Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة سبأ - الآية 15

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) (سبأ) mp3
قَرَأَ نَافِع وَغَيْره بِالصَّرْفِ وَالتَّنْوِين عَلَى أَنَّهُ اِسْم حَيّ , وَهُوَ فِي الْأَصْل اِسْم رَجُل ; جَاءَ بِذَلِكَ التَّوْقِيف عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى التِّرْمِذِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَعَبْد بْن حُمَيْد قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ الْحَسَن بْن الْحَكَم النَّخَعِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَبْرَة النَّخَعِيّ عَنْ فَرْوَة بْن مُسَيْك الْمُرَادِيّ قَالَ : أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه , أَلَا أُقَاتِل مَنْ أَدْبَرَ مِنْ قَوْمِي بِمَنْ أَقْبَلَ مِنْهُمْ ; فَأَذِنَ لِي فِي قِتَالهمْ وَأَمَّرَنِي ; فَلَمَّا خَرَجْت مِنْ عِنْده سَأَلَ عَنِّي : ( مَا فَعَلَ الْغُطَيْفِيّ ) ؟ فَأُخْبِرَ أَنِّي قَدْ سِرْت , قَالَ : فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَرَدَّنِي فَأَتَيْته وَهُوَ فِي نَفَر مِنْ أَصْحَابه فَقَالَ : ( اُدْعُ الْقَوْم فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَاقْبَلْ مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يُسْلِم فَلَا تَعْجَل حَتَّى أُحْدِث إِلَيْك ; قَالَ : وَأُنْزِلَ فِي سَبَإٍ مَا أُنْزِلَ ; فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , وَمَا سَبَأ ؟ أَرْض أَوْ اِمْرَأَة ؟ قَالَ : لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلَا بِامْرَأَةٍ وَلَكِنَّهُ رَجُل وَلَدَ عَشَرَة مِنْ الْعَرَب فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّة وَتَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَة . فَأَمَّا الَّذِينَ تَشَاءَمُوا فَلَخْم وَجُذَام وَغَسَّان وَعَامِلَة . وَأَمَّا الَّذِينَ تَيَامَنُوا فَالْأَزْد وَالْأَشْعَرِيُّونَ وَحِمْيَر وَكِنْدَة وَمَذْحِج وَأَنْمَار . فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه وَمَا أَنْمَار ؟ قَالَ : ( الَّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَم وَبَجِيلَة ) . وَرُوِيَ هَذَا عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو " لِسَبَأَ " بِغَيْرِ صَرْف , جَعَلَهُ اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ , وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد , وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ اِسْم قَبِيلَة بِأَنَّ بَعْده " فِي مَسَاكِنهمْ " . النَّحَّاس : وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَكَانَ فِي مَسَاكِنهَا . وَقَدْ مَضَى فِي " النَّمْل " زِيَادَة بَيَان لِهَذَا الْمَعْنَى . وَقَالَ الشَّاعِر فِي الصَّرْف : الْوَارِدُونَ وَتَيْمٌ فِي ذُرَى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جِلْدُ الْجَوَامِيسِ وَقَالَ آخَر فِي غَيْر الصَّرْف : مِنْ سَبَأَ الْحَاضِرِينَ مَأْرِبَ إِذْ يَبْنُونَ مِنْ دُون سَيْلهَا الْعَرِمَا وَقَرَأَ قُنْبُل وَأَبُو حَنِيفَة وَالْجَحْدَرِيّ " لِسَبَأْ " بِإِسْكَانِ الْهَمْزَة . " فِي مَسَاكِنهمْ " قِرَاءَة الْعَامَّة عَلَى الْجَمْع , وَهِيَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد وَأَبِي حَاتِم ; لِأَنَّ لَهُمْ مَسَاكِن كَثِيرَة وَلَيْسَ بِمَسْكَنٍ وَاحِد . وَقَرَأَ إِبْرَاهِيم وَحَمْزَة وَحَفْص " مَسْكَنهمْ " مُوَحَّدًا , إِلَّا أَنَّهُمْ فَتَحُوا الْكَاف . وَقَرَأَ يَحْيَى وَالْأَعْمَش وَالْكِسَائِيّ مُوَحَّدًا كَذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُمْ كَسَرُوا الْكَاف . قَالَ النَّحَّاس : وَالسَّاكِن فِي هَذَا أَبْيَنُ ; لِأَنَّهُ يَجْمَع اللَّفْظ وَالْمَعْنَى , فَإِذَا قُلْت " مَسْكَنهمْ " كَانَ فِيهِ تَقْدِيرَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون وَاحِدًا يُؤَدِّي عَنْ الْجَمْع . وَالْأُخَر : أَنْ يَكُون مَصْدَرًا لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع ; كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ وَعَلَى أَبْصَارهمْ " [ الْبَقَرَة : 7 ] فَجَاءَ بِالسَّمْعِ مُوَحَّدًا . وَكَذَا " مَقْعَدِ صِدْقٍ " [ الْقَمَر : 55 ] و " مَسْكِن " مِثْل مَسْجِد , خَارِج عَنْ الْقِيَاس , وَلَا يُوجَد مِثْله إِلَّا سَمَاعًا . " آيَة " اِسْم كَانَ , أَيْ عَلَامَة دَالَّة عَلَى قُدْرَة اللَّه تَعَالَى عَلَى أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا خَلَقَهُمْ , وَأَنَّ كُلّ الْخَلَائِق لَوْ اِجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ الْخَشَبَة ثَمَرَة لَمْ يُمْكِنهُمْ ذَلِكَ , وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى اِخْتِلَاف أَجْنَاس الثِّمَار وَأَلْوَانهَا وَطُعُومهَا وَرَوَائِحهَا وَأَزْهَارهَا , وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُون إِلَّا مِنْ عَالِم قَادِر .

يَجُوز أَنْ يَكُون بَدَلًا مِنْ " آيَة " , وَيَجُوز أَنْ يَكُون خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف , فَيُوقَف عَلَى هَذَا الْوَجْه عَلَى " آيَة " وَلَيْسَ بِتَمَامٍ . قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ الْآيَة جَنَّتَانِ , فَجَنَّتَانِ رُفِعَ لِأَنَّهُ خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف . وَقَالَ الْفَرَّاء : رُفِعَ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ , وَيَجُوز أَنْ تَنْصِب " آيَة " عَلَى أَنَّهَا خَبَر كَانَ , وَيَجُوز أَنْ تَنْصِب الْجَنَّتَيْنِ عَلَى الْخَبَر أَيْضًا فِي غَيْر الْقُرْآن . وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد : إِنَّ الْآيَة الَّتِي كَانَتْ لِأَهْلِ سَبَأ فِي مَسَاكِنهمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِيهَا بَعُوضَة قَطُّ وَلَا ذُبَابًا وَلَا بُرْغُوثًا وَلَا قَمْلَة وَلَا عَقْرَبًا وَلَا حَيَّة وَلَا غَيْرهَا مِنْ الْهَوَامّ , وَإِذَا جَاءَهُمْ الرَّكْب فِي ثِيَابهمْ الْقَمْل وَالدَّوَابّ فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى بُيُوتهمْ مَاتَتْ الدَّوَابّ . وَقِيلَ : إِنَّ الْآيَة هِيَ الْجَنَّتَانِ , كَانَتْ الْمَرْأَة تَمْشِي فِيهِمَا وَعَلَى رَأْسهَا مِكْتَل فَيَمْتَلِئ مِنْ أَنْوَاع الْفَوَاكِه مِنْ غَيْر أَنْ تَمَسّهَا بِيَدِهَا ; قَالَهُ قَتَادَة . وَرُوِيَ أَنَّ الْجَنَّتَيْنِ كَانَتَا بَيْن جَبَلَيْنِ بِالْيَمَنِ . قَالَ سُفْيَان : وُجِدَ فِيهِمَا قَصْرَانِ مَكْتُوب عَلَى أَحَدهمَا : نَحْنُ بَنَيْنَا سَلْحِينَ فِي سَبْعِينَ خَرِيفًا دَائِبِينَ , وَعَلَى الْآخَر مَكْتُوب : نَحْنُ بَنَيْنَا صِرْوَاح , مَقِيل وَمَرَاح ; فَكَانَتْ إِحْدَى الْجَنَّتَيْنِ عَنْ يَمِين الْوَادِي وَالْأُخْرَى عَنْ شِمَاله . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَلَمْ يُرِدْ جَنَّتَيْنِ اِثْنَيْنِ بَلْ أَرَادَ مِنْ الْجَنَّتَيْنِ يَمْنَة وَيَسْرَة ; أَيْ كَانَتْ بِلَادهمْ ذَات بَسَاتِينَ وَأَشْجَار وَثِمَار ; تَسْتَتِر النَّاس بِظِلَالِهَا . " كُلُوا مِنْ رِزْق رَبّكُمْ " أَيْ قِيلَ لَهُمْ كُلُوا , وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَمْر , وَلَكِنَّهُمْ تَمَكَّنُوا مِنْ تِلْكَ النِّعَم . وَقِيلَ : أَيْ قَالَتْ الرُّسُل لَهُمْ قَدْ أَبَاحَ اللَّه تَعَالَى لَكُمْ ذَلِكَ ; أَيْ أَبَاحَ لَكُمْ هَذِهِ النِّعَم فَاشْكُرُوهُ بِالطَّاعَةِ .

أَيْ مِنْ ثِمَار الْجَنَّتَيْنِ .

يَعْنِي عَلَى مَا رَزَقَكُمْ .

هَذَا كَلَام مُسْتَأْنَف ; أَيْ هَذِهِ بَلْدَة طَيِّبَة أَيْ كَثِيرَة الثِّمَار . وَقِيلَ : غَيْر سَبْخَة . وَقِيلَ : طَيِّبَة لَيْسَ فِيهَا هَوَامّ لِطِيبِ هَوَائِهَا . قَالَ مُجَاهِد : هِيَ صَنْعَاء .

أَيْ وَالْمُنْعِم بِهَا عَلَيْكُمْ رَبّ غَفُور يَسْتُر ذُنُوبكُمْ , فَجَمَعَ لَهُمْ بَيْن مَغْفِرَة ذُنُوبهمْ وَطِيب بَلَدهمْ وَلَمْ يَجْمَع ذَلِكَ لِجَمِيعِ خَلْقه . وَقِيلَ : إِنَّمَا ذَكَرَ الْمَغْفِرَة مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الرِّزْق قَدْ يَكُون فِيهِ حَرَام . وَقَدْ . مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا فِي أَوَّل " الْبَقَرَة " . وَقِيلَ : إِنَّمَا اِمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِعَفْوِهِ عَنْ عَذَاب الِاسْتِئْصَال بِتَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبُوهُ مِنْ سَالِف الْأَنْبِيَاء إِلَى أَنْ اِسْتَدَامُوا الْإِصْرَار فَاسْتُؤْصِلُوا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • صفة صاحب الذوق السليم ومسلوب الذوق اللئيم

    صفة صاحب الذوق السليم ومسلوب الذوق اللئيم : يحتوى هذا الكتاب على بيان صفات أولي الألباب وأضدادهم الحائدين عن الصواب‏.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141389

    التحميل:

  • شرح الفتوى الحموية الكبرى [ صالح آل الشيخ ]

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322206

    التحميل:

  • المختصر الميسر لأركان الإسلام والإيمان

    في هذا الكتاب شرح ميسر مختصر لأركان الإسلام والإيمان.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/372696

    التحميل:

  • مكفرات الذنوب والخطايا وأسباب المغفرة من الكتاب والسنة

    مكفرات الذنوب والخطايا وأسباب المغفرة من الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة في «مكفِّرات الذنوب والخطايا وأسباب المغفرة» بيَّنتُ فيها مكفرات الذنوب والخطايا، وأسباب المغفرة من الكتاب والسنة، وقد قسمتُ البحثَ إلى المباحث الآتية: المبحث الأول: مفهوم مكفرات الذنوب. المبحث الثاني: مكفرات الذنوب من القرآن الكريم. المبحث الثالث: مكفرات الذنوب من السنة المطهرة الصحيحة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339418

    التحميل:

  • شروط الصلاة وأركانها وواجباتها

    شروط الصلاة وأركانها وواجباتها : رسالة مختصرة كتبها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وقد اشتملت على شروط الصلاة وواجباتها وأركانها وهذا الركن أهم وأعظم الأركان بعد الشهادتين وهي الركن التي يؤديها المسلم في اليوم والليلة خمس مرات.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264151

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة