , وَكُلّ ذَلِكَ دَلِيل عَلَى صَانِع مُخْتَار . وَقَالَ : " مُخْتَلِف أَلْوَانه " فَذَكَرَ الضَّمِير مُرَاعَاة لـ " ـمِنْ " ; قَالَهُ الْمُؤَرِّج . وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش : إِنَّمَا ذَكَرَ الْكِنَايَة لِأَجْلِ أَنَّهَا مَرْدُودَة إِلَى " مَا " مُضْمَرَة ; مَجَازه : وَمِنْ النَّاس وَمِنْ الدَّوَابّ وَمِنْ الْأَنْعَام مَا هُوَ مُخْتَلِف أَلْوَانه , أَيْ أَبْيَض وَأَحْمَر وَأَسْوَد .

هُنَا تَمَام الْكَلَام ; أَيْ كَذَلِكَ تَخْتَلِف أَحْوَال الْعِبَاد فِي الْخَشْيَة يَعْنِي بِالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَخَافُونَ قُدْرَته ; فَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدِير أَيْقَنَ بِمُعَاقَبَتِهِ عَلَى الْمَعْصِيَة , كَمَا رَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ " قَالَ : الَّذِينَ عَلِمُوا أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير .

قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس مَنْ لَمْ يَخْشَ اللَّه تَعَالَى فَلَيْسَ بِعَالِمٍ . وَقَالَ مُجَاهِد : إِنَّمَا الْعَالِم مَنْ خَشِيَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود : كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّه تَعَالَى عِلْمًا وَبِالِاغْتِرَارِ جَهْلًا . وَقِيلَ لِسَعْدِ بْن إِبْرَاهِيم : مَنْ أَفْقَهُ أَهْلِ الْمَدِينَة ؟ قَالَ أَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَعَنْ مُجَاهِد قَالَ : إِنَّمَا الْفَقِيه مَنْ يَخَاف اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَعَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : إِنَّ الْفَقِيه حَقَّ الْفَقِيه مَنْ لَمْ يُقَنِّط النَّاس مِنْ رَحْمَة اللَّه , وَلَمْ يُرَخِّص لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّه تَعَالَى , وَلَمْ يُؤَمِّنهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه , وَلَمْ يَدَع الْقُرْآن رَغْبَة عَنْهُ إِلَى غَيْره ; إِنَّهُ لَا خَيْر فِي عِبَادَة لَا عِلْم فِيهَا , وَلَا عِلْم لَا فِقْه فِيهِ , وَلَا قِرَاءَة لَا تَدَبُّر فِيهَا . وَأَسْنَدَ الدَّارِمِيّ أَبُو مُحَمَّد عَنْ مَكْحُول قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ فَضْل الْعَالِم عَلَى الْعَابِد كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ . إِنَّ اللَّه وَمَلَائِكَته وَأَهْل سَمَوَاته وَأَهْل أَرَضِيه وَالنُّون فِي الْبَحْر يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاس الْخَيْر الْخَبَر مُرْسَل . قَالَ الدَّارِمِيّ : وَحَدَّثَنِي أَبُو النُّعْمَان حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يَزِيد بْن حَازِم قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي جَرِير بْن زَيْد أَنَّهُ سَمِعَ تُبَيْعًا يُحَدِّث عَنْ كَعْب قَالَ : إِنِّي لَأَجِد نَعْت قَوْم يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَل , وَيَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الْعِبَادَة , وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَة , وَيَلْبَسُونَ جُلُود الضَّأْن , قُلُوبهمْ أَمَرُّ مِنْ الصَّبْر ; فَبِي يَغْتَرُّونَ , وَإِيَّايَ يُخَادِعُونَ , فَبِي حَلَفْت لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَة تَذَر الْحَلِيم فِيهِمْ حَيْرَان . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء وَقَدْ كَتَبْنَاهُ فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب . الزَّمَخْشَرِيّ : فَإِنْ قُلْت : فَمَا وَجْه قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ " بِالرَّفْعِ " مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ " بِالنَّصْبِ , وَهُوَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز . وَتُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَة . قُلْت : الْخَشْيَة فِي هَذِهِ الْقِرَاءَة اِسْتِعَارَة , وَالْمَعْنَى : إِنَّمَا يُجِلّهُمْ وَيُعَظِّمهُمْ كَمَا يُجَلُّ الْمَهِيب الْمَخْشِيّ مِنْ الرِّجَال بَيْن النَّاس مِنْ بَيْن جَمِيع عِبَاده .

تَعْلِيل لِوُجُوبِ الْخَشْيَة , لِدَلَالَتِهِ عَلَى عُقُوبَة الْعُصَاة وَقَهْرهمْ , وَإِثَابَة أَهْل الطَّاعَة وَالْعَفْو عَنْهُمْ . وَالْمُعَاقِبُ وَالْمُثِيبُ حَقُّهُ أَنْ يُخْشَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الموافقات

    الموافقات للشاطبي : موضوع الكتاب وأبوابه: هو بيان مقاصد الكتاب والسنة، والحكم والمصالح الكلية الكامنة تحت آحاد الأدلة ومفردات التشريع، والتعريف بأسرار التكاليف في هذه الشريعة الحنيفية. وقد حصر المصنف أبواب كتابه في خمسة أقسام: 1-المقدمات العلمية المحتاج إليها. 2-الأحكام. 3-مقاصد الشريعة. 4-الأدلة. 5-الاجتهاد. - والكتاب نسخة مصورة pdf تم تنزيلها من موقع المحقق الشيخ مشهور حسن سلمان - أثابه الله -. - قدم له: الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: مشهور حسن سلمان

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/280397

    التحميل:

  • صحيح السيرة النبوية

    صحيح السيرة النبوية: كتابٌ فيه ما صحّ من سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر أيامه وغزواته وسراياه والوفود إليه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2076

    التحميل:

  • نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة

    نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة تبين مفهوم التوحيد وأدلته وأنواعه وثمراته، ومفهوم الشرك وأدلة إبطالِه، وبيان الشفاعة المنفية والمثبتة، وأسباب ووسائل الشرك وأنواعه وأقسامه، وأضراره وآثاره.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1941

    التحميل:

  • أحاديث منتشرة لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم

    في هذه الرسالة التحذير من أكثر من عشرين حديثاً لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307923

    التحميل:

  • الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة

    الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة: كتابٌ يعرِض لنتاج المستشرقين عن نبي الإسلام محمد - عليه الصلاة والسلام - وما ألَّفوه عن نسبه وأحواله ودعوته، وغير ذلك.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/343851

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة