Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة سبأ - الآية 39

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) (سبأ) mp3
كَرَّرَ تَأْكِيدًا .

أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُغْتَرِّينَ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَاد إِنَّ اللَّه يُوَسِّع عَلَى مَنْ يَشَاء وَيُضَيِّق عَلَى مَنْ يَشَاء , فَلَا تَغْتَرُّوا بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَاد بَلْ أَنْفِقُوهَا فِي طَاعَة اللَّه , فَإِنَّ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي طَاعَة اللَّه فَهُوَ يُخْلِفهُ . وَفِيهِ إِضْمَار , أَيْ فَهُوَ يُخْلِفهُ عَلَيْكُمْ ; يُقَال : أَخْلَفَ لَهُ وَأَخْلَفَ عَلَيْهِ , أَيْ يُعْطِيكُمْ خَلَفه وَبَدَله , وَذَلِكَ الْبَدَل إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ يَوْم يُصْبِح الْعِبَاد فِيهِ إِلَّا وَمَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُول أَحَدهمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) . وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه قَالَ لِي أَنْفِقْ أُنْفِق عَلَيْك ... ) الْحَدِيث . وَهَذِهِ إِشَارَة إِلَى الْخَلَف فِي الدُّنْيَا بِمِثْلِ الْمُنْفَق فِيهَا إِذَا كَانَتْ النَّفَقَة فِي طَاعَة اللَّه . وَقَدْ لَا يَكُون الْخَلَف فِي الدُّنْيَا فَيَكُون كَالدُّعَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاء فِي الْإِجَابَة أَوْ التَّكْفِير أَوْ الِادِّخَار ; وَالِادِّخَار هَاهُنَا مِثْله فِي الْأَجْر مَسْأَلَة : رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو أَحْمَد بْن عَدِيّ عَنْ عَبْد الْحَمِيد الْهِلَالِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلّ مَعْرُوف صَدَقَة وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُل عَلَى نَفْسه وَأَهْله كُتِبَ لَهُ صَدَقَة وَمَا وَقَى بِهِ الرَّجُل عِرْضه فَهُوَ صَدَقَة وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُل مِنْ نَفَقَة فَعَلَى اللَّه خَلَفُهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نَفَقَة فِي بُنْيَان أَوْ مَعْصِيَة ) . قَالَ عَبْد الْحَمِيد : قُلْت لِابْنِ الْمُنْكَدِر : " مَا وَقَى الرَّجُل عِرْضه " ؟ قَالَ : يُعْطِي الشَّاعِر وَذَا اللِّسَان . عَبْد الْحَمِيد وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين . قُلْت : أَمَّا مَا أَنْفَقَ فِي مَعْصِيَة فَلَا خِلَاف أَنَّهُ غَيْر مُثَاب عَلَيْهِ وَلَا مَخْلُوف لَهُ . وَأَمَّا الْبُنْيَان فَمَا كَانَ مِنْهُ ضَرُورِيًّا يَكِنّ الْإِنْسَان وَيَحْفَظهُ فَذَلِكَ , مَخْلُوف عَلَيْهِ وَمَأْجُور بِبُنْيَانِهِ . وَكَذَلِكَ كَحِفْظِ بِنْيَته وَسَتْر عَوْرَته , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ لِابْنِ آدَم حَقّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَال , بَيْت يَسْكُنهُ وَثَوْب يُوَارِي عَوْرَته وَجِلْف الْخُبْز وَالْمَاء ) . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْأَعْرَاف " مُسْتَوْفًى .

لَمَّا كَانَ يُقَال فِي الْإِنْسَان : إِنَّهُ يَرْزُق عِيَاله وَالْأَمِير جُنْده ; قَالَ : " وَهُوَ خَيْر الرَّازِقِينَ " وَالرَّازِق مِنْ الْخَلْق يَرْزُق , لَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَال يُمْلَك عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَنْقَطِع , وَاَللَّه تَعَالَى يَرْزُق مِنْ خَزَائِن لَا تَفْنَى وَلَا تَتَنَاهَى . وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْ عَدَم إِلَى الْوُجُود فَهُوَ الرَّازِق عَلَى الْحَقِيقَة , كَمَا قَالَ : " إِنَّ اللَّه هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة الْمَتِين " [ الذَّارِيَات : 58 ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حديث: «تركت فيكم أمرَين» دراسة لمصدرية التلقي في هذا الدين

    حديث: «تركت فيكم أمرَين» دراسة لمصدرية التلقي في هذا الدين: هذا البحث جاء لإعطاء لمحة عن مصادر التلقِّي والتشريع في هذا الدين، وكيفية الاستقاء من تلك المصادر والتعامل معها.

    الناشر: شبكة السنة النبوية وعلومها www.alssunnah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330172

    التحميل:

  • الأسرة السعيدة في ظل تعاليم الإسلام

    الأسرة السعيدة في ظل تعاليم الإسلام: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «.. حديثي هنا عن المنهجِ الذي رسَمَه لنا دُستورُنا الإسلاميُّ الحنيفُ عن نظامِ «الأسرة المسلمة السعيدة» في ضوء الكتاب والسنة؛ وذلك لأن الأسرة هي الأمة الصغيرة للمجتمع الكبير، فإذا ما صلحت صلُح المجتمعُ كلُّه، وإذا ما فسَدَت فسدَ المُجتمع أيضًا؛ إذ الأسرةُ مثلَها في ذلك مثل القلبِ بالنسبةِ للإنسان. فمن الأسرة تعلّم الإنسان أفضلَ أخلاقه الاجتماعية، ومنها: تعلُّم الرأفة، والمحبَّة، والحَنان. إذًا فلا بُدَّ أن يكون هناك نظامٌ قائمٌ على الحبِّ، والعطفِ، والتراحُمِ، والتعاوُنِ بين أفراد الأسرة الواحِدة حتى تظلَّ مُتماسِكة فيما بينها، وأفضل نظام في ذلك هو ما تضمَّنَته تعاليمُ الإسلام. وقد رأيتُ أن أُضمِّن كتابي هذا بعضَ الأُسس المُستمدَّة من تعاليم الإسلام، وسمَّيتُه: «الأسرة السعيدة في ظل تعاليم الإسلام»؛ رجاء أن تكون هذه الأُسس نورًا تسيرُ عليه الأسرة المسلمة لتسعَد في حياتها وآخرتها».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384407

    التحميل:

  • لا تستوحش لهم الغبراء

    لا تستوحش لهم الغبراء: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن أمر الورع قد ندر وقلَّ في هذا الزمن.. وها هو قلمي يَنزوي حياء أن يكتب في هذا الموضوع، لما في النفس من تقصير وتفريط ولكن حسبها موعظة تقع في القلب مسلم ينتفع بها.. وهذا هو الجزء «التاسع عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «لا تستوحش لهم الغبراء» ومدار حديثه وسطوره عن الورع والبعد عن الشُبه».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229606

    التحميل:

  • رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة

    رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة: في هذه المرحلة من الضعف التي تمرُّ بها أمتُنا المسلمة، اجترأ مَن لا خَلاقَ لهم من أعدائنا على نفث سُموم غِلِّهم وحِقدهم بنشر الأكاذيب والأباطيل على الإسلام ونبي المسلمين. وهذا البحث الذي بين يديك - أيها القارئ الكريم - هو ردُّ تلك الأباطيل وبيانُ زيفِها وفسادها، وبخاصَّة فِرية العنف والإرهاب والغِلظة، التي افتُرِيَ بها على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، واعتمَدَ الباحثُ على الاستدلال بالحُجَج العقلية والتاريخية والمادية المحسوسة؛ ليكونَ ذلك أدعَى إلى قبول الحق والإذعان لبدَهيَّاته.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341375

    التحميل:

  • رسالة إلى أئمة المساجد وخطباء الجوامع

    اشتملتْ على نصيحة في الحثِّ على العناية بالصلاة، وعلى مِقدار صلاة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى بيان واجباتِ إمام المسجد ومسؤوليته، وما يَنبغي له، وبيان الإمامة الصحيحة، ووظيفة الأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحُكم الجَهْر بالقراءة في المسجد، وعلى ذِكْر حالات المأموم مع إمامة في صلاة الجماعة، وتنبيهات على بعضِ الأخطاء التي يفعلُها بعضُ المصلِّين في صلاتِهم. وعلى ذِكْر مسائلَ في السَّهو في الصلاة، وحُكم القنوت في صلاة الوتر، وصلاة الفَجْر، وحُكم إمامةِ مَن يَشربُ الدُّخان، وحُكم إمامةِ حالِقِ اللِّحية للصلاة، وعلى ذِكْر أسماء بعض الكتب التي تناسب قراءتُها على الجماعة في المساجد والمجالس وغيرها، وذِكْر ما يتعلَّق بصلاة الجُمُعة وخُطبتِها، وحُكمها وحِكمتها، وذِكْر أسماء بعض مراجع خُطب الجُمُعة والعيدين. كما اشتملتْ على ثلاث نصائحَ لم يتخلَّفون عن أداء الصلاةِ مع الجماعة، وعلى ذِكْر الأمور التي ينبغي على الإمام مراعاتُها تجاهَ المأمومين في نُصْحهم وإرشادِهم، كما اشتملتْ على ذِكْر ما تيسَّر من أحكام الإمامة والائتمام، وذكر في آخرِها أسماء المراجع والفهرس.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334999

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة