Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة سبأ - الآية 19

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) (سبأ) mp3
لَمَّا بَطِرُوا وَطَغَوْا وَسَئِمُوا الرَّاحَة وَلَمْ يَصْبِرُوا عَلَى الْعَافِيَة تَمَنَّوْا طُول الْأَسْفَار وَالْكَدْح فِي الْمَعِيشَة ; كَقَوْلِ بَنِي إِسْرَائِيل , : " فَادْعُ لَنَا رَبّك يُخْرِج لَنَا مِمَّا تُنْبِت الْأَرْض مِنْ بَقْلهَا " [ الْبَقَرَة : 61 ] الْآيَة . وَكَالنَّضْرِ بْن الْحَارِث حِين قَالَ : " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة مِنْ السَّمَاء " [ الْأَنْفَال : 32 ] فَأَجَابَهُ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَقُتِلَ يَوْم بَدْر بِالسَّيْفِ صَبْرًا ; فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ تَبَدَّدُوا فِي الدُّنْيَا وَمُزِّقُوا كُلّ مُمَزَّق , وَجُعِلَ بَيْنهمْ وَبَيْن الشَّام فَلَوَات وَمَفَاوِز يَرْكَبُونَ فِيهَا الرَّوَاحِل وَيَتَزَوَّدُونَ الْأَزْوَاد . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " رَبَّنَا " بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ نِدَاء مُضَاف , وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مَفْعُول بِهِ , لِأَنَّ مَعْنَاهُ : نَادَيْت وَدَعَوْت . " بَاعِدْ " سَأَلُوا الْمُبَاعَدَة فِي أَسْفَارهمْ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو وَابْن مُحَيْصِن وَهِشَام عَنْ اِبْن عَامِر : " رَبَّنَا " كَذَلِكَ عَلَى الدُّعَاء " بَعِّدْ " مِنْ التَّبْعِيد . النَّحَّاس : وَبَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِد فِي الْمَعْنَى , كَمَا تَقُول : قَارِبْ وَقَرِّبْ . وَقَرَأَ أَبُو صَالِح وَمُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة وَأَبُو الْعَالِيَة وَنَصْر بْن عَاصِم وَيَعْقُوب , وَيُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس : " رَبُّنَا " رَفْعًا " بَاعَدَ " بِفَتْحِ الْعَيْن وَالدَّال عَلَى الْخَبَر , تَقْدِيره : لَقَدْ بَاعَدَ رَبُّنَا بَيْن أَسْفَارنَا , كَأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : قَرَّبْنَا لَهُمْ أَسْفَارهمْ فَقَالُوا أَشَرًا وَبَطَرًا : لَقَدْ بُوعِدَتْ عَلَيْنَا أَسْفَارُنَا . وَاخْتَارَ هَذِهِ الْقِرَاءَة أَبُو حَاتِم قَالَ : لِأَنَّهُمْ مَا طَلَبُوا التَّبْعِيد إِنَّمَا طَلَبُوا أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ الْقُرْب بَطَرًا وَعَجَبًا مَعَ كُفْرهمْ . وَقِرَاءَة يَحْيَى بْن يَعْمُر وَعِيسَى بْن عُمَر وَتُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس " رَبَّنَا بَعِّدْ بَيْن أَسْفَارنَا " بِشَدِّ الْعَيْن مِنْ غَيْر أَلِف , وَفَسَّرَهَا اِبْن عَبَّاس قَالَ : شَكَوْا أَنَّ رَبّهمْ بَاعَدَ بَيْن أَسْفَارهمْ . وَقِرَاءَة سَعِيد بْن أَبِي الْحَسَن أَخِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ " رَبّنَا بَعِّدْ بَيْن أَسْفَارنَا . " رَبَّنَا " نِدَاء مُضَاف , ثُمَّ أَخْبَرُوا بَعْد ذَلِكَ فَقَالُوا : " بَعُدَ بَيْنُ أَسْفَارِنَا " وَرُفِعَ " بَيْنُ " بِالْفِعْلِ , أَيْ , بَعُدَ مَا يَتَّصِل بِأَسْفَارِنَا . وَرَوَى الْفَرَّاء وَأَبُو إِسْحَاق قِرَاءَة سَادِسَة مِثْل الَّتِي قَبْلهَا فِي ضَمّ الْعَيْن إِلَّا أَنَّك تَنْصِب " بَيْن " عَلَى ظَرْف , وَتَقْدِيره فِي الْعَرَبِيَّة : بَعُدَ سَيْرُنَا بَيْنَ أَسْفَارِنَا . النَّحَّاس : وَهَذِهِ الْقِرَاءَات إِذَا اِخْتَلَفَتْ مَعَانِيهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَال إِحْدَاهَا أَجْوَدُ مِنْ الْأُخْرَى , كَمَا لَا يُقَال ذَلِكَ فِي أَخْبَار الْآحَاد إِذَا اِخْتَلَفَتْ مَعَانِيهَا , وَلَكِنْ خُبِّرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ دَعَوْا رَبّهمْ أَنْ يُبْعِد بَيْن أَسْفَارهمْ بَطَرًا وَأَشَرًا , وَخُبِّرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمَّا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِمْ خَبَّرُوا بِهِ وَشَكَوْا , كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس .

أَيْ بِكُفْرِهِمْ

أَيْ يُتَحَدَّث بِأَخْبَارِهِمْ , وَتَقْدِيره فِي الْعَرَبِيَّة : ذَوِي أَحَادِيث .

أَيْ لَمَّا لَحِقَهُمْ مَا لَحِقَهُمْ تَفَرَّقُوا وَتَمَزَّقُوا . قَالَ الشَّعْبِيّ : فَلَحِقَتْ الْأَنْصَار بِيَثْرِب , وَغَسَّان بِالشَّامِ , وَالْأَسَد بِعُمَان , وَخُزَاعَة بِتِهَامَة , وَكَانَتْ الْعَرَب تَضْرِب بِهِمْ الْمَثَل فَتَقُول : تَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبَأ وَأَيَادِي سَبَأ , أَيْ مَذَاهِب سَبَأ وَطُرُقهَا .

الصَّبَّار الَّذِي يَصْبِر عَنْ الْمَعَاصِي , وَهُوَ تَكْثِير صَابِر يُمْدَح بِهَذَا الِاسْم . فَإِنْ أَرَدْت أَنَّهُ صَبَرَ عَنْ الْمَعْصِيَة لَمْ يُسْتَعْمَل فِيهِ إِلَّا صَبَّار عَنْ كَذَا . " شَكُور " لِنِعَمِهِ ; وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح الأصول الستة

    الأصول الستة: رسالة لطيفة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - قال في مقدمتها « من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة المللك الغلاب ستة أصول بينها الله تعالى بيانًا واضحًا للعوام فوق ما يظن الظانون، ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل‏ ». والأصول الستة هي: الأصل الأول‏:‏ الإخلاص وبيان ضده وهو الشرك‏.‏ الأصل الثاني‏:‏ الاجتماع في الدين والنهي عن التفرق فيه‏.‏ الأصل الثالث‏:‏ السمع والطاعة لولاة الأمر‏.‏ الأصل الرابع‏:‏ بيان العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، ومن تشبه بهم وليس منهم‏.‏ الأصل الخامس‏:‏ بيان من هم أولياء الله‏.‏ الأصل السادس‏:‏ رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة‏.‏

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314813

    التحميل:

  • طبقات النسابين

    طبقات النسابين : مجلد طبع عام 1407هـ ألفه الشيخ لأنه لم يجد من أفرد لطبقات النسابين كتاب مع عنايتهم بالأنساب في كتب التواريخ والتراجم وفي مفردات مستقلة ولما لهذا العلم من شرف في حدود الشرع فقد جرد لها هذا الكتاب ذاكراً ما وقف عليه من مؤلفات في النسب للنسابين وقد ألحق الشيخ الطبقات بملاحق: الأول: من لم يتم الوقوف على تاريخ وفاته من النسابين. الثاني: الأحياء في القرن الخامس العشر الهجري الذين ألفوا في النسب. الثالث: أعجام الأعلام. الرابع: أعجام المؤلفات. الخامس: تصنيف المؤلفات في علم النسب على الموضوعات.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172260

    التحميل:

  • مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز

    مجموع فتاوى ومقالات متنوعة : مجموعة من الكتب التي جمعت مما قال وصنف وأملى وأفتى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء ورئيس إدارات البحوث والإفتاء فيها، قام بجمعها الشيخ محمد بن سعد الشويعر - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/179315

    التحميل:

  • المختار في أصول السنة

    المختار في أصول السنة: فقد كان لأئمة السنة وعلماء الأمة جهود كثيرة وأنشطة كبيرة في سبيل نشر العقيدة وتثبيتها وتصحيحها، والذبِّ عنها وإبطال كل ما يُخالفها ويضادُّها من أقوالٍ كاسِدة، وآراء فاسدة، وانحرافاتٍ بعيدةٍ باطلة. وهذا الكتاب «المختار في أصول السنة» هو عقدٌ في ذلك النظم المبارك، ولبنةٌ في هذا البناء المشيد، ألَّفه الإمام أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنا الحنبلي البغدادي المتوفى سنة 471 هـ - رحمه الله تعالى -، أكثره تلخيص لكتاب الشريعة للآجري، وكتاب التوحيد من صحيح البخاري، وكتاب تأويل مشكل الحديث لابن قتيبة، مع إضافاتٍ علميةٍ وفوائد مهمة، يذكرها المؤلف - رحمه الله -.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348309

    التحميل:

  • كيف نفهم التوحيد؟

    کیف نفهم التوحيد؟: رسالة مختصرة في بيان حقيقة التوحيد بأسلوبٍ حواريٍّ علميٍّ مفيد.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166784

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة